2:11 مساءً / 24 مايو، 2026
آخر الاخبار

زيارتا ترامب وبوتين لبكين تعيدان رسم ملامح النظام العالمي الجديد ، بقلم : م. سعيد عثمان

زيارتا ترامب وبوتين لبكين تعيدان رسم ملامح النظام العالمي الجديد ، بقلم : م. سعيد عثمان

زيارتا ترامب وبوتين لبكين تعيدان رسم ملامح النظام العالمي الجديد ، بقلم : م. سعيد عثمان

في حدث استثنائي بالغ الدلالة ، احتضنت العاصمة الصينية بكين خلال مايو 2026 أسبوعاً وصفه المراقبون بأنه الأكثر كثافة وتأثيراً في المشهد الدولي لهذا العام. فقد حلَ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضيفاً على الرئيس الصيني شي جين بينغ في الفترة بين (13-15 مايو)، فيما تبعه – وبفارق 4 أيام – فقط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وذلك بين (19-20 مايو).

تتابع الزيارتين خلال فترة قصيرة لم يكن من مصادفة عابرة، بل حمل دلالات سياسية واقتصادية واضحة وعميقة، عكست التحولات الجارية في النظام الدولي نحن عالم متعدد الأقطاب تتزايد فيه مكانة الصين باعتبارها مركزاً رئيسساً لصياغة التوازنات السياسية والأمنية الدولية وصناعة القرار الاقتصادي العالمي.

إعادة ضبط العلاقات الأمريكية الصينية

جاءت الزيارة التاريخية للرئيس ترامب – وهي الأولى لرئيس أمريكي للصين منذ تسع سنوات – في ظل حالة من التوتر في العلاقات الثنائية، خاصة في ملفات التجارة والتكنولوجيا والطاقة وقضية تايوان. إلا أن أجواء الزيارة جاءت مختلفة هذه المرة عن زيارته السابقة عام 2017 خلال ولايته الأولى، والتي حملت نبرة تحدٍ تجاري صريح.

بدا المشهد مختلفاً هذه المرة، فالرئيس الأمريكي وجد نفسه أمام واقع لا يمكن إنكاره أو تجاهله، وهو أن الصين لم تعد تلك الدولة التي يمكن الضغط عليها بسهولة، بل باتت قوة عالمية صاعدة تتحكم في خيوط سلاسل التوريد والاقتصاد العالمي. لذلك جاءت هذه الزيارة حاملةً في طياتها إدراكاً متزايداً واعترافاً ضمنياً أمريكياً بصعوبة إدارة الاقتصاد العالمي أو معالجة الأزمات الدولية دون التعاون مع بكين.

سياسياً: أكدت وزارة الخارجية الصينية أن الزعيمين تبادلا وجهات النظر بشأن قضايا دولية وإقليمية كبرى، من بينها أوضاع الشرق الأوسط ولا سيما الملف الإيراني ومضيق هرمز، والأزمة الأوكرانية، ومسألة تايوان وغيرها. وخلال المباحثات، أبدى شي استعداده للتعاون مع ترامب لـ «إدارة السفينة العملاقة للعلاقات الصينية الأمريكية»، لكي يكون عام 2026 عاماً تاريخياً مفصلياً يفتح فصلاً جديداً في هذه العلاقات، معلناً عن رؤية جديدة لبناء «علاقة استراتيجية بناءة ومستقرة» بين البلدين. وعرف طبيعتها بأنها «استقرار إيجابي يكون التعاون ركيزته الأساسية، واستقرار سليم تكون المنافسة المعتدلة سمته، واستقرار ثابت تكون إدارة الخلافات ضمنه ممكنة، واستقرار دائم تكون وعود السلام ضمانته».

بدوره، وصف ترامب القمة بأنها «أعظم قمة يراقبها العالم»، مشيداً بشي بوصفه «قائداً عظيماً»، ومؤكداً أن البلدين «معاً قادران على القيام بأشياء كبيرة وإيجابية». وصرح أيضاً أن نظيره الصيني عرض المساعدة بشأن القضية الإيرانية، كما أعرب عن رغبته برؤية مضيق هرمز مفتوحاً وعن معارضة الصين لعسكرة المضيق أو أي محاولة لفرض رسوم على الملاحة فيه، إضافة إلى تشديد الصين على عدم تقديمها أي معدات عسكرية حساسة لإيران. فيما شدّد شي على أن قضية تايوان هي الأكثر أهمية في العلاقات الصينية الأمريكية، محذراً من تصاعد التوترات أو حتى نشوب نزاعات إذا لم تُعالَج بعناية وحكمة.

اقتصادياً: حملت الزيارة طابعاً تجارياً واقتصادياً واضحاً، وليس أدل على ذلك أن التشكيلة الرسمية للوفد الأمريكي المرافق شملت 17 من كبار المسؤولين التنفيذيين في أبرز الشركات العالمية مثل أبل، وتسلا، وميتا، وإنفيديا، وبوينغ وغيرها. وركّزت المباحثات الثنائية على تعزيز التعاون، مع الاتفاق على إنشاء مجالس مشتركة للتجارة والاستثمار. ومن حيث المبدأ، تم الاتفاق على خفض الرسوم الجمركية على منتجات محددة ذات اهتمام متبادل بشكل متكافئ. كما تضمنت التفاهمات صفقات لشراء الصين ما يصل إلى 200 طائرة بوينغ أمريكية الصنع، وتعهدات صينية بشراء ما لا يقل عن 17 مليار دولار سنوياً من المنتجات الزراعية الأمريكية، وفق ما أعلنته المصادر الرسمية المشتركة.

الشراكة الاستراتيجية الصينية الروسية تبلغ مرحلة جديدة

لم تمضِ سوى أربعة أيام على مغادرة الرئيس الأمريكي ترامب بكين، حتى حطت فيها طائرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في زيارة هي الخامسة والعشرين له خلال مسيرته السياسية. جاءت زيارة بوتين في إطار الاحتفال بمرور 30 عاماً على تأسيس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وتعكس حاجة روسيا الملحة لإعادة توجيه صادراتها من الطاقة خاصة بعد قطيعة شبه كاملة مع السوق الأوروبية بفعل الحرب في أوكرانيا منذ عام 2022، وما أعقبها من عقوبات غربية خانقة على موسكو. وقد حملت الزيارة رسائل واضحة للغرب، أن روسيا ليست معزولة وأن محور بكين-موسكو ليس مجرد تحالف ظرفي، بل بنية جيوسياسية-اقتصادية متجذرة تهدف إلى إعادة توزيع النفوذ العالمي وتحدي الهيمنة الأمريكية الأحادية.


سياسياً: أصدر الزعيمان بياناً مشتركاً بشأن تعزيز التنسيق الاستراتيجي الشامل وتعميق حسن الجوار والتعاون الودي، كما أصدرا بياناً آخر يدعوان فيه إلى عالم متعدد الأقطاب وعلاقات دولية من نوع جديد. وأكد البيانان أن الصين وروسيا قوتان مهمتان في المشهد العالمي، وتلعبان دوراً بناءً في الحفاظ على توازن القوى الدولية وتحسين نظام الحوكمة العالمية. كما ناقش الزعيمان قضايا إقليمية ودولية ساخنة، بما في ذلك الوضع في الشرق الأوسط وسبل احتواء التصعيد.

اقتصادياً: ركّزت المباحثات بين شي وبوتين على تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة في العصر الجديد. وقد اتفق الزعيمان على تمديد «معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون»، حيث شهدت الزيارة توقيع نحو 40 اتفاقية تعاون بين الطرفين شملت قطاعات حيوية مثل الطاقة، والتكنولوجيا، والنقل، والمياه، والزراعة، والتبادلات الثقافية والتعليمية. وشملت البنود الأكثر دلالية توسيع نطاق التجارة بالعملات الوطنية (اليوان والروبل) والتخلي التدريجي عن الدولار في المعاملات الثنائية، مما يُمثل نقلة نوعية من شراكة تجارية تقليدية إلى علاقة تكاملية وثيقة تقلص الاعتماد على النظام المالي الغربي.

تقارب زمني وتباين استراتيجي

وعلى الرغم من التقارب الزمني بين زيارتي ترامب وبوتين لبكين إلا ان كل منهما حملت أهدافاً ومخرجات مغايرة تعكس طبيعة العلاقات الثنائية.

سعى ترامب في زيارته إلى إعادة ضبط علاقة تنافسية-تعاونية مع الصين، مع التركيز على الملفات الاقتصادية العالقة خاصة الرسوم الجمركية وتخفيف حدة التوتر التكنولوجي، ودفع الصين للعب دور إيجابي خاصة في مسألة الحرب مع إيران ومضيق هرمز. في المقابل، جاءت زيارة بوتين لتأكيد تعميق الشراكة الاستراتيجية في مواجهة الضغوط الغربية وترسيخ التعاون في مجالات الطاقة والتكنولوجيا العسكرية، وتوقيع اتفاقيات تعاون استراتيجي طويل الأمد مع تسريع التحول للتبادل بالعملات المحلية.

الشرق الأوسط وإعادة ترتيب التحالفات

تجد منطقة الشرق الأوسط – التي لم تغب عن أجندة المحادثات الصينية الأمريكية والصينية الروسية – نفسها اليوم أمام معادلة جديدة تماماً. فبعد عقود اعتادت خلالها أن تكون ساحةً للتنافس الأمريكي-السوفيتي ثم الأمريكي-الروسي، تبرز الصين الآن كلاعب محوري جديد يمتلك أدوات الوساطة والتأثير الاقتصادي.

فحول مستقبل التوترات الإقليمية المتعلقة بإيران، كشفت المباحثات أن بكين قد تكون تملك المفتاح الدبلوماسي والاقتصادي لاحتواء الأزمة أو تسويتها، مستفيدة من علاقاتها التاريخية والاقتصادية العميقة مع طهران ورغبتها في ضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية.


أما بخصوص دول الخليج العربي فإن التنافس الدبلوماسي والاقتصادي الأمريكي والروسي على العلاقة مع الصين يعمل على تقليل النفوذ الحصري الذي كانت تتمتع به واشنطن في المنطقة، ويمنح هذه الدول فرصة حقيقية لتنويع شراكاتها خارج الإطار الغربي التقليدي. وتحمل خيارات واضحة مفادها أن الصين تقدم بديلاً موثوقاً ومحايداً، يُتوقع أن يعزز مكانتها كمستورد رئيسي لنفط الخليج وشريك استراتيجي في الاستثمارات ومشاريع البنية التحتية ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق.

خاتمة

تثبت الصين يوماً بعد يوم أنها الوسيط الأكثر فاعلية في القضايا العالمية الكبرى وأنها باتت مركزاً رئيسياً للتوازنات الدولية الجديدة. فقد أصبحنا نرى رئيساً أمريكياً ورئيساً روسياً يتسابقان إلى العاصمة الصينية سعياً وراء مصالحهما، في مؤشر واضح على أن واشنطن لم تعد الطرف الوحيد القادر على رسم ملامح النظام العالمي.

كما أن العلاقات الدولية لم تعد محصورة في صراع ثنائي بين الولايات المتحدة وروسيا، بل أصبحت بكين لاعباً محورياً لا يمكن تجاهله. هذا التحول وضع الصين في قلب النظام العالمي الجديد مؤكاً أن ثقل القرار الدولي لم يعد محصوراً في الغرب وحده، بل امتد إلى الشرق وتحديداً إلى الصين، بفضل قدرتها على إدارة علاقات معقدة مع قوى عالمية متنافسة، مع تعزيز رؤيتها لعالم متعدد الأقطاب.

وما يلفت الانتباه هو نجاح بكين في إدارة معادلة دبلوماسية شديدة الدقة، تقوم على التقارب الاقتصادي مع واشنطن عبر اتفاقيات تجارية ضخمة مع الحفاظ في الوقت نفسه على عمقها الاستراتيجي مع موسكو.

إن زيارتَي ترامب وبوتين إلى بكين خلال أسبوع واحد تمثلان مؤشراً واضحاً على تراجع النظام أحادي القطب الذي هيمنت فيه الولايات المتحدة لعقود، وتشكلان منعطفاً مهماً في إعادة توزيع الأدوار الدولية نحو عالم متعدد الأقطاب، تتبوأ فيه الصين موقع الركيزة الأساسية وحجر الزاوية، مستندة إلى سوقها الضخم وسلسلة صناعاتها المتكاملة وسياساتها الخارجية القائمة على المنفعة المتبادلة، واحترام سيادة الدول، ورفض التدخل في شؤونها الداخلية، ومعارضة المعايير المزدوجة.

شاهد أيضاً

لاي كا-ينغ أول رائدة فضاء صينية من منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة

لاي كا-ينغ أول رائدة فضاء صينية من منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة

شفا – CGTN – تعد لاي كا-ينغ واحدة من أعضاء طاقم “شنتشو-23” الذي يستعد للانطلاق …