10:26 مساءً / 5 مارس، 2026
آخر الاخبار

كيف يختفى الطالب خلف الشاشة؟ إشكالية العدالة في التجربة الفلسطينية للتعليم الإلكتروني ، بقلم : نسيم قبها

كيف يختفى الطالب خلف الشاشة؟ إشكالية العدالة في التجربة الفلسطينية للتعليم الإلكتروني ، بقلم : نسيم قبها

في زمن التحول الرقمي، بات التعليم الإلكتروني بطاقة العبور نحو المستقبل، وأداة الوزارات لضمان استمرارية العملية التعليمية، خاصة في أوقات الأزمات والطوارئ التي نعيشها في فلسطين. لقد بذلت وزارة التربية والتعليم جهوداً كبيرة وملموسة، وأنفقت ميزانيات ضخمة على تطوير المنصات، وتأمين المحتوى الرقمي، وتدريب المعلمين. لكن رغم كل هذه التدخلات، يبقى السؤال الأكثر إيلاماً مطروحاً: هل استطاع هذا المسار الرقمي أن يحقق العدالة بين الطلبة؟ الإجابة المؤسفة، وبصفتي باحثا تربوياً يتنقل بين أحلام الطلبة وواقعهم المرير، هي: لا، بل على العكس، غالباً ما عمّق الفجوات التي كان من المفترض أن يزيلها.

التفريق المفاهيمي: التعليم الإلكتروني أم التعليم عن بعد؟

لقد كان أحد أهم مظاهر الخلل في التعاطي الرسمي مع الأزمة هو الخلط المفاهيمي بين “التعليم الإلكتروني” و”التعليم عن بعد”، مما انعكس سلباً على تصميم السياسات وتنفيذها. فالتعليم عن بعد هو نمط تعليمي متكامل، له فلسفته الخاصة، ومناهجه المصممة خصيصاً له، وآليات تقييم تختلف عن التعليم التقليدي، ويعتمد على المتعلم كقائد لرحلته التعليمية. أما ما طبقناه في فلسطين، فكان “تعليماً إلكترونياً طارئاً”، أي مجرد نقل الصف التقليدي بشخوصه وأدواته إلى الفضاء الرقمي، دون إعادة تصميم حقيقية للعملية التعليمية. هذا الخلط جعلنا نتوقع من التعليم الإلكتروني ما لا يستطيع تحقيقه؛ فهو أداة وليس فلسفة، ووسيلة وليس منهجاً متكاملاً. لذلك، حين تحدثنا عن العدالة، كنا نطالب وسيلة تقنية بأن تحقق ما تعجز عنه فلسفة تربوية متكاملة.

لقد تعاملت الوزارة مع التعليم الإلكتروني كبنية تحتية تقنية بحتة. كان التركيز على “توفير المنصة” و”إعداد المحتوى”، وكأن الطالب مجرد “مستخدم” يجب أن تصل إليه “المعلومة”. لكن العدالة التربوية الحقيقية ليست في تساوي الفرص في دخول موقع إلكتروني، بل في تكافؤ الفرص في التعلم والفهم والنجاح. وهنا وقع الخلل.

وهم الاتصال في زمن الانقطاع:

في فلسطين، حيث يتوزع الطلبة بين المدن والقرى والمخيمات والمناطق المسماة (ج) والتجمعات البدوية، لا يمكن الحديث عن العدالة الرقمية بمعزل عن العدالة في البنية التحتية. بينما يبحر طالب في مدينة رام الله باتصال سريع بالألياف الضوئية، يقبع طالب آخر في مسافر يطا يبحث عن شريحة نت ضعيفة أو “نقطة اتصال” على تلة ليتمكن من دخول الحصة. قمتا بتوفير المنصة، لكننا لم نستطع أن نمد كابلات الألياف الضوئية إلى كل خيمة أو بيت طيني. هذا هو العجز الأول: افتراض أن التكنولوجيا متاحة للجميع بنفس الجودة.

الفجوة في “رأس المال الثقافي” وبيئة التعلم:

العدالة لا تعني فقط أن يمتلك الطالب جهازاً لوحياً ، ونقّالا ذكيا ، بل أن يمتلك بيئة داعمة للتعلم. الطالب الذي يملك غرفة خاصة وهادئة، وأسرة متعلمة تستطيع مساعدته، يختلف تماماً عن الطالب الذي يعيش في بيت مكتظ، ويعمل بعد الدوام ليساعد والده، وأسرته بالكاد تجيد القراءة والكتابة. التعليم الإلكتروني حوّل المنزل إلى مدرسة، وبذلك حمّل الأسرة مسؤولية لم تكن مؤهلة لها كلها. هنا، لم تنجح تدخلات الوزارة في خلق “بديل” عن البيئة الصفية الغنية بالدعم والتوجيه، فاتسعت الفجوة بين طالب النخبة وطالب الهامش.

إغفال البعد النفسي والاجتماعي:

الطفل الفلسطيني بشكل خاص يعيش تحت ضغوط نفسية واجتماعية كبيرة. ففي غزة، يعاني الطلبة من ويلات الحروب والتهجير، وفي الضفة يعيشون تحت وطأة الاقتحامات الليلية والحواجز اليومية التي تعطل وصولهم للمدارس. التعليم الإلكتروني، في هذه الظروف، لم يكن خياراً بقدر ما كان قيداً إضافياً. بطبيعته الباردة والآلية، زاد من عزلة الطلبة عن معلميهم وأقرانهم. العدالة التربوية تعني أن يشعر كل طالب بأنه مرئي ومقدر، وأن له مكاناً في الصف. لكن خلف الشاشات، يتحول الصف إلى قائمة أسماء، والطالب الخجول يختفي أكثر، والطالب المهمش يصبح أقل حضوراً، والطالب المصاب بصدمة نفسية لا يجد من يحتويه. المنصات الإلكترونية قد تقدم المحتوى، لكنها لم تقدم بعد “الدفء الإنساني” الذي يحقق العدالة العاطفية التي يحتاجها الطفل لينجح.

غياب التصميم الشامل للتعلم:

إن الحديث عن العدالة يقتضي أيضاً الحديث عن جودة المحتوى الرقمي المقدم. هل راعت المنصات التعليمية فلسفة “التصميم الشامل للتعلم” الذي يراعي أنماط التعلم المختلفة؟ الطالب البصري يختلف عن السمعي، والطالب الذي يتعلم بالممارسة يختلف عن غيره. معظم المحتوى الرقمي الذي قدم كان نسخة رقمية من الكتاب المدرسي، أو فيديوهات تقليدية، مما عزز نمطاً تعليمياً واحداً يتناسب مع فئة محددة من الطلبة، وترك الآخرين يعانون لفهم المادة بطريقة لا تناسبهم. العدالة هنا تعني تعدد طرق تقديم المعلومة، وليس توحيدها.

إن علاج فشل العدالة في التعليم الإلكتروني لا يكون بمزيد من الأجهزة فقط، ولا بمزيد من المنصات الأكثر تطوراً. الحل يبدأ باعتراف الوزارة بأن التعليم الإلكتروني ليس مجرد “حل تقني”، بل هو “قضية اجتماعية” تتطلب مقاربة شاملة. يجب أن تنتقل التدخلات من مرحلة “توفير الخدمة” إلى مرحلة “تمكين الطالب”.

نحتاج إلى سياسات داعمة تأخذ بيد الطالب الضعيف، مثل توفير مراكز تعلم مجتمعية مجهزة في القرى والمخيمات، بحيث تصبح هذه المراكز هي البديل عن البيت غير المؤهل. نحتاج إلى تصميم محتوى رقمي يراعي الفروق الفردية، ويقدم دعماً إضافياً للطلبة المتعثرين، بدلاً من المحتوى الخطي الذي يخاطب الجميع وكأنهم متساوون.

كما أننا بحاجة إلى الانتقال التدريجي من مجرد “التعليم الإلكتروني الطارئ” إلى “التعليم عن بعد” الحقيقي، حيث يتم إعادة تصميم المناهج، وتأهيل المعلمين تأهيلاً مختلفاً، وتطوير أدوات تقييم تتلاءم مع هذا النمط. هذا التحول يتطلب رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وليس مجرد استجابة لأزمات طارئة.


يبقى التعليم الإلكتروني وسيلة مهمة، ولكي يكون عادلاً، يجب أن ينظر إلى الطالب الفلسطيني في سياقه الكامل: سياقه الجغرافي، والاجتماعي، والاقتصادي، والنفسي. فالعدالة التربوية الحقيقية ليست في نقطة البداية (الدخول إلى المنصة)، بل في نقطة الوصول (تحقيق النجاح للجميع). وحتى تنظر وزارتنا إلى هذه التفاصيل الدقيقة، وتميز بين الأداة والفلسفة، سيبقى التعليم الإلكتروني سيفاً يقطع أوصال التكافؤ بدلاً من أن يكون جسراً يصل إلى العدالة.

  • – نسيم قبها – كاتب وباحث – الإئتلاف التربوي الفلسطيني

شاهد أيضاً

الاقتصاد الإسرائيلي يخسر أسبوعياً 2.9 مليار دولار

شفا – قالت وزارة المالية الإسرائيلية، إن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحرب مع إيران قد …