1:20 مساءً / 26 يونيو، 2026
آخر الاخبار

الرسالة .. احموا السلم الأهلي ، بقلم : الصحفي سامح الجدي

الرسالة .. احموا السلم الأهلي ، بقلم : الصحفي سامح الجدي

في زمن المذابح، لا يكون الامتحان الحقيقي في ارتفاع الأصوات، بل في حكمة المواقف. وحين يعيش شعب بأكمله تحت القصف والجوع والنزوح وفقدان الأحبة، تصبح الكلمة مسؤولية وطنية وأخلاقية، وتصبح الدعوة إلى أي موقف أو تحرك مسؤولية أكبر، لأن ثمن الخطأ قد يكون مزيدًا من الألم والانقسام.

رسالتي إلى المخاتير والوجهاء ورجال الإصلاح، وإلى كل من يمتلك حضورًا وتأثيرًا في المجتمع: إن مكانتكم التاريخية لم تأتِ من القدرة على إصدار الأحكام على الناس، بل من قدرتكم على جمعهم، وحل الخلافات بينهم، وحماية النسيج الاجتماعي في أصعب الظروف.

ليس من دوركم تقسيم أبناء شعبكم إلى خائن وشريف، أو وطني وغير وطني، وليس من حق أحد أن يمنح الناس صفات الإيمان أو الكفر. فهذه ليست رسالة الإصلاح، ولا تنسجم مع قيم العدالة والحكمة التي قامت عليها مكانة الوجهاء ورجال العشائر والمجتمع.

إن المجتمع الفلسطيني، بكل مكوناته، بحاجة اليوم إلى من يطفئ نار الفتنة، لا إلى من يزيد اشتعالها، وإلى من يفتح أبواب الحوار، لا إلى من يغلقها بلغة التخوين والتصنيف. فاختلاف الناس في الرأي لا يسقط وطنيتهم، والنقد لا يعني الخيانة، والمطالبة بالحقوق لا تعني الخروج عن الصف الوطني.

كما أن من يدّعي تمثيل الشعب عليه أن يدرك أن التمثيل ليس شعارًا يُرفع، ولا موقعًا يُحتكر، ولا صوتًا يُفرض على الآخرين. فالشعب الفلسطيني أكبر من أي شخص أو جماعة، ولا يملك أحد تفويضًا مطلقًا للحديث باسمه أو مصادرة إرادته.

ومن المؤلم أن يتصدر أحيانًا المشهد من غادروا قطاع غزة، وأن يتحدثوا باسم من بقوا في مواجهة القصف والجوع والنزوح وفقدان الأحبة. فهناك من خرج من دائرة الخطر بحثًا عن النجاة، وهذا حق إنساني لا يُنكر، لكن المؤلم أن يتحول بعضهم، بعد ابتعاده عن مشاهد الموت والمعاناة اليومية، إلى متحدثين باسم من يعيشون تفاصيل الحرب، بينما ينعمون بحياة أكثر أمنًا واستقرارًا في مدن وبلدان بعيدة، وقد يعيش بعضهم في ظروف رغيدة لا تشبه حجم المعاناة التي يكابدها أهلنا في الداخل.

فالحديث باسم الشعب ليس امتيازًا يمنحه الغياب، ولا حقًا يُكتسب عبر المنصات الإعلامية، بل هو مسؤولية أخلاقية ووطنية تقتضي الشعور بمعاناة الناس، واحترام صمودهم، وفهم واقعهم قبل إصدار المواقف أو الدعوات التي قد تكون لها تبعات يتحملها من بقي في الميدان.

ومن كان بعيدًا عن المخاطر المباشرة، فإن واجبه أن يكون أكثر حرصًا في خطابه، وأن يدرك أن أي دعوة أو موقف قد تكون له تبعات يدفع ثمنها المواطنون الذين يعيشون تفاصيل المعاناة اليومية. فالأولوية يجب أن تبقى لحماية الإنسان الفلسطيني، وصون كرامته، والحفاظ على تماسك المجتمع.

وفي ظل المذبحة المستمرة، فإن الدعوة إلى أي حراك أو تحرك يجب أن تخضع لحسابات الحكمة والمسؤولية، وأن تراعي سلامة الناس وأمنهم، لا أن تزيد من أعبائهم أو تعرضهم لمخاطر إضافية. فالوطنية ليست فقط في الشعارات، بل في القدرة على حماية الشعب في أصعب لحظاته.

إن السلم الأهلي اليوم ليس خيارًا ثانويًا، بل هو جزء من معركة الصمود الوطني. وإذا تصدعت الجبهة الداخلية، فإن الجميع سيدفع الثمن. لذلك فإن مسؤولية المخاتير والوجهاء ورجال الإصلاح أن يكونوا على مسافة واحدة من الجميع، وأن يحافظوا على وحدة المجتمع، وأن يرفضوا كل خطاب يقسم الناس أو يحرض بعضهم على بعض.

كونوا جسورًا للوحدة لا أدوات للانقسام، وكونوا صوت الحكمة لا صدى للخلافات. فالتاريخ لا يذكر من أشعل الفتن، بل يخلد من أطفأها، ولا يحترم من مزق المجتمع، بل يقدر من حافظ على تماسكه.

في زمن المذبحة، يحتاج شعبنا إلى من يجمعه لا من يفرقه، إلى من يحمي كرامته لا من يصنف أبناءه، وإلى من يقدم مصلحة فلسطين والإنسان الفلسطيني فوق كل اعتبار.

شاهد أيضاً

فعالية بمناسبة اليوم العالمي للمرأة في السلك الدبلوماسي

فعالية بمناسبة اليوم العالمي للمرأة في السلك الدبلوماسي

شفا – في الرابع والعشرين من يونيو، بمناسبة اليوم العالمي للمرأة في السلك الدبلوماسي، عُقد …