12:25 صباحًا / 19 مايو، 2026
آخر الاخبار

قراءة سياسية في دلالات انتخابات المجلس الثوري لـ “فتح” ، بقلم : الصحفي سامح الجدي

قراءة سياسية في دلالات انتخابات المجلس الثوري لـ “فتح” ، بقلم : الصحفي سامح الجدي

تكتسب انتخابات الأطر القيادية لحركة “فتح” أهمية استثنائية بالنظر إلى مكانة الحركة التاريخية كعمود فقري للمشروع الوطني الفلسطيني وقاطرة لمنظمة التحرير والسلطة الوطنية. وإذا كانت القراءات السياسية تتجه عادةً صوب “اللجنة المركزية” بوصفها العنوان التنفيذي الأول، فإن التدقيق في نتائج انتخابات المجلس الثوري (برلمان الحركة) في المؤتمر العام الثامن يحمل الدلالات الأكثر عمقاً، ويكشف عن التحولات الجوهرية في وعي ومزاج القاعدة التنظيمية الممسكة بعصب الميدان.

لقد حملت الصناديق هذه المرة ملامح “انتفاضة تنظيمية بيضاء”، أعادت صياغة التوازنات الداخلية وفق محددات فرضها الشارع والمخيم والمعتقل، بعيداً عن حسابات المكاتب المغلقة. ويمكن تفكيك أبعاد هذا التحول السياسي الشامل عبر المحاور الارتكازية التالية:

أولاً: كسر “الهندسة الفوقية” وتراجع تيار البيروقراطية

شهدت كواليس ما قبل المؤتمر محاولات حثيثة من مراكز النفوذ التقليدية لتمرير صيغ توافقية جاهزة وقوائم موجهة تضمن استمرار النهج النمطي في إدارة ملفات الحركة والسلطة. وجاءت ردة فعل الهيئة الناخبة (أعضاء المؤتمر) عبر صناديق الاقتراع بمثابة تمرد صامت؛ حيث جرى شطب واسع للأسماء المفروضة فوقياً، وأطاحت الصناديق بكتلة وازنة من النخب البيروقراطية ورجال المكاتب الحكومية، في رسالة واضحة بأن شرعية المقعد لا تُنال بالحظوة الرسمية، بل بالامتداد الجماهيري والميداني.

ثانياً: تسونامي التجديد والقطع مع الركود

المؤشر الرقمي والتنظيمي الأبرز في هذه الدورة تمثل في نجاح الصناديق في إحداث عملية إحلال وتجديد واسعة تجاوزت ثلثي قوام المجلس السابق. هذا التدفق الكبير للدماء الجديدة لم يكن مجرد استبدال اعتيادي للوجوه، بل عكس رغبة عارمة لدى الكوادر في إحداث قطع معرفي وتنظيمي مع حالة الركود التي طبعت الأداء التشريعي والرقابي للحركة لسنوات، وإعادة الحيوية لـ “المطبخ الفكري” لفتح ليكون قادراً على مواجهة تحديات المرحلة المعقدة.

ثالثاً: صعود الجيل الثالث .. “الشبيبة” في قمرة القيادة

سجلت النتائج صعوداً قياسياً وممنهجاً لكوادر “الجيل الثالث”؛ وهم القادة الشباب الذين تبلور وعيهم السياسي والكفاحي في أروقة الحركة الطلابية (الشبيبة الفتحاوية) إبان الانتفاضة الثانية وما تلاها من معارك نقابية ووطنية. ويمتاز هذا الجيل الصاعد برؤية تجمع بين البراغماتية التنظيمية والراديكالية الوطنية، وهو يحمل مشروعاً واضحاً يرفض عقلية “إدارة الحركة كشركة أو كوزارة تكنوقراط”، ويسعى لإعادة الاعتبار للمفاهيم الكلاسيكية القائمة على التعبئة الفكرية، والمحاسبة الجماعية، والاشتباك السياسي.

رابعاً: شرعية الخنادق ومأسسة تيار الأسرى والمخيمات

لم تعد رمزية الأسرى والشهداء والمخيمات مجرد شعارات بلاغية لرفع العتب في الخطابات السياسية، بل تُرجمت في الصناديق إلى كتلة تصويتية صلبة ووازنة. إن الصعود اللافت للأسرى القابعين خلف القضبان، والمحررين، وقادة الميدان في مخيمات الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، يمنح المجلس الثوري الجديد “حصانة أخلاقية وكفاحية” متينة. هذه الحصانة ستجعل من الصعب جداً على أي مستوى قيادي في السلطة أو اللجنة المركزية تمرير أي تفاهمات سياسية أو ترتيبات لـ “اليوم التالي” دون الحصول على ضوء أخضر وبسط رقابة حقيقية من هذه الكتلة الميدانية الصلبة.

خامساً: غزة والقدس .. فرض التوازن الجغرافي بالنقاط

رغم كل ظروف الحصار والتهميش والتعقيدات الجغرافية والسياسية، أثبتت الكتلة التنظيمية لقطاع غزة حضوراً لافتاً ومنسقاً بعناية داخل غرف الاقتراع، مستعيدةً دور القطاع التاريخي كرافعة أساسية وعصب لا يمكن تجاوزه في صياغة القرار الفتحاوي. وتكامل هذا الحضور مع صعود قادة ومرابطي العاصمة المحتلة القدس، ليعيد تشكيل الخارطة على قاعدة التلاحم الجغرافي الكفاحي، وقطع الطريق على أي محاولات للاستفراد بقرار جغرافيا فلسطينية دون أخرى.

سادساً: ظاهرة “أبناء الرواد” والحفاظ على الهوية الجينية

من الظواهر السوسيو – تنظيمية البارزة في هذه الانتخابات، صعود عدد من أبناء وأحفاد القادة التاريخيين والشهداء العظام للحركة كدلال عريقات وحنان الوزير ومعتصم محيسن. هذا الصعود لا يمكن اختزاله في إطار العاطفة أو الوفاء للإرث فحسب؛ بل يُقرأ سياسياً كآلية دفاعية فطرية تفعيلية من القاعدة الفتحاوية للحفاظ على “الهوية الجينية والأيديولوجية” لفتح، واستدعاء أدبيات الانطلاقة الأولى وميثاقها في مواجهة أي محاولات للتغريب السياسي أو الانزياح عن ثوابت الحركة الأصلية.

أفق المستقبل: خارطة القوى واستحقاق الاشتباك الداخلي

إن هذه التركيبة الجديدة، المحكومة بأغلبية شابة وميدانية (بين شباب وأسرى ومقاومة شعبية وجماهيرية)، تضع الحركة أمام مخاض سياسي جديد يتأرجح فيه أداء المجلس الثوري القادم بين سيناريوهين حتميين:

  1. سيناريو الاشتباك التنظيمي والإصلاح: أن تنجح هذه الكتلة الصلبة بأغلبيتها الجديدة في تفعيل الأدوات الرقابية والتشريعية للمجلس الثوري، والتحول إلى “كابح” حقيقي لتفرد اللجنة المركزية بالقرار، والضغط باتجاه إصلاح مؤسسات السلطة وتصويب مسارها، وإعادة صياغة العلاقة مع الشارع ومع الاحتلال بنبض يطابق الواقع الجماهيري.
  2. سيناريو الاحتواء والتفتيت البنيوي: أن تنجح مراكز القوى التقليدية في اللجنة المركزية، عبر استخدام أدوات ومغريات السلطة والتعيينات والمناصب الرسمية، في استقطاب أجزاء من هذه الكتلة الشابة وتفتيتها إلى جزر معزولة، مما يؤدي لتحييد دورها الرقابي المفترض وإعادة تدجينها داخل المنظومة التقليدية.

خلاصة القول:

أثبتت نتائج انتخابات المجلس الثوري أن عصب حركة فتح لا يزال حياً، وأن القواعد التنظيمية أرسلت برقية بالغة الدقة للمستوى القيادي وفحواها: “إن شرعية القيادة وصناعة المستقبل لا تُستمد من القرب من دوائر القرار الرسمي، بل من معايشة هموم الشارع، ونبض المخيمات، وتضحيات الأسرى”.

إن الامتحان الحقيقي للمجلس الثوري الجديد لن يكون في نشوة الفوز، بل في مدى قدرة هذه الدماء الجديدة على تحويل كتلتها التصويتية الهائلة إلى فعل سياسي وتنظيمي متماسك، يستعيد لفتح دورها الطليعي التاريخي في قيادة المشروع الوطني التحرري. وفي كلتا الحالتين، فإن فتح ما بعد هذه الصناديق قد دخلت مرحلة جديدة لن تشبه ما قبلها.

شاهد أيضاً

تشييع جثمان الشهيد العملة في بيت أولا بالخليل

تشييع جثمان الشهيد العملة في بيت أولا بالخليل

شفا – شيعت جماهير غفيرة، مساء اليوم الإثنين، جثمان الشهيد محمود زياد العملة (32 عاما)، …