
واشنطن تُلجم إسرائيل… وطهران تفرض نفسها على الطاولة ، بقلم: أحمد سليمان
بعد توقيع الاتفاق الأمريكي الإيراني، تتغير موازين القوى في المنطقة وتتجدد التساؤلات حول مستقبل نتنياهو وفرص إحياء المسار السياسي للقضية الفلسطينية.
سقطت رهانات الحرب، وسقطت معها كل التوقعات التي تحدثت عن استسلام إيران أو انهيارها تحت وطأة الضربات العسكرية والضغوط السياسية والاقتصادية. فبعد أسابيع من المواجهة التي هددت بإشعال الشرق الأوسط بأكمله، لم تنتهِ الأزمة كما أرادت إسرائيل، ولم تُفرض شروط المنتصر على المهزوم، بل انتهت بتوقيع اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران أعاد رسم المشهد السياسي في المنطقة.
ما حدث لم يكن مجرد نهاية حرب، بل بداية مرحلة جديدة تكشف حدود القوة العسكرية عندما تصطدم بإرادة الصمود والمصالح الدولية. فواشنطن التي دعمت إسرائيل لعقود وجدت نفسها في النهاية تبحث عن الاستقرار لا عن استمرار الحرب، فيما خرجت إيران من قلب المواجهة لتجلس على طاولة التفاوض شريكاً لا يمكن تجاهله.
لقد اعتقدت إسرائيل أن بإمكانها فرض واقع جديد في المنطقة عبر القوة العسكرية والدعم الأمريكي غير المحدود، إلا أن نهاية المواجهة جاءت باتفاق سياسي لا باستسلام. فإيران، رغم الخسائر والضغوط الهائلة، بقيت رقماً صعباً في المعادلة الإقليمية، بينما لم تتحقق الأهداف التي رُفعت في بداية الحرب.
ومع توقيع الاتفاق بدأت تظهر ملامح تباين واضحة بين واشنطن وتل أبيب. فقد تصاعدت الانتقادات داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية للسياسات الإسرائيلية، وبرزت دعوات متزايدة لوضع حدود واضحة لأي خطوات قد تهدد الاستقرار الذي تسعى الإدارة الأمريكية إلى ترسيخه بعد الاتفاق. كما بات الحديث أكثر وضوحاً عن ضرورة التزام إسرائيل بالتفاهمات الجديدة وعدم جر المنطقة إلى جولات صراع جديدة.
وتشير التحليلات السياسية إلى أن واشنطن بعثت برسائل واضحة مفادها أن المصالح الأمريكية تأتي أولاً، وأن أي محاولة لإفشال الاتفاق أو تعطيل نتائجه قد تواجه بضغوط سياسية واقتصادية وربما مراجعة لمستوى الدعم الذي اعتادت الحكومات الإسرائيلية الحصول عليه على مدار عقود.
التاريخ يقدم شواهد مهمة في هذا السياق. فعندما رأت الولايات المتحدة أن مصالحها الاستراتيجية تتطلب إطلاق عملية سلام في الشرق الأوسط، مارست ضغوطاً كبيرة دفعت إسرائيل للمشاركة في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 رغم رفضها وتحفظاتها آنذاك. واليوم يتساءل كثيرون إن كانت المنطقة تشهد نسخة جديدة من ذلك المشهد، ولكن في ظروف مختلفة ومعادلات أكثر تعقيداً.
وفي الداخل الإسرائيلي، تتزايد التساؤلات حول مستقبل بنيامين نتنياهو السياسي. فالحروب التي تبدأ بوعود الحسم والانتصار لا تنتهي دائماً بالنتائج التي ينتظرها أصحابها، ومع اتساع الانتقادات الداخلية والخارجية قد يجد نتنياهو نفسه أمام واحدة من أصعب المراحل السياسية في مسيرته.
أما الخاسر الأكبر في هذه الصراعات المتكررة، فيبقى الخليج العربي الذي يتحمل منذ عقود أعباء اقتصادية وأمنية ضخمة مع كل أزمة جديدة. فبين ارتفاع تكاليف الأمن وتراجع الاستثمارات وتمويل مشاريع إعادة الإعمار، تدفع دول الخليج ثمناً باهظاً لصراعات لم تكن في كثير من الأحيان طرفاً مباشراً فيها.
لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا عن فلسطين؟
فإذا كانت واشنطن قد نجحت في الوصول إلى اتفاق مع إيران، وإذا كانت تسعى فعلاً إلى تثبيت الاستقرار الإقليمي، فإن القضية الفلسطينية ستعود عاجلاً أم آجلاً إلى واجهة الأحداث. فلا يمكن الحديث عن شرق أوسط مستقر فيما يبقى الاحتلال قائماً، وتبقى حقوق الشعب الفلسطيني مؤجلة، وتستمر معاناة الملايين تحت الاحتلال والحصار.
هناك من يرى أن التغيرات الحالية قد تفتح نافذة سياسية جديدة لإعادة طرح القضية الفلسطينية على المجتمع الدولي، خاصة إذا أدركت الولايات المتحدة أن أي سلام دائم في المنطقة لن يكون ممكناً دون معالجة جذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. كما أن أي ضغوط أمريكية حقيقية على إسرائيل قد تفتح الباب أمام مسار سياسي طال انتظاره.
لقد أثبتت الأحداث أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع النصر، وأن الشعوب والدول لا تُقاس فقط بحجم ما تتعرض له من ضربات، بل بقدرتها على الصمود وفرض حضورها في المعادلات السياسية. واليوم، وبعد توقيع الاتفاق الأمريكي الإيراني، يبدو أن المنطقة تقف أمام مرحلة جديدة قد تعيد رسم خرائط السياسة والتحالفات لعقود قادمة.
لقد انتهت الحرب، لكن الأسئلة الكبرى بدأت الآن: هل نشهد بداية تراجع النفوذ السياسي لنتنياهو؟ وهل تنجح واشنطن في فرض رؤيتها الجديدة على حلفائها؟ وهل تكون فلسطين المستفيد الأكبر من التحولات القادمة؟
الأيام القادمة وحدها ستجيب، لكن المؤكد أن الشرق الأوسط بعد هذا الاتفاق لن يكون كما كان قبله .
- – أحمد سليمان – حركة فتح .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.