10:42 صباحًا / 24 يونيو، 2026
آخر الاخبار

أفق جديد للنظام الفلسطيني: كيف نحمي المظلة الجامعة بالتحول الديمقراطي؟ بقلم: هارون بشاره

أفق جديد للنظام الفلسطيني: كيف نحمي المظلة الجامعة بالتحول الديمقراطي؟ بقلم: هارون بشاره

يواجه النظام السياسي الفلسطيني مأزقاً بنيوياً وتاريخياً تجاوز حدود الأزمة الدورية ليلامس سؤال الشرعية الوجودية لكافة مؤسساته. ومع تزايد التحديات العاصفة بالقضية الوطنية، يبدو أن مقاربات إدارة الأزمة والترحيل المستمر للاستحقاقات الدستورية قد استنفدت كل أوراقها ولم تعد صالحة للمرحلة. 
إن النقاش المستعر اليوم حول مستقبل الهيكل السياسي الفلسطيني لم يعد ترفاً قانونياً، بل هو ضرورة قصوى لإنقاذ المظلة الجامعة. وهو نقاش يضعنا أمام جدلية معقدة تتأرجح بين مسارين متلازمين: مسار التجديد الديمقراطي عبر صندوق الاقتراع الشامل، ومسار إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية. إن كسر هذا الاستعصاء يتطلب مكاشفة حقيقية تقطع مع حالة التكلس المؤسساتي، وتبحث عن آليات عملية لتطبيق المراسيم الرئاسية الصادرة بشأن الانتخابات الشاملة (الرئاسية، والتشريعية، وللمجلس الوطني)، بما يعيد بناء التوافق الوطني على أسس متينة تحمي الهوية التمثيلية للفلسطينيين في كل مكان. 
مأزق الشرعيات المتآكلة وتكلس البنية السياسية
إن التوصيف الأدق للواقع السياسي الفلسطيني الحالي هو الجمود المؤسساتي الممتد. فمنذ عقود، يعيش النظام السياسي على شرعيات تاريخية أو توافقية مؤقتة، في ظل غياب منتظم لصندوق الاقتراع الذي يشكل المصدر الأساسي لتجديد النخب والسياسات. هذا الغياب الطويل أدى إلى اتساع الفجوة بين الشارع وصناع القرار، وتحول المؤسسات إلى بنى تعجز عن الاستجابة للتحولات السريعة على الأرض أو التعبير عن تطلعات الأجيال الشابة التي باتت تشعر بالاغتراب التام عن النظام السياسي وتمثيله. 
الأزمة لا تقف عند حدود تراجع الكفاءة الإدارية أو السياسية، بل تمتد لتضرب عمق الحصانة الوطنية؛ فالبنية السياسية غير المتجددة تصبح أكثر انكشافاً أمام الضغوط الخارجية، وأقل قدرة على بناء جبهة داخلية متماسكة. إن استسهال خيار “التأجيل” المستمر تحت ذرائع العقبات والمناخات السياسية المحيطة، قد تحول بمرور الوقت إلى سياسة عامة قائمة على “الانتظار والتعايش مع الضعف البنيوي”، وهو ما تدفع القضية الفلسطينية ثمنه تراجعاً في التأثير السياسي والتمثيل الرسمي على الصعيدين الإقليمي والدولى. 
هندسة “الفصل المتناغم”: القوائم المزدوجة وتوزيع المقاعد
لتجاوز هذا المأزق التاريخي، لا بد من الانتقال من حالة التداخل الهيكلي المشوه بين مؤسسات السلطة والمنظمة نحو صيغة سياساتية واضحة نطلق عليها “الفصل المتناغم”. ويقوم هذا المفهوم على ركيزتين دستوريتين ووظيفيتين تؤمنان التكامل التام بين تمثيل الداخل والشتات دون تداخل أو إلحاق:
أولاً: فصل الشخوص وتوزيع الأعباء العامة
إذ يجب أن يتفرغ أعضاء المجلس التشريعي بالكامل لمهام الداخل من تشريع القوانين والرقابة وتقديم الخدمات الحياتية للمواطن الفلسطيني تحت الاحتلال (مؤقتاً حتى إنهاءه)، في حين يتفرغ أعضاء المجلس الوطني بصفتهم شخوصاً مختلفين تماماً لإدارة الملفات السياسية والاستراتيجية الكبرى التي تعنى بالقضية الفلسطينية في الشتات والداخل على حد سواء. 

ثانياً: التناغم الانتخابي عبر مسارين متوازيين

بدلاً من دمج العضوية التلقائية الشاملة التي تشتت الجهد، تتقدم القوى السياسية ببرنامج موحد يعتمد آلية “القوائم المزدوجة”، بحيث يتم الفصل هندسياً وبنيوياً بين حصتي “الداخل” و”الخارج” في المجلس الوطني على النحو التالي:
 
حصّة تمثيل الداخل (الضفة وغزة والقدس): يتم ربطها مباشرة بصندوق الاقتراع العام لانتخابات المجلس التشريعي. وبقدر الحصة والوزن النسبي المقاعدي الذي تحوزه أي قائمة في انتخابات التشريعي بالداخل، يُعيّن تلقائياً عدد موازٍ من المقاعد لذات الحزب من قائمته الرديفة المخصصة للمجلس الوطني، لتشغل حصة الداخل المقررة في المجلس (المقدرة بـ 200 مقعد مثلاً). تضمن هذه الهندسة تماسك التمثيل السياسي ووحدة التوجه البرنامجي، دون إرهاق ذات الشخوص بأعباء الوظيفتين، وفصل مؤسسة السلطة عن المنظمة. 

حصّة تمثيل الشتات والخارج: تُخصص لها المقاعد المتبقية في المجلس الوطني (والمقدرة بـ 150 مقعداً مثلاً)، ويجري التنافس عليها عبر مسار انتخابي مستقل تماماً عن وزن القوائم في الداخل؛ حيث يتاح لأبناء الشعب الفلسطيني في المنافي والشتات التصويت المباشر لقوائم الخارج عبر تبني “الانتخابات الإلكترونية الرقمية” كآلية عصرية للتغلب على الحظر الجغرافي والأمني في ساحات الخارج التي يتعذر فيها الاقتراع الفيزيائي التقليدي. 

أما في المربعات والمعازل الأمنية بالخارج التي يتعذر فيها حتماً حتى الخيار الرقمي لأسباب قاهرة وخارجة عن الإرادة، فيتم التعامل معها كـ “استثناء إجرائي مؤقت” تفرضه الضرورة القسوى؛ حيث يتم اللجوء موضعياً وجغرافياً إلى توافقات وطنية مدروسة تعتمد الكفاءة الوطنية كبديل اضطراري. وبذلك تكتمل لوحة المجلس الوطني بتكامل فريد يجمع بين الصندوق التقليدي في الداخل، والوسيط الرقمي في الخارج، والتوافق الإيجابي الاستثنائي في معازل الحظر الشديد. 

نحو أفق ديمقراطي جديد
إن الخروج من حالة الاستعصاء الحالية يتطلب الانتقال من عقلية إدارة الانقسام والجمود، إلى عقلية “التأسيس للمستقبل”. إن تفعيل المراسيم الانتخابية الرسمية وحماية تمثيل منظمة التحرير يستوجب انحيازاً شجاعاً وفورياً لثلاثة محددات سياساتية واضحة:

  1. الشروع في الترتيبات الفنية لتطبيق الانتخابات الشاملة عبر نموذج “الفصل المتناغم” القائم على القوائم المزدوجة والمستقلة حصصياً في آن واحد.
  2. الاستثمار الرسمي في البنية التحتية الرقمية لضمان نزاهة وأمن التصويت الإلكتروني للشتات. 
  3. صياغة ميثاق وطني جامع يتفق على قواعد الشراكة السياسية الحقيقية بعد ظهور النتائج.

الحرية والاستقلال السياسي لابد لهما من ركيزة ديمقراطية داخلية صلبة، ولا يمكن محاربة منظومة الاستعمار الخارجي ببنى داخلية هشة. الأفق الجديد يبدأ من هنا: أن نعيد للشعب حقه الأصيل في تقرير مصيره واختيار ناديه السياسي وتجديد نخبته بالوسائل المتاحة، لنحمي مظلتنا الجامعة، ونبني نظاماً سياسياً قادراً على قيادة معركة الحرية والسيادة الوطنية بكرامة وثبات.

  • – هارون بشاره – باحث في السياسات التنموية والعامة والتحول الديمقراطي .

شاهد أيضاً

اتحاد الجالية الفلسطينية في السويد يشارك في أسبوع السياسة بألميدالين

اتحاد الجالية الفلسطينية في السويد يشارك في أسبوع السياسة بألميدالين

شفا – شارك اتحاد الجالية الفلسطينية في السويد، ممثلاً بالأخ ياسر الشوبكي، في فعاليات أسبوع …