6:52 مساءً / 12 مارس، 2026
آخر الاخبار

ملحمة فرح بين البيت والحياة ، بقلم : قمر عبد الرحمن

ملحمة فرح بين البيت والحياة ، بقلم : قمر عبد الرحمن

“ملحمة فرح بين البيت والحياة” ، بقلم : قمر عبد الرحمن

ما زال الكاتب الفلسطيني همام الطوباسي يثبت في كل مرة، أنّ القوة الحقيقية تكمن في الفكر والخيال والقدرة على نقل الواقع الفلسطيني بصدقٍ وشاعرية. وفي قصة (فرح) ينبثق سرد الحياة الفلسطينية كما ينبثق الخبز من الطابون، رائحة الماضي معلقة في الهواء، والأرض حاملة لآثار الأقدام الصغيرة والكبيرة، لدماء الشهداء ولحن البقاء. هنا القدس قلبٌ مكلوم، والبيت ذاكرة، والطفولة أمانٌ مفقود يحتاج إلى صرخةٍ كبيرة ودموع ليعيش فينا.

كما قال محمود درويش في بداية القصة: “أحنُّ إلى خبز أمي وقهوة أُمي ولمسة أُمي”، هنا أيضًا يعود (وحيد) إلى ذاكرته، إلى أمّه، إلى تلك اللحظات البسيطة التي تصنع الطمأنينة، قبل أن تهزّه الحياة بعنف الواقع.

الحياة في المخيم، ثم الانتقال إلى دمشق، والمفارقات العائلية حول الميراث، تكشف عن قلب فلسطين الممزق، فلسطين الصغيرة في البيوت، كما هي الكبيرة في الساحات. الطوباسي يستخدم الأسرة كساحة صراع ووفاء، كما لو أن كل شخصية تمثل جزءًا من الوطن: (وحيد) رمز الصبر والكفاح، (سامي) رمز الضعف الذي يتحوّل إلى مقاومة داخلية، (حسن) رمز الانضباط والوفاء، (رشيد) رمز الاغتراب الداخلي والخارجي، (هند) تمثل الطمع والحقد؛ هذا التوازي بين الصراعات الشخصية والوطنية يجعل من القصة قصيدة سردية وطنية، حيث لا يمكن فصل الحب عن السياسة، ولا الصراع العائلي عن الصراع الوطني.

(فرح) المرأة الفلسطينية، شخصية الحب ورمز الأمل، رمز الحياة الجديدة وسط الخراب. جمالها.. عينان خضراوان وشعر أصفر كالشمس، يذكّرنا بأن فلسطين لا تزال تحمل الجمال رغم القسوة، وأن الحب الفلسطيني في الغالب مقاومة. علاقة (وحيد وفرح) تتشابك مع الأحداث الوطنية، الحوادث العائلية، والمآسي اليومية. (فرح) زوجة وحاملة للروح، والبيت الذي سيولد فيه ابنتهما أمل يصبح رمزًا لاستمرارية الحياة، للوجود الفلسطيني، وللقلب الذي لا يموت رغم كل الأزمات.

الموت، الخطف، الاختفاء، وتهديد الرسائل المطبوعة، تجسّد الرعب اليومي الذي يعيشه الفلسطيني، حيث كل خطوة في الحياة مرتبطة بالقلق على الأسرة، الوطن، والمستقبل.

الطوباسي يستخدم لغة الوصف النفسي المكثف، محاولة إحاطة القارئ بالحرقة، الحب، القلق، والأمل الذي لا يموت. كما في شعر درويش، يصبح البيت والذاكرة والمكان الشخصي مرآة للأمة: كل فقدان للبيت يعادل فقدان الوطن، وكل محاولة للمصالحة تعكس رغبة الإنسان في الحياة وسط الخراب.

القصة أيضًا مرآة للحياة المعاصرة في فلسطين، حيث الدم والموت حاضر، والشهداء يحيون في الذاكرة اليومية: (محمد الدرة، إيمان حجو) وكل طفل يموت بريئًا في الأرض المحتلة. هذه الواقعية المرعبة تتشابك مع الحنين الشخصي، فتتحوّل القصة إلى شهادة حياتية، شعرية، إنسانية، وطنية. كل تفصيل صغير – من الدخان المتصاعد من الطابون، إلى النبرة الحزينة في صوت فرح، إلى الصراع على البيت – يحمل دلالات سياسية ووطنية واجتماعية.

اللغة السردية تمزج بين العاطفة المكثفة والصراع الواقعي، بين الحب والوفاء والخيانة، كما لو أن النص نفسه يُكتب على جدار الزمن الفلسطيني، محاولًا حبس الزمن المتقلب في لحظة صمود. الرواية تتقاطع مع الشعر في حسها بالزمن، في رؤيتها للشهداء، وفي قدرتها على إيقاظ الذاكرة الفردية والجمعية، فتصبح القراءة تجربة حسية وروحية، حيث الحنين إلى الأم، المخيم، البيت، يتقاطع مع الحنين إلى وطن لم يعش حريته بعد.

في النهاية، (فرح) ملحمةٌ فلسطينيةٌ صغيرة، فيها كل الحب والقسوة، كل الفقد والأمل. الطوباسي يخلق نصًا يربط بين القلب والفكر، بين التاريخ الشخصي والتاريخ الوطني، ويذكرنا كما يفعل درويش، بأن الحياة والذاكرة والوطن متشابكة، وأن الحب – مثل البيت، مثل الأرض – هو ما يبقينا بشرًا رغم كل المصاعب والغياب والموت.

القصة صادرة عن المكتبة الجامعية/ نابلس – فلسطين

شاهد أيضاً

خربة يرزا .. تهجير قسري بعد عقود من الاستهداف الاستيطاني

خربة يرزا .. تهجير قسري بعد عقود من الاستهداف الاستيطاني

شفا – إسراء غوراني – قبل أشهر من الآن، كان أهالي خربة يرزا إلى الشرق …