
بشرى سارة… الراتب وصل! أما النصف الآخر فما زال عالقًا في السياسة ، بقلم : د. عمر السلخي
في معظم دول العالم، ينتظر الموظف نهاية الشهر ليعرف متى سينزل راتبه، أما في فلسطين، فالأمر أكثر إثارة وتشويقًا؛ إذ ينتظر الموظف البيان الصحفي أولًا، ليعرف ثلاثة أمور دفعة واحدة: هل سيُصرف الراتب؟ ومتى سيُصرف؟ وكم ستكون نسبته؟
فصرف الراتب هنا ليس إجراءً ماليًا روتينيًا، بل حدثٌ وطني، يسبقه ترقب، وتحليلات، وتوقعات، وربما أكثر مما يسبق إعلان نتائج الانتخابات.
وتبدأ التعليقات فور صدور البيان: “كم النسبة هذه المرة؟” “هل هي 60% أم 50%؟” “هل سيكون الصرف اليوم أم غدًا؟” حتى أصبح الموظف يحفظ بيانات وزارة المالية أكثر مما يحفظ أعياد ميلاد أفراد عائلته.
وفي إنجازٍ مالي يتكرر حتى أصبح جزءًا من التراث الفلسطيني، تصل الرسالة المنتظرة: “تم إيداع نصف الراتب.”
أما النصف الآخر، فما زال يخوض رحلةً طويلة بين الحصار المالي، وأموال المقاصة المحتجزة، والقرارات السياسية، والاجتماعات الطارئة، والبيانات الختامية التي تنتهي دائمًا بعبارة: “تستمر الجهود.”
ويبدو أن الراتب للموظف في فلسطين لم يعد مجرد تحويل بنكي، بل أصبح ملفًا سياسيًا معقدًا، يحتاج إلى مفاوضات أكثر مما يحتاجه مشروع سلام.
فالأسعار لا تعرف معنى “نصف الراتب”، البقال يريد ثمن البضاعة كاملًا، وصاحب المنزل يريد الإيجار كاملًا، وشركة الكهرباء لا ترسل نصف فاتورة،وشركة الإتصالات وجوال واوريدو تريد تغطيه كامل الفاتوره دون تاجيل، ومحطة الوقود لا تمنح خصمًا لأن الموظف قبض نصف مستحقاته.
أما المواطن، فقد أصبح خبيرًا اقتصاديًا ومحللًا سياسيًا رغماً عنه، يبدأ يومه بمتابعة الأخبار، لا ليعرف نتائج المباريات، بل ليسأل: هل أُفرج عن أموال المقاصة؟ وهل وصل دعم عربي ؟ وهل وصل دعم من الاتحاد الاوروبي او اي دعم اجنبي ؟ وهل ظهرت أزمة جديدة؟
ثم تبدأ فصول جديدة من الرواية، عندما تتحول رواتب الأسرى والشهداء إلى محور ضغوط وشروط سياسية، وتصبح الأموال الفلسطينية رهينة ضغوطات لا يملك الموظف أي دور فيها، بينما ينتظر آخر الشهر ليشتري احتياجات أطفاله أو يسدد قسطًا متراكمًا.
وكأن هذا لا يكفي، يظهر بطل جديد في القصة اسمه “الدعم الأجنبي المشروط”، هذا الدعم يشبه قريبًا ثريًا يزورك حاملاً هدية جميلة، لكنه قبل أن يسلمك إياها، يطلب أن تغيّر أثاث المنزل، ولون الجدران، وطريقة إدارة البيت، ثم يبتسم ويقول: “نحن معكم”.
حتى أصبح الراتب الفلسطيني يسافر أكثر من أصحابه؛ يمر على العواصم، ويجتاز الشروط، ويتوقف عند المقاصة، ويشارك في المؤتمرات، ثم يعود إلى الموظف مرهقًا… وقد فقد نصف وزنه في الطريق.
وفي آخر اجتماع، أعلنت وزارة أنصاف الرواتب عن إطلاق تطبيق جديد بعنوان “تتبع راتبك”، التطبيق لا يخبرك متى سيصل راتبك، بل يعرض لك آخر موقع شوهد فيه النصف المفقود: “آخر إشارة كانت عند المقاصة… ثم انقطع الاتصال بسبب تطورات سياسية”.
وفي ختام البيان، شكرت الوزارة الموظفين على صبرهم، مؤكدة أن الشعب الفلسطيني يمتلك أكبر احتياطي استراتيجي من الصبر في العالم، وأنه المورد الوحيد الذي لم تستطع أي جهة حتى الآن فرض شروط عليه أو احتجازه.
ويبقى السؤال الذي لا يحتاج إلى مؤتمر دولي للإجابة عنه: هل يوجد بلد آخر في العالم ينتظر موظفوه بيانًا صحفيًا كل شهر، ليس لمعرفة موعد الراتب فقط، بل لمعرفة “كم بالمئة” من راتبهم سيصل؟
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.