11:58 مساءً / 22 يونيو، 2026
آخر الاخبار

لماذا تكتسب الرؤية الصينية حول الحوكمة العالمية أهمية متزايدة؟ بقلم : تشو شيوان

لماذا تكتسب الرؤية الصينية حول الحوكمة العالمية أهمية متزايدة؟ بقلم : تشو شيوان

أصدر مكتب الإعلام التابع لمجلس الدولة الصيني مؤخرًا الكتاب الأبيض بعنوان “بناء منظومة حوكمة عالمية أكثر عدلًا وإنصافًا: مفاهيم الصين ومبادراتها وإجراءاتها”، والذي يوضح بصورة منهجية رؤية الصين ومقترحاتها ومساراتها العملية بشأن إصلاح الحوكمة العالمية. وفي الوقت الذي لا تزال فيه تداعيات الصراع الأمريكي-الإسرائيلي-الإيراني تُلقي بظلالها على منطقة الشرق الأوسط وتزيد من المخاطر الأمنية الإقليمية، يعود المجتمع الدولي ليدرك حقيقة أساسية مفادها أن التحديات العالمية لا يمكن لأي دولة مواجهتها بمفردها، وأن الأحادية وسياسة القوة لا تستطيعان توفير أمن دائم أو استقرار مستدام. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة أكثر من أي وقت مضى إلى بناء منظومة حوكمة عالمية أكثر عدلًا وإنصافًا.

تصاعد الصراعات يكشف عجز الحوكمة العالمية

لطالما شكّلت منطقة الشرق الأوسط إحدى أكثر المناطق حساسية في التفاعلات الجيوسياسية الدولية. وقد أدى التصعيد الأخير في التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى دفع المنطقة مجددًا نحو حافة مواجهة واسعة النطاق. فمن المخاطر التي تهدد أمن الملاحة في مضيق هرمز، إلى تقلبات أسواق الطاقة العالمية، ومن تنامي المخاوف الأمنية لدى دول المنطقة إلى تصاعد حالة القلق في الأسواق المالية الدولية، يتضح أن النزاعات الإقليمية لم تعد شأنًا محليًا أو إقليميًا فحسب، بل أصبحت تحديات ذات انعكاسات عالمية تمس الاستقرار والتنمية في مختلف أنحاء العالم.

والأكثر إثارة للقلق أن بعض الدول ما زالت تتعامل مع الأزمات الدولية من منطلق التفوق العسكري ومنطق الضغوط والعقوبات الأحادية وتشكيل التكتلات المتصارعة، ساعية إلى تحقيق أمنها على حساب أمن الآخرين. وقد أثبتت الوقائع أن مثل هذه السياسات لا تسهم في معالجة جذور الأزمات، بل تؤدي في كثير من الأحيان إلى تعميق الانقسامات وتوسيع نطاق التوترات.

ويكشف الصراع الحالي مجددًا عن وجود عجز واضح في منظومة الحوكمة العالمية يتمثل في تفاقم عجز السلام وعجز الأمن وعجز التنمية وعجز الحوكمة، فضلًا عن عدم تمثيل المصالح المشروعة للدول النامية بصورة كافية، وضعف قدرة بعض الآليات الدولية على التعامل الفعال مع الأزمات الكبرى. والعالم اليوم بحاجة إلى مزيد من التعاون متعدد الأطراف، لا إلى مزيد من المواجهة والاستقطاب، وإلى نظام دولي أكثر عدالة، لا إلى قواعد يفرضها الأقوياء على الآخرين.

الحوار هو الطريق الصحيح

وفي خضم هذه التوترات، برز تطور دبلوماسي لافت. فقد أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن إيران والولايات المتحدة توصلتا، بعد ثماني عشرة ساعة من المفاوضات، إلى وثيقة اتفاق سيتم الإعلان عنها من قبل الوسيطين قطر وباكستان. كما أوضح أن الجانبين ناقشا الأسس اللازمة لإطلاق مفاوضات نهائية بشأن الاتفاق، واتفقا على مواصلة الفرق الفنية عملها لمعالجة القضايا المتعلقة بتنفيذ مذكرة التفاهم بين الطرفين.

وتبعث هذه التطورات برسالة واضحة مفادها أن الحوار والتشاور يظلان السبيل الأكثر واقعية وفعالية لحل النزاعات، حتى في ظل الخلافات الحادة والصراعات الممتدة. فالحروب قد تغيّر الوقائع الميدانية مؤقتًا، لكنها لا تستطيع إزالة أسباب النزاع من جذورها، كما أن الضغوط العسكرية قد تفرض معادلات مؤقتة، لكنها لا تحقق سلامًا دائمًا.

كما أن الدور الذي اضطلعت به كل من قطر وباكستان في جهود الوساطة يعكس حقيقة مهمة، وهي أن الحوكمة العالمية ليست حكرًا على عدد محدود من القوى الكبرى، بل هي مسؤولية مشتركة تتطلب مشاركة جميع الأطراف المعنية. وتعقيدات قضايا الشرق الأوسط تؤكد أن الحلول المفروضة من الخارج يصعب أن تحقق نجاحًا مستدامًا، بينما يبقى احترام سيادة الدول ومصالحها الأمنية المشروعة وحقها في التنمية أساسًا لأي تسوية حقيقية.

الحل الصيني يجيب عن أسئلة العصر

في هذا السياق الدولي المعقد، تكتسب مضامين الكتاب الأبيض الصيني أهمية خاصة. فهو يؤكد أن تعزيز الحوكمة العالمية يتطلب التمسك بالتعددية الحقيقية، وصيانة مكانة الأمم المتحدة ودورها المحوري، وتحمل الدول الكبرى لمسؤولياتها، وتعزيز التضامن والتعاون بين مختلف الدول، ومعالجة أوجه العجز في مجالات السلام والتنمية.

وتنسجم هذه الرؤية مع موقف الصين الثابت تجاه الأزمات الدولية، بما فيها التوترات الراهنة في الشرق الأوسط. فقد دعت الصين باستمرار إلى حل الخلافات عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية، وحثت جميع الأطراف على ممارسة ضبط النفس وتجنب المزيد من التصعيد.

وتنطلق هذه المواقف من رؤية أشمل تتمثل في بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، ومن المبادرات العالمية التي طرحتها الصين، وفي مقدمتها مبادرة التنمية العالمية ومبادرة الأمن العالمي ومبادرة الحضارة العالمية. وتهدف هذه المبادرات إلى تعزيز السلام والتنمية والتفاهم المتبادل، ودفع العلاقات الدولية نحو مزيد من العدالة والإنصاف والتعاون المربح للجميع.

وفي المجال الأمني، تؤكد الصين على ضرورة التمسك بمفهوم الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام، وترفض السعي لتحقيق أمن طرف على حساب أمن الآخرين. وتجربة الشرق الأوسط خلال العقود الماضية أثبتت أن التدخلات العسكرية والضغوط الخارجية لم تؤدِّ إلى الاستقرار المنشود، بينما يظل الحوار والتفاهم السبيل الوحيد لتحقيق أمن دائم.

أما في مجال التنمية؛ فترى الصين أن التنمية تمثل المفتاح الأساسي لمعالجة العديد من المشكلات والصراعات، وأن القضاء على الفجوات التنموية وتعزيز التنمية المشتركة يشكلان أساسًا متينًا لتحقيق السلام والاستقرار.

وفي الجانب الحضاري، تدعو الصين إلى احترام تنوع الحضارات الإنسانية، ورفض صدام الحضارات أو فرض نموذج حضاري واحد، وتشجيع التبادل والتعلم المتبادل بين مختلف الثقافات والشعوب.

مسؤولية الدولة الكبرى

إن قيمة أي رؤية أو مبادرة تكمن في قدرتها على التحول إلى أفعال ملموسة. وخلال السنوات الأخيرة، لعبت الصين دورًا متزايدًا في دعم السلام والتنمية وتعزيز إصلاح نظام الحوكمة العالمية؛ فقد ساهمت في دفع المصالحة بين المملكة العربية السعودية وإيران، وواصلت الدعوة إلى وقف إطلاق النار في غزة وتسوية القضية الفلسطينية عبر الحل السياسي، كما شاركت بفعالية في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وعملت على تعزيز التعاون الدولي من خلال البناء المشترك عالي الجودة لمبادرة الحزام والطريق.

وفي الوقت الذي تفضّل فيه بعض القوى منطق المواجهة والتنافس الجيوسياسي، تدعو الصين إلى الحوار بدلًا من الصراع، وإلى التشاور المتكافئ بدلًا من الإملاءات، وإلى التعاون المربح للجميع بدلًا من لعبة المحصلة الصفرية. كما أن التقدم الذي تحقق مؤخرًا في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة يعكس مرة أخرى أهمية النهج الذي تدعو إليه الصين والقائم على الحلول السياسية والتشاور والحوار.

نحو حوكمة عالمية أكثر عدلًا وإنصافًا

إن الصراع الأمريكي-الإسرائيلي-الإيراني وما رافقه من تحركات دبلوماسية حديثة يقدمان للعالم درسين مهمين: الأول أن النظام العالمي الحالي ما زال يواجه تحديات كبيرة ناجمة عن الأحادية وسياسات القوة وغياب الثقة المتبادلة؛ والثاني أن فرص السلام تبقى قائمة متى ما تمسكت الأطراف بالحوار والتفاوض والتنسيق متعدد الأطراف.

ومن هذا المنطلق، لا تسعى الصين إلى إنشاء نظام دولي بديل، بل تدعو إلى صيانة النظام الدولي القائم على الأمم المتحدة، وحماية النظام الدولي المرتكز إلى القانون الدولي، ودفع إصلاح الحوكمة العالمية بما يجعلها أكثر تمثيلًا للدول النامية وأكثر قدرة على مواجهة التحديات المشتركة.

وفي عالم يشهد تحولات متسارعة واضطرابات متزايدة، تزداد الحاجة إلى التعددية الحقيقية، وإلى الحوار بدلًا من المواجهة، وإلى العدالة بدلًا من الهيمنة. لقد أثبتت الأحداث مرة أخرى أن الصراع لا يخلق رابحين، وأن التعاون هو الطريق الصحيح؛ وأن سياسة القوة لا توفر استقرارًا دائمًا، بينما تحقق العدالة قبولًا أوسع؛ وأن استخدام القوة لا يعالج جذور الأزمات، بينما تمثل الحوكمة الرشيدة أساسًا لتحقيق الأمن والتنمية المستدامين.

ومن هنا، فإن بناء منظومة حوكمة عالمية أكثر عدلًا وإنصافًا لم يعد مجرد خيار نظري، بل أصبح ضرورة ملحة لمواجهة تحديات العصر. ومن خلال التمسك بمبدأ التشاور والتشارك والتقاسم، والعمل على بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، يمكن للمجتمع الدولي أن يفتح آفاقًا جديدة نحو عالم أكثر سلامًا وأمنًا وازدهارًا.

  • – تشو شيوان – صحفي في مجموعة الصين للإعلام، متخصص بالشؤون الصينية وبقضايا الشرق الأوسط والعلاقات الصينية-العربية

شاهد أيضاً

تقرير: نتنياهو يتجه للإبقاء على البرايمرز مقابل توسيع سيطرته على قائمة الليكود

تقرير: نتنياهو يتجه للإبقاء على البرايمرز مقابل توسيع سيطرته على قائمة الليكود

شفا – يتجه رئيس الحكومة الإسرائيلية ورئيس حزب الليكود، بنيامين نتنياهو، إلى الإبقاء على الانتخابات …