
حين تُسرق لقمة الخيمة… صرخة الجوع في وجه المحسوبية ، بقلم : سامي إبراهيم فودة
في شهرٍ يُفترض أن تتسابق فيه الأيادي إلى موائد الرحمة، يقف النازحون في خيامهم يتساءلون: أين ذهب الذين وعدوا؟ أين الجمعيات؟ أين المؤسسات؟
أين الوجبات التي كانت تصل مع الأذان فتخفّف وطأة الجوع وتمنح الخيمة شيئًا من الطمأنينة؟
لليوم الثاني على التوالي، تمرّ لحظات الإفطار ثقيلةً على آلاف العائلات في مخيمات النزوح. أمهات يحدّقن في قدورٍ فارغة، وأطفال يراقبون الطريق علّ سيارة إغاثة تتوقّف، وشيوخ يتكئون على صبرٍ استنزفته الأيام. الجوع هنا ليس مجازًا بل واقعًا يُقرع الأمعاء قرعًا، والانتظار صار وجبةً يومية تُقدّم بدل الطعام.
تُطرح الأسئلة بصوتٍ عالٍ:
هل توقفت المبادرات؟
هل أُغلقت المطابخ؟
أين دور إدارات مراكز الإيواء؟
وهل تُحضَّر الوجبات فعلًا ثم تُرحَّل إلى جهاتٍ أخرى؟
تتردّد روايات في أزقة المخيمات تقول إن وجبات الإفطار تُحوَّل إلى المخيمات الرسمية حيث يقيم البعض في بيوتٍ ثابتة، بينما تُترك الخيام التي تئنّ تحت الريح بلا نصيبٍ عادل. ويقال إن هناك مطبخًا فرعيًا في المنطقة الوسطى، لكن التوزيع — كما يشكو الناس — لا يخضع لمعيار الحاجة، بل لمعيار المعرفة، والمحسوبية، والواسطة.
العدالة في زمن النزوح ليست ترفًا تنظيميًا، بل حقًّا أخلاقيًا. حين تقف عشرات النساء لساعاتٍ طويلة تحت الشمس أو البرد، يحملن أطفالهن، ينتظرن لفّة سلفان من الأرز باللحم، ثم يعدن بخيبةٍ أكبر من جوعهن، فهذه ليست أزمة لوجستية عابرة؛ إنها أزمة ضمير.
لا يمكن لأي مؤسسة — مهما كان اسمها أو حجمها — أن تبني سمعتها على صور التوزيع إن كان خلف الكواليس اختلالٌ في العدالة. العمل الإغاثي ليس إعلانًا موسميًا، بل مسؤولية يومية أمام الله والناس. وكل وجبةٍ لا تصل إلى مستحقّها هي سؤالٌ معلّق في عنق من كان قادرًا على إيصالها.
النازح في الخيمة لا يطلب رفاهية، ولا ينتظر وليمةً عامرة؛ يريد فقط حقّه في الحدّ الأدنى من الكرامة. يريد أن يشعر أن هناك من يراه لا من يتجاوزه، من يسمع صوته لا من يصمّ أذنيه بحججٍ إدارية.
إن كانت هناك عراقيل، فلتُعلَن بشفافية.
وإن كانت هناك أخطاء، فلتُصحَّح بعدل.
وإن كان هناك تقصير، فليُعترف به بدل دفنه تحت عناوين عامة.
المخيمات ليست أرقامًا في تقارير، بل أرواحًا حيّة تتنفس القهر كل مساء. والعدالة في توزيع الطعام ليست مسألة تنظيمية فحسب، بل امتحان أخلاقي حقيقي لكل من يحمل صفة العمل الإنساني.
في الخيام اليوم، الجوع أعلى صوتًا من الخطب، والانتظار أطول من الصفوف، والناس يسألون — بمرارةٍ لا تخطئها العين —
أين الرحمة؟
وأين العدل؟
وأين الذين قالوا إنهم هنا من أجلنا؟
إن لم تُصن موائد الإغاثة من الفوضى والمحسوبية، فإنها تتحوّل من جسور نجاة إلى خناجر في خاصرة العدالة. والنازح الذي صبر على القصف، لا ينبغي أن يُضاف إلى معاناته قهرُ الحرمان من لقمةٍ كُتبت باسمه ثم لم تصل إليه.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .