
التعليم لأجل التعافي… حين يصبح التعلم فعلَ صمودٍ في زمن الحرب ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات
في الأزمنة العادية يكون التعليم طريقاً نحو المستقبل، أمّا في زمن الحرب فيغدو جسراً للنجاة النفسية، وخيطاً رفيعاً يصل الحاضر الممزّق بغدٍ لم ينكسر بعد. في فلسطين، حيث يعيش الأطفال تحت وطأة الخوف وعدم الاستقرار، لم يعد التعليم ترفاً معرفياً، بل أصبح ضرورة إنسانية عاجلة؛ ضرورة تحمي العقل من التشظي، والقلب من الغرق في القلق.
الحرب وسلب الإيقاع اليومي للطفل
يعيش الطفل الفلسطيني اليوم حالة استثنائية تختلط فيها أصوات القصف بأصوات الأخبار، وتغيب فيها تفاصيل الحياة اليومية التي تمنحه الإحساس بالأمان. المدرسة، في وعي الطفل، ليست جدراناً وسبورة فحسب؛ إنها مساحة للانتماء، وملاذ اجتماعي، وروتين يومي يمنح حياته معنى وانتظاماً. وعندما تُغلق أبوابها، لا يفقد الطفل درس الرياضيات أو اللغة فقط، بل يفقد جزءاً من توازنه النفسي.
التعرض المستمر للأخبار والصور الصادمة يرهق جهازه العصبي الهش، فتزداد مشاعر القلق، وتتفاقم اضطرابات النوم، ويضعف التركيز، وتظهر سلوكيات انسحابية أو نوبات غضب غير مبررة. في مثل هذا السياق، يصبح التعليم عن بُعد أكثر من بديل تقني؛ إنه تدخل تربوي نفسي يحمي ما تبقى من استقرار الطفل الداخلي.
التعليم عن بُعد: من خيار تقني إلى أداة دعم نفسي
في ظروف الطوارئ، يتحول التعليم الإلكتروني من رفاهية رقمية إلى ضرورة وجودية. فهو يعيد للطفل شعوراً بأن الحياة لم تتوقف، وأن مستقبله ما زال قائماً، وأن هناك نظاماً يومياً يمكن الاعتماد عليه مهما اختلت بقية الأنظمة.
الاستمرارية التعليمية تعني للطفل رسالة صامتة تقول: الحياة أقوى من الظروف.
فعندما يفتح حاسوبه في ساعة محددة، ويلتقي معلمه وزملاءه، ولو عبر شاشة، يستعيد شيئاً من إيقاعه اليومي. هذا الروتين البسيط يعيد تنظيم فوضى المشاعر، ويملأ الفراغ الذهني الذي قد يتحول إلى مساحة خصبة للخوف والتخيلات المقلقة.
التعليم هنا يؤدي أدواراً متعددة:
يعيد الإحساس بالاستقرار.
يقلل مساحة التفكير القهري في الأحداث.
يُبقي الطفل متصلاً بعالم أوسع من دائرة الحرب.
يعزز الأمل بأن الغد ما زال يُكتب.
كيف نحول التعليم عن بُعد إلى مساحة تعافٍ؟
لكي يؤدي التعليم دوره العلاجي، لا بد أن يتحرر من منطق الضغط والإنجاز الكمي. ففي زمن الحرب، لا نحتاج إلى سباق مناهج، بل إلى احتضان إنساني.
أولاً: تعليم مرن لا ضاغط
التركيز ينبغي أن يكون على المهارات الأساسية، لا على تراكم المعلومات. تقليل الواجبات الثقيلة، واعتماد دروس قصيرة واضحة، يمنح الطفل فرصة للتعلم دون إنهاك.
ثانياً: تعلم تفاعلي داعم نفسياً
الحصة الافتراضية يجب أن تكون مساحة حوار، لا منصة تلقين. يمكن توظيف القصة، والرسم، والألعاب التعليمية، والسماح للأطفال بالتعبير عن مشاعرهم. أحياناً يكون سؤال بسيط في بداية الحصة: كيف تشعر اليوم؟ أقوى أثراً من أي شرح مطوّل.
ثالثاً : بيئة منزلية آمنة للتعلم
زاوية هادئة، وقت ثابت، وكلمات تشجيع بدل عبارات توبيخ. الطفل في الأزمات يحتاج إلى طمأنينة أكثر من حاجته إلى درجات مرتفعة.
حماية الطفل من طوفان الأخبار
في عصر الشاشات، يتعرض الأطفال لكمّ من الأخبار يفوق قدرتهم النفسية على الاحتمال. وهنا يمكن للتعليم أن يؤدي دور “الحاجز الواقي” الذي ينظم وقت الطفل ويحوّل انتباهه من الخوف إلى الإنجاز.
من المهم أن يتبنى الأهل ممارسات بسيطة لكنها عميقة الأثر:
عدم تشغيل نشرات الأخبار بشكل دائم أمام الأطفال.
الإجابة عن أسئلتهم بصدق دون تفاصيل مرعبة.
استبدال المتابعة المستمرة للأحداث بأنشطة تعليمية أو إبداعية.
تخصيص ساعات “خالية من الأخبار”داخل المنزل.
عقل الطفل عندما ينشغل بالتعلم، يقل انشغاله بالخوف. فالانتباه طاقة محدودة؛ إن لم نوجهها نحو البناء، ستتجه تلقائياً نحو القلق.
المعلم… صانع الطمأنينة
في التعليم عن بُعد خلال الأزمات، يؤدي المعلم دوراً مضاعفاً. هو ليس ناقل معرفة فحسب، بل داعم نفسي، ومصدر استقرار، ونموذج للصمود.
كلمة تشجيع صادقة، وتقبل ضعف التركيز، وإتاحة مساحة للحديث، كلها ممارسات تصنع فارقاً عميقاً في وجدان الطفل.
المعلم الذي يبدأ حصته بالاطمئنان على مشاعر طلبته، ويراعي ظروفهم، ويرسل رسائل أمل غير مباشرة، يزرع فيهم ما هو أبقى من المعلومات: يزرع الثقة بقدرتهم على تجاوز المحن.
الأسرة… الشريك الحاسم
نجاح التعليم عن بُعد في زمن الحرب يعتمد على الأسرة بقدر اعتماده على المدرسة. فالبيت هو الحاضنة الأولى، والمناخ العاطفي داخله ينعكس مباشرة على قدرة الطفل على التعلم.
الأهل مدعوون إلى:
تجنب تحويل الدراسة إلى ساحة صراع يومي.
دعم الطفل عاطفياً قبل مطالبته بالإنجاز الأكاديمي.
تنظيم الوقت بين التعلم واللعب والراحة.
ملاحظة أي تغيرات نفسية تحتاج إلى احتواء.
فالطفل في الأزمات يتعلم من مشاعر أهله أكثر مما يتعلم من الكتب. إذا رأى الطمأنينة في أعينهم، استعاد شيئاً من أمانه الداخلي.
التحديات… وإرادة التجاوز
لا يمكن إغفال التحديات الواقعية في فلسطين: انقطاع الكهرباء، ضعف الإنترنت، محدودية الأجهزة، والإرهاق الرقمي. غير أن الحلول ممكنة وإن كانت جزئية: تسجيل الدروس بدل الاعتماد الكامل على البث المباشر، استخدام أنشطة غير رقمية داعمة، واعتماد التعلم المرن وفق ظروف كل أسرة.
المطلوب ليس نموذجاً مثالياً، بل نموذجاً إنسانياً مرناً يحافظ على الحد الأدنى من الاستمرارية.
التعليم لبناء الصمود
في النهاية، التعليم في زمن الحرب ليس مجرد تحصيل دراسي؛ إنه تدريب عملي على الصمود. يمكن استثماره لتعزيز الأمل، وتنمية مهارات التكيف، وتعليم الأطفال التعبير عن مشاعرهم، وبناء الثقة بقدرتهم على تجاوز الأزمات.
هنا يتحول التعليم من استعداد لامتحان إلى استعداد للحياة.
في أوقات الحرب نحاول حماية أطفالنا من الخوف، لكن التعليم يمنحهم شيئاً أعمق؛ يمنحهم شعوراً بأن الغد ما زال ممكناً. كل درس يتعلمه الطفل اليوم هو حجر صغير في بناء مستقبله، ورسالة صمود تقول إن الحياة، مهما اشتدّت العواصف، قادرة على أن تستمر… وأن تُعلِّم.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .