
لماذا تحتاج البشرية لحوار الحضارات أكثر من أي وقت مضى؟ بقلم : أحمد ردمان الشميري
في الوقت الذي تشهد فيه مناطق عديدة من العالم صراعات متزايدة واستقطابات سياسية وثقافية حادة، جاءت الندوة التي نظمتها السفارة الصينية لدى اليمن بعنوان “حوار الحضارات والتعايش في وئام” لتبعث برسالة تتجاوز حدود المكان والزمان.
فالندوة التي جمعت المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، إلى جانب شخصيات دبلوماسية وإعلامية وثقافية يمنية، لم تكن مجرد فعالية ثقافية عابرة، بل عكست توجهاً دولياً متنامياً نحو البحث عن القواسم المشتركة بين الشعوب والحضارات في زمن تتسع فيه مساحات الخلاف.
ولعل اختيار هذا التوقيت الذي لم يكن بالصدفة، بل جاء بالتزامن مع اليوم الدولي للحوار بين الحضارات، وهو اليوم الذي اعتمدته الأمم المتحدة بمبادرة صينية حظيت بدعم واسع من المجتمع الدولي، في خطوة تعكس اهتمام بكين المتزايد بإحياء مفهوم الحوار الحضاري بوصفه أداة للتفاهم والتنمية والسلام.
لقد شهد العالم خلال العقود الماضية عودة متكررة لأفكار تقوم على الصدام والانقسام، وكأن الاختلاف بين الحضارات والثقافات قدر محتوم يقود إلى المواجهة. غير أن التجربة الإنسانية نفسها تثبت عكس ذلك.. فالحضارات لم تزدهر بالعزلة، وإنما ازدهرت عبر التواصل والتبادل والتفاعل والتعاون.
ومن هنا يمكن فهم مبادرة الحضارة العالمية التي أطلقتها الصين عام 2023، والتي تدعو إلى احترام تنوع الحضارات الإنسانية، وتعزيز التبادل الثقافي والتعلم المتبادل، ورفض النظرة التي تضع حضارة في مواجهة أخرى. فالمبادرة لا تنطلق من رؤية سياسية ضيقة، بل من فهم عميق لحقيقة أن البشرية تواجه اليوم تحديات مشتركة تتطلب حلولاً مشتركة.
فالتغير المناخي لا يفرق بين الشرق والغرب، والأوبئة لا تعترف بالحدود، والأمن الغذائي والتنمية المستدامة والاستقرار الاقتصادي أصبحت قضايا عالمية تتطلب تعاوناً أوسع بين الدول والشعوب والثقافات المختلفة.
كيمنيين.. مفهوم الحوار الحضاري ليس فكرة جديدة أو غريبة عن تاريخنا. فاليمن كانت عبر آلاف السنين محطة للتجارة والتواصل الإنساني، وحضارة انفتحت على الشعوب الأخرى عبر طرق البخور والتجارة البحرية، وأسهمت في ربط مناطق مختلفة من العالم دون أن تقوم فلسفتها على الهيمنة أو التوسع الاستعماري.
الأمر ذاته ينطبق على الصين التي قدمت للعالم واحدة من أقدم التجارب الحضارية المستمرة في التاريخ الإنساني. فعلى امتداد قرون طويلة لم يكن طريق الحرير مجرد طريق لنقل البضائع، بل جسراً لتبادل المعرفة والأفكار والفنون والثقافات بين الشعوب.
وربما لهذا السبب تحديداً تبدو الصين اليوم أكثر ميلاً للحديث عن الحوار الحضاري والتعلم المتبادل والتعاون المشترك. فالدولة التي تنظر إلى نفسها باعتبارها وريثة حضارة عمرها آلاف السنين تدرك أن القوة الحقيقية لا تكمن فقط في الاقتصاد أو التكنولوجيا، بل أيضاً تكمن في القدرة على بناء التفاهم وتعزيز الثقة بين الأمم.
وإذا كانت الصين قد حققت خلال العقود الأخيرة نهضة اقتصادية وتنموية لافتة، فإنها تحاول في الوقت ذاته تقديم رؤية تقوم على أن التنمية والسلام والحوار عناصر مترابطة لا يمكن فصل أحدها عن الآخر. فالتنمية تحتاج إلى الاستقرار، والاستقرار يحتاج إلى الثقة، والثقة تحتاج إلى الحوار.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى العلاقات اليمنية الصينية باعتبارها أكثر من مجرد علاقات سياسية أو اقتصادية. بل إنها علاقة بين حضارتين عريقتين عرفتا عبر التاريخ قيمة التواصل مع الآخر، وأدركتا أن ازدهار الشعوب لا يتحقق عبر الصراع، بل عبر تبادل المنافع والتعاون المشترك.
في عالم يبدو أحياناً أسيراً للأزمات والانقسامات، تظل مبادرات الحوار الحضاري تذكيراً مهماً بأن الإنسانية تمتلك ما يجمعها أكثر مما يفرقها. وأن التنوع الثقافي والحضاري ليس تهديداً يجب الخوف منه، بل ثروة مشتركة يمكن البناء عليها لصناعة مستقبل أكثر استقراراً وعدالة.
فالحضارات العظيمة لا تقاس فقط بما تركته من آثار في الماضي، بل بما تقدمه من إسهام في بناء المستقبل. ومن هنا تبدو الدعوة إلى الحوار بين الحضارات اليوم ليست خياراً ثقافياً فحسب، بل ضرورة إنسانية تفرضها تحديات العصر وتطلعات الأجيال القادمة.
وفي زمن ترتفع فيه أصوات الانقسام، يبقى الحوار اللغة الوحيدة القادرة على أن تجعل الحضارات المختلفة شريكة في صناعة المستقبل، لا متنافسة على هدمه.
- – أحمد ردمان الشميري – صحفي يمني – اليمن .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.