4:44 مساءً / 19 مايو، 2026
آخر الاخبار

الحجر مطرحه قنطار ، بقلم : د. فواز عقل

الحجر مطرحه قنطار ، بقلم : د. فواز عقل

هذا المثل من الأمثال الشعبية المنتشرة في فلسطين و بلاد الشام و القنطار زمان كان يعتبر وحدة وزن كبيرة و المثل يعني أن الحجر يكون له وزن و قيمة عندما يكون محله و هو مثل قديم جاء من البيئة الريفية فالقيمة ليست بالحجر نفسه بل بمكانه و دوره و المكان الصحيح و يقال أحيانا: الحجر محله قنطار، الحجر ببلده قنطار و الحجر مطرحه قنطار.

وحتى يصبح الحجر محله قنطار أبدأ المقالة بمجموعة من المقولات و الحكم و الأشعار التي لها علاقة بالموضوع

لا تنام بنفس العقل الذي استيقظت فيه/لن أمسي حتى أكون أحسن من أمسي/ لا تخرج من البيت إلا و لديه شيء تقوله
من بلغ الخمسين من العمر وما زال يرى الأمور كما كان يراها في الثلاثين من عمره فقد أضاع ثلاثين سنة من عمره و عمر المجتمع


و يقول سيدنا عمر: تأهل ثم تصدر/ الجاهل بزمانه جاهل/ غير أفكارك تتغير النتيجة

قالت العرب: من لا يتقدم يتقادم / من لا يتجدد يتبدد

و قال أبو القاسم الشابي:

أبارك في الناس أهل الطموح و من يستلذ ركوب الخطر
و ألعن من لا يماشي الزمان و يقنع بالعيش عيش الحجر
و من لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر
ولا تخش من ما وراء التلاع فما ثم إلا الضحى في صباه
و قال أمير الشعراء :
شباب قنع لا خير فيهم وبورك بالشباب الطامحين
و قال شاعر آخر :
إذا لم يكن صدر المجالس عالما فلا خير في من صدرته المجالس
و قال شاعر آخر:
ما عاد أهل العلم سادة قومهم بل سادهم من يتقن التبجيل
وقال المتنبي:
إذا غامرت في أمر مروم فلا تقصد بما دون النجوم
وقال أبو العلاء المعري:
وإني وإن كنت الأخير زمانه لآت بما لم تستطعه الأوائل
وقال سيدنا علي: علموا أولادكم لزمان غير زمانكم
و قال الرسول الكريم: خذوا عني أمور دينكم و أنتم أخبر بأمور حياتكم
ويقول الإمام محمد عبده: مستقبل أي أمة يقوم باستعدادها لمواجهة كل زمان بما يناسبه

و يقول مظفر النواب: إذا لم يكن فوق المراكب عالم بالبحار فستنز

ويقول جن ديوي الأمريكي: إذا علمنا طلاب اليوم بأساليب الأمس فسنسرق منهم مستقبلهم.

و أقول المبرر الوحيد لوجود أي شخص على رأس أي مؤسسة هو وجود رؤية

تبدأ هذه المقالة بقصتين لهما علاقة بعنوان المقالة:

الأولى تتحدث عن الحجر كما يراه الشاعر الكبير إيليا أبو ماضي في قصيدته الحجر الصغير

أدهشني هذا المثل بمعناه الظاهر و الخفي ، أدهشني أكثر ، حيث تتحدث القصيدة عن حجر صغير في سد ماء كبير محكم البنيان و يقول عن نفسه أنه ليس شيئا مهما و لا قيمة له لأنه ليس رخاما تنحت منه التماثيل و ليس صخرة كبيرة صالحة للبناء و ليس أرضا خصبة و ليس ماء يروي الحدائق الغناء و ليس درا تتنافس عليه الحسناوات ولا هو دمعة عين و ليس خالا على وجنة حسناء و يصف نفسه بأنه حجر أغبر حقير لا جمال فيه ولا حكمة ،و قرر أن يغادر هذا الوجود في الليل بسلام لأنه كره البقاء و الحياة من هذه الأوضاع الصعبة و لم يفكر بالنتائج و سقط من مكانه في السد على الأرض، و عندما فتح الفجر جفونه و استيقظ أهل المدينة فإذا بالسد ينهار و يغمر الطوفان الأراضي الزراعية و المدينة البيضاء الجميلة و يدمر كل شيء.

و لنتخيل لحظة واحدة الإنسان عندما يشعر أنه غير منتج غير مرغوب فيه لا قيمة له ولا تقدير لحاجاته و قدراته و نشاطاته و طموحاته و يشعر بالخذلان و يشكو الظروف العصبة والقاسية التي تحيط به و يشكو عدم قدرته على التحمل و قد يتخلى عن واجباته و إسهاماته و يقول كل واحد يخلع شوكه لوحده ، مش شغلي، الي بصير يصير، ويتخلى عن واجباته وأخلاقه وأقول لا يجب أن يتخلى الانسان عن واجباته واخلاقه لتخلي الآخرين عنها.

إن بناء المجتمع بحاجة لتظافر كل الجهود و الخبرة من الصغير و الكبير و المهم و غير المهم و الغني و الفقير و المتعلم و غير المتعلم و المرأة و الرجل و كما يقال إن السفينة تغرق إذا بدء ركابها بالقفز منها فالإنسان المنتمي المتخصص المعطاء الأمين الصادق الذي يحافظ على المصلحة العامة و الممتلكات العامة، ثروة لا تقدر بثمن، و الإنسان كالطبيعة المليئة بالخيرات و الموارد و الثروات المعروفة و غير المعروفة تنتظر من يكتشفها و الإنسان لديه من القدرات و المواهب و المهارات و الطموحات و الاستعدادات التي تنتظر من يقدرها و يحترمها و يكتشفها و يطورها و ينميها و يوجهها و هنا يأتي دور المعلم المتجدد المواكب الملهم الذي يساعد على نقل الطلاب إلى العصر الذي يعيشون فيه و لا يعتبر نفسه كناقل للمعلومة فقط كالموبايل الذي ممكن أن ينقل المعلومة إلى الطالب في أي وقت.المعلم الذي يكتشف قدرات الطلاب و ينميها و يوجهها ، المعلم الذي لا ينحصر دوره في المدرسة ولكن كما يقال : مش كل من صف صواني صار حلواني و مش كل من دخل الميدان عداء و مش كل من ركب الخيل خيال و مش كل من دخل الصف معلم.

رغم كل ما يعانيه العالم من أحداث و تطورات متسارعة و حرائق منتشرة في مختلف أنحاء العالم تدعو إلى التوجس و الخوف و الشك و التوقف عندها، و أقول أن هدف التعليم خلق إنسان جيد للمجتمع لا خلق طالب جيد، نحن بحاجة لتعليم يجعل الإنسان حجرا محله قنطار، و أقول أن معلم واحد متجدد مواكب مهتم قادر أن يغير حياة الطالب فكيف إذا كان أداء كل المعلمين باهتمام و إلهام و فتح نوافذ أمام عقول الطلاب فإنهم سيغيرون المجتمع.

أما القصة الثانية فهي عن الصين، تقول القصة عندما أراد الصينيون القدامى أن يعيشوا في أمان بنوا سور الصين العظيم و اعتقدوا بأنه لا يوجد من يستطيع تسلقه لشدة علوه، و لكن خلال المئة سنة الأولى بعد بناء السور تعرضت الصين للغزة ثلاثة مرات و في كل مرة لم تكن جحافل العدو البرية في حاجة إلى اختراق السور أو تسلقه بل كانوا في كل مرة يدفعون للحارس رشوة ثم يدخلون عبر الباب ، قد انشغل الصينيون ببناء السور و نسوا بناء الحارس، فبناء الانسان الواعي يأتي قبل بناء كل شيء و هذا ما يحتاجه طلابنا اليوم، لكن الصين تعلمت الدرس و بعد الثورة الثقافية التي قادها ماو تسي تونج في ستينيات القرن الماضي و التي ركزت على بناء الإنسان الصيني و أصبحت الصين الآن في مقدمة الدول المتقدمة و في الصين لا يوجد مجال لمتخاذل ولا مكان لكسول و قد بلغت نسبة براءة الاختراعات سنة 2025 كانت 50% من براءات اختراعات العالم و هم يصدرون 70% من العلوم و التكنولوجيا في مجالات مختلفة ، و رغم كل هذه الإنجازات و التقدم فالصين تقول نحن لسنا دولة عظمة نحن دولة من دول العالم الثالث و ما زلنا تلاميذ على مقاعد الدراسة و نتعلم من تجارب الدول الأخرى.

و أقول في هذا العصر نحتاج إلى تعلم لا يخرج جيوشا من الحفظة بل يخرج عقولا نيرة ناقدة منفتحة قادرة على التكيف و التعلم لذلك لا بد من الاستثمار في العقل لتخريج كفاءات لأن الكفاءات هي المحرك لكل النشاطات البشرية ، آن الأوان لتقوم الجامعات بصناعة العقل و بناء الإنسان و صناعة الفرص.

و لنا في كثير من الدول كسنغافورة و فنلندا و الصين و اليابان و موريشيوس مثال على ذلك

إن أزمة التعليم في الدول العربية هي أزمة توليد تفكير، المشكلة ليست في نقص المعلومات بل غياب القدرة على تحويل المعلومة إلى معرفة وتوظيف المعرفة و هذا ما يجعل التعليم في العالم العربي يقف عند مفترق طرق، يزداد تعقيدا يوم بعد يوم، لذلك لا بد من إعادة تعريف كل مكونات العملية التعليمية بتعريفات تتماشى مع العصر لأن البذور القديمة لا تنتج ثمار جيدة، كل ذلك لبناء طالب يسأل يبتكر يحاور

وأخيرا أقول، نحن التربويين المحاورون الذين فهمنا كل شيء نحتاج إلى كرة أرضية ثانية لنزرع فيها روح الأخلاق والتعليم والتربيع والتواضع، نحن أصحاب اليقظة أصحاب البوصلة نصنع البوصلة لليوم التالي ولا ننتظرها.

  • – د. فواز عقل-باحث في شؤون التعليم و التعلم – فلسطين .

شاهد أيضاً

اهتمام واسع بزيارة بوتين المرتقبة للصين وسط توقعات بنتائج ومخرجات كبيرة

شفا – تحظى زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المرتقبة للصين ولقاؤه مع الرئيس الصيني شي …