
شفا – في زمن تتسارع فيه التّحوّلات الثّقافيّة وتتشابك فيه الأسئلة حول حضور الذّات في النّصوص الإبداعيّة، تطلّ الكاتبة والباحثة والنّاقدة الجزائريّة سعاد بسناسي على القرّاء بعمل نقديّ جديد يحمل عنوان: (تجلّيات الذّات في الشّعر العربيّ المعاصر) هذا الإصدار ليس مجرّد كتاب يضاف إلى رفوف المكتبة، بل هو محاولة جادة لإعادة قراءة الشّعر العربيّ الحديث من زاوية تكشف عن عمق التّجربة الإنسانيّة وتنوّع صورها.
الأكاديميّة والباحثة سعاد بسناسي أستاذة اللّسانيّات والصّوتيّات بجامعة وهران1 أحمد بن بلّة وعضو المجلس الأعلى للّغة العربيّة، هي مديرة مخبر اللّهجات ومعالجة الكلام، ورئيسة أكاديميّة الوهرانيّ للدّراسات العلميّة والتّفاعل الثّقافيّ، ولجت مجال النّقد والسّرد والتّأويل والدّراسات الثّقافيّة بكتابها الأوّل بعد عشرات الكتب في اللّغة والمتمثّل في (مضمرات الملفوظ في السّرد)، ثمّ كتاب (الرّؤية السّرديّة وسؤال المعنى مقاربة تأويليّة) وصولًا إلى هذا الكتاب الجديد. النّاقدة سعاد بسناسي تراكمت لديها خبرة نقديّة ومعرفيّة لافتة، تقدّم هنا مشروعا يزاوج بين الدّقة الأكاديميّة والحسّ الأدبيّ، لتضع بين أيدي القرّاء مرجعًا يثري النّقاش حول علاقة الشّاعر بذاته، وكيف تتحوّل هذه الذّات إلى فضاء للتّعبير والابتكار. إنّه كتاب يَعِدُّ القرّاء برحلة فكريّة ممتعة، ويثير فضولهم قبل أن يغوص في تفاصيله النّقديّة الدّقيقة.
تقومُ القراءات المحايثة المختلفة للنّصوص الشّعريّة وفق مقاربات تأويليّة لكشف أنساقها المضمرة، ويتمّ استيضاح رؤى هذه النّصوص بكشف تجلّياتها التي تنكشف بفهم تجليّات الذّات الشّاعرة؛ لأنّ التّجربة الشّعريّة هي مكاشفات تنتج عن تلاحم أفضية شعريّة ديناميّة تعبّر عنها الذّات الشّاعرة الواعية بذاتها وبذات الآخر انطلاقًا من رؤيتها لذاتها ورؤيتها للعالم؛ فرؤية الشّاعر للعالم ولذاته تعكسُ غالبًا تجربةً فريدةً نابعة من مشاعره وتفاعلاته مع ما يحيطُ به، ويميلُ الشّعراء إلى تقديم وجهات نظر عميقة ومتنوّعة تعكس التّأمّلات الوجوديّة والصّراعات الدّاخليّة بما فيها من أحزان وأفراح. واختلفت عبر الزّمن رؤية الشّعراء بناءً على سياقات اجتماعيّة أو تاريخيّة أو سياسيّة؛ فركّز الشّعراء في العصر الجاهليّ على فضاء الصّحراء، والمغامرة، والافتخار بالنّفس، بينما تأمّل شعراء العصر الحديث في الغربة، والقلق ومواضيع الوجود والحريّة، وكأنّ الذّات القلقة تشعر بضيق واختناق بسبب فشلها في مواكبة الحياة.
وتعدُّ (الذّاتيّة) من أبرز سمات الشّعر العربيّ المعاصر لتفاعل الشّاعر مع قضايا وجوديّة أو وجوده في زمن معيّ؛ فأصبح الشّعراء يعبّرون عن أحاسيسهم بشكل مباشر وصريح من خلال تجاربهم الذّاتيّة والجماعيّة، وكان التّحوّل من أنماط الشّعر التّقليديّة ضرورة حتميّة، وانتحى هذا التّحوّل منحى التّحرّر من أشكال القصيدة التّقليديّة إلى الذّاتيّة ومساءلة الذّات والإنصات لها ونقل ما تبوح به. وشهدت القصيدة العربيّة تحوّلاً جذريًّا من الشّكل التّقليديّ إلى التّعبير الذّاتيّ. وكانت القصيدة التّقليديّة من أغراض شعريّة محدّدة مثل: (الرّثاء، والمدح، والهجاء، والغزل، والفخر…) ومن الالتزام بوزن وقافية معيّنة كما حُدّد في علم العروض إلى قصيدة متأثّرة بالحداثة في العصر الحديث وبالتّطوّرات العالميّة في الأدب والفنون إلى جانب تأثير الحركات الفكريّة والسّياسيّة. وانتقلت القصيدة من التّوجّهات الجماعيّة التّي تعكس قيم المجتمع إلى التّعبير عن مشاعرهم وأفكارهم الذّاتيّة، وظهرت موضوعات جديدة مثل: (الغربة، والحريّة، والقلق الوجوديّ، والحبّ الشّخصيّ…) وذلك لمساهمة الحركات الأدبيّة مثل الرّومانسيّة والرّمزيّة في تطوير اللّغة الشّعريّة وصياغة أساليب جديدة، وتفكّكت بذلك قيود الوزن والقافية في القصيدة الحرّة، ممّا سمحَ للشّعراء بحريّة التّعبير عن دواخلهم بأسلوب حديث ومبتكر.
أصبحَ الشّعر المعاصر أكثر انفتاحًا عمّا كان عليه من قبل، ممّا أتاح للشّعراء حريّة التّعبير أكثر ممّا مضى، وكان للواقع السّياسيّ والاجتماعيّ أثره الواضح على مواقف الشّعراء وآرائهم تجاه ما يجري في مجتمعاتهم، ممّا جعلهم يعتمدون (التّجريب) وتنوّع الأساليب والتّشكيلات الفنيّة في قصائدهم، وتحوّل الشّعر إلى منابر لرؤى فلسفيّة وتأمّلات وجوديّة تُعنى بالكون -(وعي الكينونة)- ممّا فجّر رؤى الشّعراء المنبثقة من العدم فسجّلوا معاناتهم واغترابهم داخل أوطانهم وفي ذلك تعبير عن (الذّات) وكشف تجاربها وتأمّلاتها؛ لأنّ الشّاعر – على رأي أرشيبالدمكليش Archibald Macleish- يبدأ باقتراض وجود شيء اسمه (شعر) ثمّ يسعى ليستكشفه، وهذا يُبِينُ عن صعوبة بداية نظم الشّعر ومنطلقه؛ لأنّ الشّعر يبدأ إجمالاً من حيث يأمل أن ينتهي. وتأمّلات الشّاعر تتجلّى حينما يجعل الكون سرّ تأمّله لتغذية مشاعره وروحه المبدعة.
لقد أثّر الانفتاح على الحركات الأدبيّة على الرّؤى الشّعريّة العربيّة، وعبّر الشّعراء عن صراعاتهم الدّاخليّة: الصّراع مع الرّغبات، والهويّة، ومع الواقع المحيط بهم، وتتجسّد بذلك ثنائيّة الرّؤيا في التّصوّر اللّغويّ مع ثنائيّة الرّؤيا في التّصوّر الكونيّ ممّا يضمره السّياق الشّعريّ وما تؤول إليه مرجعيّته الفكريّة والفلسفيّة لخلق توازن بين الفكر والحسّ؛ ذلك لأنّ الإنسان موزّع بين وجوده وفنائه، حياته وموته، بين عالمين عالم الدّنيا وعالم الآخرة.
وكان الاهتمام في تراثنا العربيّ بالخطاب وإنتاجه وبخاصّة الخطاب القرآنيّ ومنه الخطاب الشّعريّ بتدارس صوره البيانيّة، واستعاراته، وتمثيلاته، وموسيقاه الإيقاعيّة بفهم علاقة الألفاظ بالمعاني، وكان الشّعر العربيّ على ما جاء في نظريّة (معنى المعنى) لعبد القاهر الجرجانيّ تعبيرًا عن الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، باعتبار هذه النّظريّة من أبرز النّظريّات البلاغيّة التّي أسهمت في تطوير علم البلاغة العربيّ، وركّزت على العلاقة بين اللّفظ والمعنى بوصفه أساس التّعبير، ويرى (الجرجانيّ) أنّ الفصاحة لا تكمن في اللّفظ المفرد، بل في تناسق الألفاظ مع المعاني، وركّز على أهمّية (النّظم) وترتيب المعاني بما يتناسب مع أفكار المتحدّث التّي يرغب في إيصالها، ومع أهمّية هذه النّظريّة إلاّ أنّ جانب النّظم فيها الذي يعدّ أساس الفصاحة قد يهمل الجوانب الأخرى للبلاغة مثل (الإيحاءات الجماليّة) والظّلال النّفسيّة للنّصوص وذات الشّاعر المبدعة، إضافةً إلى إهمال السّياق التّاريخيّ والاجتماعيّ بوصفهما مؤثّرين على الفهم والتّأويل، وهذا الإهمال يحدُّ من حريّة الإبداع لدى الشّاعر.
تتأتّى قوّة تأثير الشّعر بتوظيف (الاستعارة والتّمثيل) والكثير من الفنيّات الجماليّة كالتّناص وغيرها، وهكذا تكون الأنساق الشّعريّة مستمدّة من الواقع ومن خلال تلك العلاقة التّفاعليّة بين ذات الشّاعر وتوجّهاته الفكريّة. وتُعدّ الاستعارة والتّمثيل من أهمّ أدوات التّعبير في الشّعر؛ إذ يثريان النّص الأدبيّ ويمنحانه عمقًا وجمالاً فنّيًّا ممّا يعزّز (الإبداع والتّخييل) ويمكّن الشّاعر من نقل أفكاره ومشاعره بأسلوب إبداعيّ يحفّز خيال القارئ، ويجعله يعيش تجربة النّص بصورة أعمق، وتحقّقُ الاستعارة والتّمثيل تأثيرًا على مشاعر المتلقّي بحيث يفتحان نافذة إلى عوالم خياليّة، وأحاسيس عميقة من خلال أدوات أدبيّة تتمثّل في: (الإثارة العاطفيّة، والارتباط الشّخصيّ، والتّأمّل والتّفكير، وإثارة الحواسّ، وخلق الذّكريّات).
تقومُ هذه الدّراسة على إمكانيّة فهم الذّات الإنسانيّة، وفهم انشغالاتها ومعاناتها من خلال الشّاعر المعبّر بلسانه عن حالها وعلى لسانها، وهذا التّفاعل يسبر أغوار القصيدة لاستكناه دلالاتها المضمرة لتأويل نسقها وإيحاءاتها اللاّمتناهية، وهذا ما يؤكّد الاندماج مع النًّص الشّعريّ والذّوبان فيه، ولأنّ مساره التّأويليّ يبقى مفتوحًا وهكذا هي العلاقة بين الشّعر والتّأويل في انسجامها وتكاملها، بوصف (المسار التّأويليّ) في فهم الذّات يشيرُ إلى العمليّة التّي من خلالها يفسّر الإنسان ذاته، وفهم أعماقه الدّاخليّة، وعلاقته بالآخرين؛ إذ يعتبر (التّأويل) هنا أداة لفهم الذّات باعتبارها كائنا متغيّرا ومعقّدا؛ فتتداخل المعاني الشّخصيّة مع العوامل الاجتماعيّة والثّقافيّة والتّاريخيّة.
يقومُ (مسار التّأويل) على تفسير التّجارب الشّخصيّة، وفهم الأحداث وتحليلها، وكيف تؤثّر هذه الأحداث التّي يمرّ بها الشّاعر على تصوّره لذاته، كما يساعد على (اكتشاف الهويّة الذّاتيّة) وتشكيل هذه الهويّة بل وإعادة تشكيلها من جديد بناء على فهم أعمق لنقاط القوّة والضّعف والدّوافع الدّاخليّة. ويتأمّل الشّاعر ذاته عبر الماضي، والحاضر، والمستقبل – (البعد الزّمنيّ)- ويعيد تفسير تلك الفترات الزّمنيّة لفهم تطوّره الشّخصيّ، ولا يتوقّف المسار التّأويليّ عند الفهم الذّاتيّ لوحده بل يساعد على (فهم الذّات) في تفاعلها مع الآخر؛ لأنّ الفرد يتأثّر بأفكار الغير وتوقّعاتهم بل وحتّى مختلف قيم مجتمعه، ونشير إلى أنّ هذا المفهوم يرتبط كثيرًا بالفلسفة التّأويليّة (الهرمينيوطيقا) التّي تؤكّد على أهمّية التّفسير في إدراك الحقيقة من خلال التّأمّل والتّأويل، ويستطيع الشّاعر أن يصل إلى مستوى أعمق من الإدراك الذّاتيّ والانسجام الدّاخليّ.
وكان البدءُ في هذا العمل بالوقوف عند (مفهوم الذّات في الشّعر العربيّ المعاصر) بوصف الذّات عنصرًا أساسيًّا في التّأكيد على الهويّة الفرديّة للشّاعر، ومدى تفاعل هذه الهويّة مع واقع الشّاعر وتجاربه وهمومه، وهذا ما يمثّل مرحلة تحوّل الشّعر العربيّ من القصيدة التّقليديّة إلى مواضيع الشّعر الذّاتيّ، وهذا التّحوّل والانفتاح على كافّة الأشكال والتّعبيرات جعل ذات الشّاعر تعبّر عن حواراتها الدّاخليّة وتوتّراتها النّفسيّة بحريّة حتّى أصبحت جزءًا من نسيج النًّص الشّعريّ.
ولعلّ مرحلة التّحوّل في الشّعر العربيّ المعاصر وانفتاحه على تلك الأشكال الأدبيّة العالميّة جعل مواضيع قصائده تنتقل من التّعبير عن مشاعر الحبّ وغيرها إلى أزمة الهويّة، والمكان، والوجود ومن هنا اختلفت التّأويلات كما هو الشّأن في قصائد (نزار قبّاني، ونازك الملائكة، وفدوى طوقان، وبدر شاكر السّياب، وصلاح عبد الصّبور ومفدي زكرياء وأحلام مستغانميّ…) وغيرهم من شعراء الوطن العربيّ؛ بحيث تفاعل الشّعراء باستمرار مع مختلف المراحل التّاريخيّة فكانت جزءا من كيانهم.
تأثّر الشّعر العربيّ المعاصر بمختلف التّحوّلات السّياسيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة، وساعد ذلك على توسيع موضوعات الشّعر المعاصر، وتغيير الأساليب والتّقنيّات المعتمدة ممّا نتج عنه وعي اجتماعيّ وثقافيّ مؤثّر. وتجلّت الذّاتيّة في الشّعر العربيّ المعاصر من خلال التّجريب في أشعار مثّلنا لها بقصائد اختلفت مواضيعها، وتباينت أبعادها وخلفيّاتها؛ ولكن توحّدت أهدافها الرّامية إلى التّعبير عن الذّات وعن الحريّة والهويّة والوطن، وهذا ما نتج عنه ما أسميناه بالتّفاعل بين الشّعر والرّوحانيّة التّي أغنت التّجربة الشّعريّة، وفتحت آفاقا جديدة للتّعبير الفنّيّ.
لم يكن التّجريب في الشّعر العربيّ المعاصر مجرّد حركة عابرة أو تقليدًا أعمى لما جاء من الغرب، بل كان انبثاقًا داخليًّا لحاجة الذّات الشّعريّة إلى كسر ما تراكم من أنماط، وإعادة ترتيب العلاقة بين اللّغة والكينونة. لقد ظهر هذا التّجريب بوصفه نوعًا من الرّغبة في إعادة قول العالم، ليس كما هو، بل كما يُرى في مرايا الذّات القلقة، المتحوّلة، الباحثة عن شكل يليق بروحها المتشظيّة.
ضمن هذا المسار، لم تعد القصيدة مجرّد بنية مغلقة، بل صارت كائنًا حيًّا يتنفّس، ويتغيّر، ويتداعى في اتّجاهات لا نهائيّة، تتقاطع فيها خيوط الذّاكرة مع صدى الأصوات، ويختلطُ فيها ما هو ذاتيّ بما هو جمعيّ، كما لو أنّ الشّعر صار سيرةً باطنيّةً للّغة نفسها.
وتأسيسًا على هذه الرّؤية، بدأت ملامح السّرد تتسرّب إلى جسد القصيدة، لا بوصفها دخيلة، بل كحاجة ملحّة لإعادة إنتاج الزّمن، والذّات، والحركة، داخل عالم شعريّ ينزع إلى تصوير الصّيرورة لا النّتيجة؛ وفضلاً عن ذلك، لم تعد القصيدة تُكتَب في لحظة التّجلّي الخالص، بل في تدرّجات الانفعال، عبر سردٍ يحمل ذاكرة وانفعالًا ورؤية، ولا يعبّر عن الذّات بوصفها فردًا، بل بوصفها كيانًا تتقاطع فيه الأزمنة.
في هذا السّياق، تحوّل الشّعر إلى مساحة للحوار مع الغياب، ومع الذّات، ومع القارئ الذي لم يعد مراقبًا صامتًا، بل شريكًا في صناعة المعنى، في تأويله، وفي إعادة تشكيل النّص في كلّ قراءة. ولم يكن ذلك إلاّ من خلال وعي شعريّ جديد يتأمّل أبعاد اللّغة، وينبش في إمكانيّاتها، مستلهمًا – بوعيٍ أو بدونه – التّجارب الغربيّة التي تماهت فيها الأجناس، واختلطت فيها الأزمنة، وتقدّمت فيها الأسئلة على الإجابات.
لقد أخذت تلك القصيدة في مسارها التّجريبيّ بيد اللّحظة العابرة، وسكبت فيها من توتّر المصير ما جعلها مشهدًا دراميًّا حيًّا، لا يُروى بل يُعاش، وصارت اللّحظة، بما تحمله من وجعٍ ووميض، مرآةً لتجربة لا يمكن القبض عليها إلاّ عبر التّحوّل المستمرّ. فالمكان فيها لم يعد محايدًا، بل تنفّسَ ما اختزنته التّجربة من صراع داخليّ، وانغمس في تشكّلات الذّات المتعدّدة، كأنّما الأرض نفسها تكتب مع الشّاعر، أو تُكتَب من خلاله.
أمّا الزّمن، فلم يعد قيدًا خطّيًا، بل أفقًا مفتوحًا على الاحتمالات؛ كان التّنبّؤ فيه لا نبوءة، بل تأويلاً: قراءةً لحكاية لم تُحكَ بعد، وحنينًا إلى ما لم يقع، كأنّما القصيدة لا تتّجه نحو الأمام، بل تتردّد بين ماضٍ غير مكتمل ومستقبل لا ينفكّ يولد في لحظة الكتابة ذاتها.
وهكذا، لم يكن التَّجريب خيارًا جماليًّا أو مغامرة لغويّة فحسب، بل كان انخراطًا في معركة المعنى، حوارًا دائمًا بين النّصّ ونفسه، بين اللّغة وظلالها، بين الشّاعر وما ينفلت منه؛ كما لم يكن شكلًا يبحث عن قالب، بل روحًا تهيم خلف معنى لا يتوقّف، وحقيقة لا تُقال، بل تُلمَح.
لقد صارَ النّصُ بذلك كائنًا متغيّرًا، لا يهدأ ولا يستقرّ، كأنّه يحيَا معنا، يراقبنا ونحن نحاولُ أن نقرأه، فيُعيد ترتيب نفسه، ويتنفّس من جديد. وفي هذا كلّه، يتكشّف للعالم وجهٌ آخر، وجه لم يعد كما عهدناه، بل كما خُلق في مرآة الشّعر: غامضًا، مشاكسًا، وحقيقيًّا إلى حدّ الوجع.
لقد تجلّت الذّات في تلافيف هذا البحث، كما تتجلّى الملامح على صفحة ماء راكد، ولم يكن الصّوت الأنثويّ فيها صدًى لحضور غائب، بل نبضًا حقيقيًّا يتسرّب في كلّ منعطف من منعطفات النّص، كما لم تكن المرأة في الخطاب الشّعريّ المعاصر مجرّد موضوع للوصف، أو رمزًا معلّقًا على جدران الخيال، بل كانت كينونةً تتكلّم، وتحضر، وتُعيد تشكيل العالم من منظورها الخاصّ، وليس كمرآة تعكس صورة الآخر، بل كمرآة تنكسر لتكشف تعدّد الذّات وتشظّيها.
لم يكن ذلك الحضور الأنثويّ شكليًّا أو تجميليًّا، بل حمل طبقات من المعاني المعقّدة، حيث تتداخل الأنثى بوصفها كائنًا مبدعًا مع الأنثى بوصفها رؤية للعالم، وصيغة شعريّة للتّعبير عن الدّاخل الأكثر عمقًا. لقد انقلبت الصّورة من كون المرأة موضوعًا للقول، إلى كونها فاعلة في القول نفسه؛ تحرّك لغته وتعيد صياغة رموزه.
وما كان يُنظرُ إليه يومًا بوصفه أنوثةً جامدةً ومغلقة على معناها البيولوجيّ أو الرّمزيّ، بدأ يتغيّر على وقع تحوّلات الوعي الشّعريّ، فصار الحضور الأنثويّ مرآةً لمفهوم الأنوثة المتغيّرة، تلك التي لا تُقاس بالثّوابت بل تُقاس بمدى تحوّلها، بقدرتها على تفكيك الصّور النّمطيّة، وعلى إعادة إنتاج الخطاب ذاته.
وهكذا، لم تعد الأنوثة محصورةً في مجاز أو استعارة، بل غدت أفقًا مفتوحًا لإعادة تعريف الإنسان داخل القصيدة. وفي ظلّ التّحوّلات الكبرى التي عصفت بالشّعر العربيّ المعاصر، غدت هذه الأنوثة حقلًا تأويليًّا ثريًّا، يتداخل فيه الجماليّ بالوجوديّ، والذّاتيّ بالكونيّ، في مسعى دائم لإعادة رسم الحدود بين الذّات واللّغة، بين الهويّة والاختلاف.
لقد تشكّل الحضور الأنثويّ في تقاطع الرّؤية الشّعريّة مع صدى الذّات بنبرة مغايرة، نبرةٍ لا تُقاس بالألفاظ المجرّدة، بل تُستشعر كاهتزازٍ خفيٍّ في طبقات المعنى، كظلٍّ يتماوج مع النّور، ويعيدُ تشكيل العالم من الدّاخل بصمتٍ دالّ؛ كما لم تبقَ صورة الأنثى في النّص محصورةً في موقع الوصف أو التّلقي، بل تجاوزت ذلك إلى مقام الفاعليّة؛ إذ باتت شريكة في صناعة اللّغة، ومكوّنة للوعي، ومساهمة في إعادة تأويل الذّات والعالم معًا.
وكانت الأنوثة، في هذا الامتداد الجديد، مرآةً لا تعكس فقط ملامح الجسد أو حسّ الغواية، بل تحمل وجع الوجود وأسئلته المتكرّرة، وتُمثّل توقًا داخليًّا نحو كشف المستور من التّجربة الإنسانيّة. إنّها لا تتجلّى فقط كحالة شعوريّة، بل كقيمة تأويليّة، تتغيّر بتغيّر اللّغة، وتتلوّن وفق مقامات الذّات وهي تعبر من الظّلّ إلى الضّوء. ولعلّ التّحوّل هنا ليس مجرّد استبدال صيغة جديدة بقالب جاهز، بل هو انزياحٌ في الإدراك: من المرأة كصورة جامدة إلى كيان يتكلّم، ويكتب، ويرفض، ويُجابه، وينسج مع الشعر شبكة من المعاني المتحرّكة. وفي هذا السّياق، تلاشت الفواصل بين الذّكر والأنثى في المعنى الشّعريّ، وبقي فقط الصّوت الدّاخليّ الذي يتكلّم باسم الإنسانيّة.
وكلما تلبّست القصيدة ملامح هذا الحضور، ازدادت اتّساعًا، ولم تعد قصيدةَ حبٍّ فقط، بل صارت قصيدة وجود. صارت المرأة فيها ليست وجهًا، بل سؤالاً، ليست موضوعًا، بل تأويلاً، ليست ملهمة صامتة، بل كاتبة لكينونتها، تشتبك مع العالم، وتعيد بناءه من موقع الحلم، والخذلان، والتّجاوز.


شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .