
حين كانت جباليا تقرأ… كامل عبد ربه حارس الوعي في المخيم ، بقلم : سامي إبراهيم فودة
قبل أن يدخل الاحتلال إلى مخيم جباليا عام 1967، وقبل أن تتكدّس فوق الذاكرة طبقات الحصار والحروب، كان في المخيم رجلٌ يفتح نافذةً كل صباح على العالم. اسمه المرحوم كامل عبد ربه… صاحب أول مكتبة لبيع الصحف والمجلات والكتب في جباليا.
لم تكن مكتبته مجرد محلٍ صغير في زقاقٍ من أزقة المخيم، بل كانت منارة.
كان اللاجئون الذين خرجوا من بيوتهم عام 1948 يحملون مفاتيحهم في الجيوب، ويحملون الحنين في القلوب… لكن كامل عبد ربه قرر أن يمنحهم شيئًا آخر: المعرفة.
في مكتبته كانت الصحف اليومية المصرية تصل تباعًا، وكانت المجلات الثقافية تعبر الحدود لتستقر بين أيدي أبناء المخيم، وفي مقدمتها مجلة العربي، إلى جانب الروايات العالمية وقصص المغامرات، ومنها حكايات اللص الظريف أرسين لوبين التي كانت تأسر عقول الصغار والكبار معًا.
لكن أكثر ما كان يلهب حماسة جيلنا، تلك الكتب الخاصة بالمسابقات…
دفاتر أنيقة، صفحاتها تنتظر الصور، وكان علينا أن نجمع القصاصات والصور ونلصقها بأنفسنا، ثم نعيدها في موعدٍ محدد للمشاركة في المسابقة. كانت هناك مسابقة كأس العالم التي كنا نتابعها بشغف، ومسابقة عالم الحيوانات التي فتحت أمامنا أبواب البراري والبحار، وأخرى عن عالم الفضاء حيث كنا نحلم بالكواكب والمجرّات.
كان المخيم يتحول إلى خلية نحل.
الأطفال والشباب يتبادلون الصور المكررة، يفاوضون بعضهم على صورة لاعبٍ أو حيوانٍ نادر، ويهرعون إلى مكتبة كامل عبد ربه كلما وصلت دفعة جديدة. كان الإقبال شديدًا، والفرح أكبر من حجم الجوائز. لم تكن المسابقة مجرد لعبة، بل كانت درسًا في الشغف والتنظيم والصبر.
أما أنا، ففي الصف الأول والثاني والثالث الإعدادي، كنت من الزبائن الدائمين. كنت أشتري مجلات آخر ساعة، والكواكب، والنجوم، وأقتني جريدة الكورة بشغف عاشقٍ لكرة القدم المصرية، أتابع أخبار الأهلي والزمالك، وأنتظر بوسترات الفريقين لأحتفظ بها كما يحتفظ المرء بكنزٍ صغير.
كنت أعلّق صور النادي الأهلي ونادي الزمالك في غرفتي، وأحفظ أسماء اللاعبين كما نحفظ أسماء أبطال الحكايات. كانت تلك الأيام بسيطة… لكنها ممتلئة بالحياة.
كامل عبد ربه لم يكن يبيع ورقًا فحسب.
كان يصنع طقوسًا جماعية للفرح.
كان يمنح المخيم فرصةً ليحلم خارج حدوده الضيقة، ليعيش كأس العالم وهو لم يغادر أزقته، وليجوب الغابات والمجرّات من فوق صفحاتٍ ملوّنة.
رحل الرجل، وبقيت الذكرى.
بقيت صورة طفلٍ يحمل مجلةً جديدة، وقلبه يخفق فرحًا بصورةٍ نادرة حصل عليها بعد بحثٍ طويل. بقيت رائحة الورق، وصوت الصفحات، وضحكة البنات وهنّ يرتبن الأعداد الجديدة.
تلك لم تكن مجرد تجارة…
كانت صناعة وعيٍ وذكريات.
رحم الله كامل عبد ربه رحمة واسعة، وجعل مكتبته الصغيرة صدقةً جاريةً في ميزان حسناته. فقد علّمنا، دون أن يقول كلمةً واحدة، أن القراءة حياة، وأن المخيم يستطيع أن يكون وطنًا للمعرفة كما هو وطنٌ للوجع.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .