10:46 مساءً / 8 مايو، 2026
آخر الاخبار

من سلفيت إلى غزة… عمر رمال وعدسةٌ تُقاوم الاحتلال بالحقيقة ، بقلم : د. وليد العريض

من سلفيت إلى غزة… عمر رمال وعدسةٌ تُقاوم الاحتلال بالحقيقة ، بقلم : د. وليد العريض

في لحظةٍ تتكاثر فيها محاولات طمس الرواية الفلسطينية ويشتد فيها الاستهداف الممنهج للإنسان والأرض والذاكرة، يبرز الفن الفلسطيني بوصفه أحد أهم أدوات الدفاع عن الحقيقة والهوية الوطنية ويأتي فوز المخرج الفلسطيني عمر رمال بجائزة جائزة ديفيد دي دوناتيلو لأفضل فيلم قصير عن عمله الوثائقي “كل يوم في غزة” ليؤكد من جديد أن الإبداع الفلسطيني لم يكن يومًا منفصلًا عن قضايا شعبه، بل ظلّ جزءًا أصيلًا من معركة الوعي والصمود، وأن الكاميرا الفلسطينية أصبحت في هذا العصر إحدى أكثر أدوات المقاومة تأثيرًا في نقل صورة المعاناة الفلسطينية إلى العالم، وإعادة تقديم الإنسان الفلسطيني بوصفه إنسانًا حيًّا يمتلك الحق في الحياة والحرية والكرامة.

وينتمي عمر رمال إلى مدينة سلفيت، المدينة الفلسطينية التي عانت وما تزال من سياسات الاستيطان والمصادرة والتضييق، لكنها في الوقت نفسه ظلّت حاضنةً للنخب الوطنية والثقافية والإبداعية التي حملت فلسطين في وجدانها وسعت للدفاع عنها في مختلف الميادين ولذلك فإن هذا الإنجاز لا يُعد نجاحًا فرديًا فحسب، بل يمثل صورة مشرّفة لأبناء سلفيت الذين أثبتوا حضورهم في ساحات العلم والثقافة والنضال الوطني ويؤكد أن المدن الفلسطينية الصغيرة بحجمها الجغرافي كبيرةٌ بعطائها الوطني والإنساني وأن فلسطين قادرة دائمًا على إنتاج المبدعين الذين يحولون الألم إلى رسالة والمعاناة إلى فعل حضاري يخاطب العالم بلغة الفن والإنسانية.

لقد أدرك الفلسطيني منذ بدايات الاحتلال أن الصراع الحقيقي لا يدور فقط حول الأرض والحدود، بل حول الرواية والوعي والذاكرة التاريخية، فالاحتلال سعى على الدوام إلى تقديم نفسه للعالم باعتباره الضحية، في مقابل محاولاته المستمرة لتشويه صورة الفلسطيني وتجريده من إنسانيته وحقه التاريخي ومن هنا برزت أهمية الفن الفلسطيني بوصفه وسيلة مقاومة حضارية قادرة على كشف الحقيقة وتوثيق الجرائم والانتهاكات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني وقد لعبت السينما الفلسطينية تحديدًا دورًا محوريًا في هذا المجال من خلال تقديم أعمال وثائقية وروائية نجحت في اختراق الحواجز السياسية والإعلامية والوصول إلى الرأي العام العالمي، لتؤكد أن القضية الفلسطينية ليست مجرد خبر سياسي عابر، بل قضية إنسانية وأخلاقية تتعلق بحق شعب كامل في الحياة والحرية والاستقلال.

ويأتي فيلم “كل يوم في غزة” ضمن هذا السياق النضالي الثقافي، إذ استطاع عمر رمال أن يوظف أدوات السينما الوثائقية بصورة احترافية وإنسانية لنقل تفاصيل الحياة اليومية في غزة تحت وطأة الحرب والحصار والدمار، بعيدًا عن الخطاب الدعائي المباشر أو المبالغات العاطفية، فالفيلم يقدّم الحقيقة كما هي ويجعل الصورة تتحدث بلغتها الصادقة والمؤلمة، حيث تتحول الكاميرا إلى شاهد حيّ على معاناة المدنيين وعلى حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها سكان القطاع وتكمن قوة هذا النوع من الأعمال في أنه لا يخاطب العقل السياسي فقط، بل يخاطب الضمير الإنساني العالمي ويعيد وضع القضية الفلسطينية في إطارها الحقيقي بوصفها قضية شعب يواجه الاحتلال والقتل والحصار منذ عقود طويلة.

إن تتويج فيلم فلسطيني في محفل سينمائي دولي مرموق يحمل دلالات ثقافية وسياسية وإنسانية عميقة، لأنه يعكس تزايد حضور الرواية الفلسطينية في المؤسسات الثقافية العالمية ويؤكد أن محاولات التعتيم على ما يجري في فلسطين لم تعد قادرة على منع وصول الحقيقة إلى العالم، كما أن هذا الفوز يثبت أن الفن الفلسطيني يمتلك قدرة عالية على المنافسة والإبداع رغم الظروف القاسية التي يعيشها الشعب الفلسطيني وأن الفنان الفلسطيني لم يعد مجرد ناقل للمعاناة، بل أصبح صانعًا لخطاب بصري عالمي قادر على التأثير في الرأي العام الدولي وإعادة تشكيل الصورة الذهنية للقضية الفلسطينية بعيدًا عن الروايات المنحازة التي سادت لعقود طويلة.

ولا يمكن الحديث عن هذا الإنجاز دون التأكيد على أن الفن الفلسطيني عبر تاريخه الطويل كان جزءًا لا يتجزأ من مشروع المقاومة الوطنية، فمن الشعر إلى الرواية ومن الأغنية إلى اللوحة ومن المسرح إلى السينما، ظلّ الإبداع الفلسطيني يحمل همّ القضية ويدافع عن الهوية الوطنية في مواجهة محاولات الطمس والاقتلاع، ولذلك فإن نجاح عمر رمال اليوم يمثل امتدادًا طبيعيًا لهذا المسار الثقافي المقاوم، ويؤكد أن الجيل الفلسطيني الجديد ما يزال قادرًا على حمل الرسالة الوطنية بأدوات معاصرة تتناسب مع لغة العصر وتخاطب العالم بمنطق إنساني مؤثر وتعميق.


إن فوز ابن سلفيت عمر رمال ليس مجرد تتويج لفيلم وثائقي قصير، بل هو انتصار رمزي للرواية الفلسطينية ورسالة تؤكد أن فلسطين، رغم كل ما تتعرض له من قتل وحصار وتشويه، ما تزال قادرة على أن تُنتج الحياة والإبداع والجمال وأن أبناءها لا يحملون فقط ذاكرة الألم، بل يحملون أيضًا القدرة على تحويل هذا الألم إلى فنٍّ مقاوم يبقى حاضرًا في ضمير الإنسانية، فالكاميرا الفلسطينية اليوم لم تعد مجرد أداة تصوير، بل أصبحت وثيقة تاريخية وأخلاقية تكشف الحقيقة وتدافع عن الإنسان الفلسطيني في مواجهة آلة الاحتلال والدعاية التزييف.

شاهد أيضاً

إصابة مواطن وطفله بجروح إثر اعتداء المستوطنين عليهما جنوب الخليل

شفا – أصيب مواطن وطفله بجروح، مساء اليوم الجمعة، إثر اعتداء المستوطنين عليهما في قرية …