3:17 مساءً / 10 أبريل، 2026
آخر الاخبار

ذاكرةٌ ملوّنة .. بقلم : غدير حميدان الزبون

ذاكرةٌ ملوّنة

ذاكرةٌ ملوّنة .. بقلم : غدير حميدان الزبون

في صباحٍ كُتِب له أنْ يكون مختلفًا تسلّل الضوء على استحياء من بين ستائر الذاكرة.
استيقظتُ على ارتجافةٍ مألوفة في القلب عندما انسكبت ترانيم فيروز في الأرجاء تتقدّمها “وا حبيبي” كأنها تُنادي شيئًا قديمًا فيَّ، شيئًا يعرف الطريق إلى بيتنا الذي لم يعد كما كان، لكنه لا يزال حيًّا في داخلي.
هو صباح جمعة يتزامن مع الفصح المجيد في بيت لحم، المدينة التي لا تشبه سواها، والتي كلما ابتعدتُ عن قلبها اقتربت مني أكثر.
ولكم أنْ تتخيّلوا معي كيف لساعة نومٍ قصيرة بعد الفجر أنْ تكون كفيلة لتعيد ترتيب الزمن، فتتشابك خيوطه، ويتحوّل الحاضر إلى بوابةٍ واسعة نحو الطفولة.
كانت أرضُ البئر في الربيع أشبهَ برقعةٍ حيّةٍ من الحلم تمتدّ كسجادةٍ خضراء مفروشةٍ بعنايةٍ إلهية، تتخلّلها شقائق النعمان بلونها القاني، لتتناثر كقطرات دمٍ نبيل على صدر العشب، وتجاورها أزهار الخبيزة، والأقحوان في تناغمٍ بريّ لا يعرف الترتيب لكنه يفيض جمالًا.
تنهضُ رائحة التراب المبتلّ بعد مطرٍ خفيف، وتتصاعد كصلاة تمتزج بعطر الأعشاب البرية التي كنا ندوسها برفق، ونحرّر عبيرها دون قصد.
وفي قلب تلك الأرض تنتصب أشجار اللوزيات كحارساتٍ بيض، أغصانها مكسوّة بزهورٍ ناصعة تميل إلى الوردي الخفيف مثل غيوم هبطت لتستريح بيننا.
إذا هبّت نسمة تناثرت بتلاتها في الهواء، فتبدو كثلجٍ رقيقٍ يتساقط في غير أوانه، ليعلّق الزمن لوهلةٍ قصيرة، ويجعلنا نركض تحتها ضاحكين، فلا زلنا نحاول الإمساك بما لا يُمسك.
وكانت الأرض رغم انفتاحها مزنّرة بسورٍ عتيقٍ من حجارةٍ مهندسةٍ بيد فنان، شاحبة اللون محفورةٍ بآثار الزمن.
لا زالت تلك الحجارة المتراكمة أفقيًّا وعموديًّا تصنع الدهشة، وتحفظ أسرار من مرّوا قبلنا، وتحدّد للعالم حدود هذا الفردوس الصغير، لتذكّرنا دائمًا من أين يبدأ الحنين.
هناك في أرض البئر في رأس فطيس كانت الأرض تعرف أسماءنا جيّدا في ذاكرة معتّقة أنّى لها أنْ تتسرّب من غربال السنين، ولا زالت تدعونا لنخطو عليها بخفّة من لم يثقل قلبه بعد.
كنا نصحو باكرًا أنا وأخوتي وأخواتي دون الحاجة لضبط منبّه الساعة، فالربيع يوقظنا لنلهو معه قليلا قبل أنْ ترهقه أقدام المشاة.
يتنفس الصباح وسرعان ما نخرج مهرولين، ونحن نحمل في عيوننا دهشة اليوم، فنطوف بين الأعشاب والندى، ونلاحق الألوان قبل أنْ تذوب في الشمس.
كنتُ أنا وأختي التي تكبرني بسنتين نختار شقائق النعمان بعناية كأننا ننتقي أسرارًا صغيرة من الأرض، ونضمّها إلى قلبينا خشية أنْ تشي بها رياح الغدر.
لطالما عرفنا بمكر الطفولة أنّ لونها وعدٌ بشيء سيحدث لاحقًا.
أما إخوتي الذكور فكانوا ينشغلون بمهمةٍ لا تقل قداسة وهي مراقبة دجاجاتنا البلدية بترقّبٍ طفوليّ لولادة الإفطار من البيض، فالمعجزة يمكن أنْ تحدث في أي لحظة.
وفي الداخل كانت الفاطمة سيّدة التفاصيل، وصانعة الدهشة التي تُحضّر ذاكرة للإفطار، فتضع شقائق النعمان في إناءٍ يغلي، لينسكب لونها القرمزي في الماء، فتعصر الربيع في مطبخها الخشبي، وترسم لوحة استثنائية من الفرح لعائلتها.
وفي إناءٍ آخر تختلط قشور البصل بحبيبات الشاي، لتنسج ألوانًا أعمق، وأكثر غموضًا، فتحكي قصة الليل في قلب النهار.
وما هي إلا دقائق حتى تصطفّ الصحون مزدانةً ببيضٍ ملوّن لا يشبه أي شيءٍ آخر.
نجتمع حول صحن البئر، ونضحك، ونتباهى بالألوان، ونتقاسم الفرح خبزًا ساخنًا.
يا لها من أيام رغم نقصانها إلّا أنّها كانت الأجمل بلا منافس؛ لأنها كانت ملكًا لنا وحدنا.
أدرك اليوم وأنا أستيقظ على ترانيم تعبر الزمن أنّ بعض الذكريات تعود لتؤلمنا كثيرا، وتحيينا قليلا.
لا ينتهي الصباح إنما يتوارى في القلب مثل ترنيمةٍ لم تُكمل لحنها بعد.
أعترف الآن أنّ أرض البئر كانت زمنًا نقيًا خبّأ نفسه فينا، ولا ينتظر سوى لحظة انكسارٍ أو شوقٍ ليعود.
وأنّ تلك البيوض الملوّنة كانت دروسًا مبكّرة في أنّ للحياة وجوهًا كثيرة، وأنّ البهجة تُصنع أحيانًا من أبسط ما تمنحنا الأرض.
اليوم لا أبحث عن تلك الأيام لأستعيدها، أنا فقط أريد أنْ أفهم كيف نجت في داخلي كلّ هذا الوقت، وكيف لم تبهت ألوانها، ولم تجفّ ضحكاتنا على حوافها. ربما لأنّ الأماكن التي تُحبّنا حقًا لا تغادرنا أبدًا، فهي تتحوّل إلى جزءٍ من نسيجنا نعود إليها كلما ضاقت بنا الطرق.
وإنْ كان للحنين صوت فسيظلّ يشبه تلك الترانيم التي أيقظتني، وإنْ كان للذاكرة شكل فسيظلّ بيضةً ملوّنة نكسرها برفق، فنجد في داخلها طفولةً لم تكبر.

شاهد أيضاً

بعد نشرها لمدة 60 يوما: لجنة صياغة الدستور المؤقت تغلق باب استقبال الملاحظات على المسودة

بعد نشرها لمدة 60 يوما: لجنة صياغة الدستور المؤقت تغلق باب استقبال الملاحظات على المسودة

شفا – أعلنت لجنة صياغة الدستور المؤقت إغلاق باب استقبال الملاحظات على مسودة الدستور أمام …