
المركزية الديمقراطية في فتح… إرث المؤسسين الذي صنع الثورة وحمى وحدتها ، بقلم : أحمد سليمان
لم تكن حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” مجرد تنظيم سياسي أو إطار كفاحي حمل السلاح في وجه الاحتلال، بل كانت مشروعاً وطنياً متكاملاً استطاع أن يوحّد الفلسطينيين في الوطن والشتات تحت راية واحدة. ولم يكن هذا الإنجاز التاريخي وليد الصدفة، بل نتاج رؤية عميقة وضع أسسها القادة المؤسسون الذين آمنوا بأن قوة الحركة تكمن في مؤسساتها وكوادرها، لا في الأشخاص مهما بلغت مكانتهم.
لقد أدرك الرعيل الأول من المؤسسين، وفي مقدمتهم الشهيد ياسر عرفات “أبو عمار”، والشهيد صلاح خلف “أبو إياد”، والشهيد خليل الوزير “أبو جهاد”، والشهيد أبو يوسف النجار، والشهيد ماجد أبو شرار، أن الثورة لا يمكن أن تستمر أو تنتصر إلا إذا قامت على قاعدة صلبة من المشاركة والتنظيم والانضباط، ولذلك تبنوا مبدأ المركزية الديمقراطية باعتباره الضمانة الحقيقية لوحدة الحركة واستمرارها.
لم تكن المركزية الديمقراطية في مفهومهم أداة للسيطرة أو فرض الرأي، بل كانت معادلة متوازنة تجمع بين حرية النقاش ووحدة القرار. كان للكادر حق التعبير والنقد وإبداء الرأي داخل الأطر التنظيمية، وكانت النقاشات تُدار بحرية ومسؤولية، لكن الجميع كان يلتزم بالقرار الذي تتخذه المؤسسات الشرعية بعد انتهاء الحوار. وهكذا تحولت الخلافات إلى مصدر قوة، وتحول التنوع الفكري إلى عنصر إثراء للحركة بدلاً من أن يكون سبباً للانقسام.
لقد تميز جيل المؤسسين بميزة ربما نفتقدها اليوم؛ وهي أنهم لم يكونوا يخشون الكادر القوي أو صاحب الرأي المختلف، بل كانوا يعملون على صناعته وتشجيعه. كانوا يعتبرون أن نجاح الحركة يقاس بعدد القيادات التي تُنتجها، لا بعدد الأشخاص الذين يدورون في فلك القيادة. ولذلك كانت فتح مدرسة وطنية كبرى خرّجت أجيالاً من المناضلين والقادة والمثقفين والإعلاميين الذين حملوا القضية الفلسطينية إلى العالم.
كان أبو عمار يؤمن بأن فتح يجب أن تبقى حركة الشعب الفلسطيني بكل أطيافه، وكان أبو إياد يرى أن التنظيم الذي يغلق أبوابه أمام النقد يفقد قدرته على التطور. أما أبو جهاد فكان يعتبر أن احتضان الكادر والاستماع إليه جزءاً من معركة التحرير نفسها، لأن الإنسان الفلسطيني هو الثروة الحقيقية للثورة. وجسّد أبو يوسف النجار نموذج القائد القريب من الناس، المؤمن بأن وحدة الحركة تبدأ من احترام أبنائها وتقدير تضحياتهم. بينما حمل ماجد أبو شرار رسالة بناء الوعي والثقافة الوطنية، مؤمناً بأن الكادر الواعي هو أساس التنظيم القوي.
لقد كانت المركزية الديمقراطية في فتح مرتبطة ارتباطاً وثيقاً باحتضان الكادر. فلم يكن المناضل مجرد رقم تنظيمي، بل مشروع قائد مستقبلي. وكانت الأطر التنظيمية مدارس حقيقية لإعداد الكوادر وتأهيلها وإشراكها في المسؤولية الوطنية. لذلك شعر أبناء الحركة أنهم شركاء في القرار والبناء، لا مجرد متلقين للتوجيهات.
ومن خلال هذه الفلسفة التنظيمية استطاعت فتح أن تتجاوز أزمات وحروباً وانقسامات وتحديات هائلة. فالمؤسسة كانت أقوى من الأشخاص، والنظام الداخلي كان فوق الجميع، والمصلحة الوطنية كانت تتقدم على المصالح الفردية والفئوية.
واليوم، وفي ظل ما يواجهه الشعب الفلسطيني من تحديات مصيرية، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً للعودة إلى روح المؤسسين، لا من باب الحنين إلى الماضي، بل من أجل استلهام الدروس التي صنعت قوة الحركة. فالتنظيم الذي يحتضن كوادره يزداد قوة، والتنظيم الذي يستمع إلى أبنائه يتجدد، أما التنظيم الذي يضيق بالرأي المختلف ويبتعد عن مؤسساته فإنه يفقد تدريجياً مصادر قوته.
إن إرث أبو عمار وأبو إياد وأبو جهاد وأبو يوسف النجار وماجد أبو شرار لم يكن مجرد تاريخ نعتز به، بل مدرسة متكاملة في العمل الوطني والتنظيمي. مدرسة تؤمن بأن المؤسسة أكبر من الأشخاص، وأن الكادر هو الثروة الحقيقية للحركة، وأن الوحدة لا تُفرض بالقوة بل تُبنى بالشراكة والاحترام والاحتضان.
هذه هي المركزية الديمقراطية التي صنعت فتح، وحمت وحدتها، وجعلتها عنواناً للنضال الوطني الفلسطيني على امتداد عقود طويلة.
- – أحمد سليمان – حركة فتح .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.