
حين يرحل الطيبون… يبقى الأثر وتبقى الغصّة ، في ذكرى رحيل ابن العم فهد محمد فودة “أبو سمير” ، بقلم: سامي إبراهيم فودة
قال تعالى:
“مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا”.
تمرّ السنوات، لكن بعض الوجوه تبقى حيّة في الذاكرة، لا تمحوها الأيام ولا يبهت حضورها الغياب. وفي مثل هذا اليوم، تعود الذاكرة لتفتح أبوابها على مصراعيها، فتفيض بالمشاعر والحنين، ويقف القلب عند محطة الفقد الأولى… يوم رحل ابن العم الغالي فهد محمد فودة “أبو سمير”، ذلك الرجل الذي كان طيب الذكر، نقي القلب، بسيط الروح، واسع المحبة.
لم يكن أبو سمير مجرد اسمٍ في سجل الحياة، بل كان حكاية إنسانٍ عاش بين الناس بمحبةٍ صادقة ووجهٍ بشوش. كان من أولئك الرجال الذين لا يتركون خلفهم ضجيجًا، بل أثرًا طيبًا يشهد به كل من عرفهم. ابتسامته الهادئة كانت عنوانًا لشخصيته، وقلبه كان مفتوحًا للجميع بلا تكلف ولا ادعاء.
وُلِد الفقيد فهد محمد حامد فودة “أبو سمير” في مخيم جباليا – بلوك 9 بتاريخ 4 نيسان/أبريل 1972م، في كنف أسرة فلسطينية لاجئة عرفت معنى الصبر والثبات. تعود جذور العائلة إلى بلدة زرنوقة في فلسطين المحتلة عام 1948، تلك البلدة التي هُجّر منها الأجداد قسرًا تحت وقع السلاح، ليستقر بهم المطاف في مخيم جباليا، حيث كبر الأبناء وهم يحملون ذاكرة الوطن في قلوبهم.
نشأ أبو سمير في بيتٍ محافظٍ متشبّع بالقيم الدينية والأخلاق الفلسطينية الأصيلة، فحمل تلك القيم معه في حياته، وعاشها سلوكًا يوميًا بين الناس. تلقّى تعليمه الأساسي في مدرسة الفاخورة التابعة لوكالة الغوث “الأونروا”، ثم مضى في دروب الحياة باحثًا عن لقمة العيش بكرامة، حتى عمل موظفًا في بلدية جباليا منذ قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية إلى أرض الوطن، حيث عُرف بين زملائه بدماثة خلقه وأخلاقه الرفيعة.
كان أبو سمير أبًا حنونًا وزوجًا مخلصًا، تزوج من السيدة الفاضلة أم سمير، وأنجب خمس بنات هن: إيمان، سمية، ياسمين، جواهر، جومانة، وابنه الوحيد سمير، الذي أصبح اليوم أبًا لطفلٍ أسماه فهد تيمّنًا باسم والده، وكأن الاسم أراد أن يبقى حيًا في العائلة… شاهدًا على أن الطيبين لا يغيبون تمامًا.
نشأ الفقيد بين إخوة وأخوات شكّلوا معًا عائلة عُرفت بالمحبة والترابط، وقد تجرّعت هذه العائلة مرارة الفقد أكثر من مرة. فقد ارتقى شقيقه سمير فودة شهيدًا صباح يوم الجمعة الموافق 24 تشرين الأول/أكتوبر 2003 داخل مغتصبة نتساريم شرق مدينة غزة، كما فقدت العائلة شقيقتهم آمال التي رحلت شابة إثر مرض عضال في أحد مستشفيات مصر، تاركة في القلوب جرحًا لا يندمل.
وفي 11 آذار/مارس 2022، توقّف قلب أبو سمير فجأة بعد إصابته بجلطة حادة، ليفارق الحياة في المستشفى الإندونيسي عن عمرٍ ناهز الخمسين عامًا، تاركًا خلفه أسرة مكلومة ومحبة واسعة في قلوب الناس.
كان يوم رحيله يومًا ثقيلًا على مخيم جباليا. خرجت جماهير غفيرة من أبناء محافظة شمال غزة لتشييع جثمانه، وتجمّع الأحبة والأقارب والجيران لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على رجلٍ عرفوه طيبًا كريم النفس. أُقيمت صلاة الجنازة عليه بعد صلاة الظهر في مسجد التوبة بالمخيم، قبل أن يُشيَّع جثمانه الطاهر في موكبٍ جنائزي مهيب، خيّم عليه الحزن والأسى، حتى وُوري الثرى في مقبرة الفالوجا.
واليوم، بعد مرور الأعوام، ما زال اسم فهد “أبو سمير” حاضرًا في المجالس، وما زالت سيرته الطيبة تتردد على الألسنة. فالرجل الذي عاش بسيطًا بين الناس، ترك وراءه ذكرى لا تموت… لأن الطيبة الصادقة لا تحتاج إلى ضجيج كي تبقى.
رحمك الله يا أبا سمير…
رحم الله قلبًا كان نقيًا كالماء، ووجهًا كان يشرق بالابتسامة، وروحًا لم تعرف إلا الخير للناس.
نم قرير العين في رحمة الله، فقد تركت في القلوب أثرًا طيبًا لا يمحوه الزمن، وستبقى ذكراك حيّة فينا ما حيينا.
“إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا أبا سمير لمحزونون.”
رحم الله الفقيد، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أبناءه وأهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .