2:48 مساءً / 24 فبراير، 2026
آخر الاخبار

دعهم… فلسفة القوة الهادئة ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

دعهم… فلسفة القوة الهادئة

دعهم… فلسفة القوة الهادئة ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

قرأتُ ذات مرة عبارةً قصيرة باللغة الإنجليزية: “Let them” كلمتان فقط، لكنهما تحملان من الحكمة ما لا تحمله كتبٌ كاملة. معناها البسيط: دعهم. دعهم يذهبون، دعهم يختارون، دعهم يظنون، دعهم يخطئون في حقك إن شاؤوا… لأن السلام الحقيقي يبدأ حين تتوقف عن مطاردة ما لا يريد البقاء.

نقضي أعمارنا أحياناً ونحن نركض خلف الآخرين كما يركض الظل خلف الضوء، نظن أن الإقناع انتصار، وأن التبرير دليل محبة، وأن إثبات الذات واجب دائم. لكن الحقيقة الصادمة التي لا نتعلمها إلا متأخرين هي أن القلب الذي يريدك لا يحتاج إلى شرح، والعين التي تحبك ترى عذرك قبل أن تنطق به.

دعهم… لأن الكرامة ليست معركة.

ليس من واجبك أن تقف كل يوم على منصة الدفاع لتشرح نواياك، ولا أن تفتح قلبك كملف تحقيق لكل من شكّ بك. فالعلاقات التي تحتاج إلى محامٍ دائم ليست علاقات، بل ساحات استنزاف. الإنسان الذي يقدّرك يقرأ صمتك كما تُقرأ القصائد، ويفهم تعبك كما تفهم الأم بكاء طفلها قبل أن يتكلم.

أما من يبحث عن أخطائك بعدسة مكبّرة، فلن تقنعه ولو كتبت الحقيقة على ضوء الشمس.

دعهم… فالبعض لا يخسرك، بل يكشف نفسه.

حين يرحل شخص لأنك لم تكن كما أراد، فهو لم يغادر حياتك فقط، بل أزاح عنك عبء التمثيل. كم هو مرهق أن تعيش نسخةً معدّلة من نفسك فقط لتناسب توقعات الآخرين! كالشجرة التي تحاول الانحناء لكل ريح، تنتهي مكسورة الجذع بلا ظل.

دعهم يرحلون، لأن الرحيل أحياناً ليس خسارة، بل عملية فرز هادئة يقوم بها الزمن نيابةً عنك.

فالذي يريدك حقاً لا يتركك عند أول سوء فهم، ولا يختفي عند أول عاصفة. بل يقف إلى جوارك كجدارٍ قديمٍ يعرف اتجاه الرياح ويحميك منها دون ضجيج.

دعهم… لأن السعي وراء القبول عطش لا ينتهي.

أخطر ما قد يفعله الإنسان بنفسه أن يجعل قيمته رهينة نظرة الآخرين. حينها يصبح كمن يحمل مرآةً مكسورة يسألها كل صباح: هل أنا كافٍ؟

الحقيقة أنك كافٍ منذ البداية. لكن البعض لا يرى الذهب إلا حين يفقده، ولا يعرف قيمة الحضور إلا بعد الغياب. لذلك، لا تستهلك روحك في محاولة إقناع من قرر ألا يفهمك.

فالبحر لا يشرح عمقه لمن يخاف السباحة.

دعهم… فالحب الحقيقي لا يحتاج مطاردة.

الذي يريدك يلتمس لك الأعذار حتى في غيابك، ويصون صورتك حين لا تكون حاضراً للدفاع عن نفسك. أما الذي ينتظر زلتك، فهو لم يكن معك يوماً؛ كان فقط ينتظر سبباً أنيقاً للرحيل.

دعهم يبتعدون، لأن بعض الأبواب لا تُغلق لتؤلمك، بل لتمنع العواصف من الدخول.

دعهم… واختر نفسك.

اختيارك لنفسك ليس أنانية، بل نجاة. أن تتوقف عن الشرح الطويل، عن الركض المرهق، عن محاولة إنقاذ علاقات لا تريد أن تُنقذ. أن تفهم أن السلام ليس في أن يحبك الجميع، بل في أن لا تضطر لتغيير حقيقتك كي يبقى أحد.

عندما تقول في داخلك: “Let them” فأنت لا تستسلم، بل تتحرر. تتحرر من الحاجة الدائمة للقبول، من الخوف من الفقد، من وهم أن وجودك يعتمد على بقاء الآخرين.

وحين تصل إلى هذه المرحلة، ستدرك سراً بسيطاً وعظيماً:

من أرادك… بقي.
ومن بقي مجاملةً… سيرحل عاجلاً أو آجلاً.
ومن رحل… كان الطريق يخفّ بك بعده، لا يثقل.

لذلك، دعهم.

دعهم يذهبون حيث يريدون،
ودع نفسك تمضي حيث تستحق.

فأجمل ما قد يربحه الإنسان في حياته ليس أن يحتفظ بالجميع…
بل أن يحتفظ بنفسه.

شاهد أيضاً

محافظ جنين كمال أبو الرب يستقبل مدير المجلس الأعلى للشباب والرياضة محمد صباح

محافظ جنين كمال أبو الرب يستقبل مدير المجلس الأعلى للشباب والرياضة محمد صباح

شفا – استقبل محافظ جنين أ. كمال أبو الرب ، اليوم الثلاثاء ، في دار …