4:52 مساءً / 22 فبراير، 2026
آخر الاخبار

البناء السردي وإشكالية الأيديولوجيا في رواية نسيم قبها ” جنين في جنين ” ، بقلم : د. ليندا عبيد

البناء السردي وإشكالية الأيديولوجيا في رواية نسيم قبها ” جنين في جنين ” ، بقلم : د. ليندا عبيد


تتفتح رواية ‘جنين في جنين’ للكاتب نسيم قبها ضمن بناء سردي متين محكم يطل على فضاء سردي مشبع بالرمزية منذ عتبة العنوان؛ وهي مدعاة للتأمل في صراع الإنسان في فضائه الضيق مع العدو الطارئ الذي يهدد أمكنته ، و وهي صراع ضد النسيان ، وتأمل في إشكالية الكون والوجود؛ فالرواية ليست مجرد وصف جغرافي للمكان، بل هي استنطاق لروح المكان الذي تحول في المخيال الشعبي والأدبي إلى أيقونة للصمود، فالمكان الفلسطيني المحتل يحمل خصوصية تتأتى من كونه هوية وكينونة ومركزا للصراع، ينسج قبها خيوط حكايته ، حكاية الإنسان والمكان في زمن التوحش الرأسمالي والتطرف الديني والاستعماري ضمن صورة متطرفة للذبح والتنكيل والموت والتشوه والاستلاب، ببراعة تمزج بين التوثيق التاريخي والخيال الروائي، محاولة لرصد التحولات السوسيولوجية والنفسية للإنسان الفلسطيني الذي يرفض أن يكون منسيا تحت وطأة الحصار والاجتياح.

إننا أمام نص لا يكتفي بنقل الحدث، بل يعيد إنتاجه جمالياً ليجعل من ‘جنين’ حالة ذهنية ووجودية تتجاوز حدود الجدار والأسلاك الشائكة، بل ورمزا لوطن وولادة ، مما يضع الناقد أمام مسؤولية تفكيك هذه العلاقة الجدلية بين النص والواقع، فالمقاومة في هذه الرواية هي أسطورة ، يقول : ” المفارقة العظيمة أن هذا لايقل من فعل مقاومتهم بل يرفعها إلى مقام الأسطورة لأنهم يرفضون أن يكونوا مجرد غبار كوني عابر..على أن يكون وجودهم قولا في وجه الصمت الكوني ” ص109


لا تكتفي رواية ‘جنين في جنين’ للأديب نسيم قبها بكونها سرداً لحدثٍ عابر، بل تبرز بوصفها وثيقةً جماليةً وانعكاساً حياً لـ ‘أدب المقاومة’ يشي بصوره وتجلياته. فبينما كان أدب المقاومة الكلاسيكي يركز على التبشير بالثورة، تأتي هذه الرواية لتوثق مرحلة ما بعد الانتفاضة الثانية وما تلاها من اجتياحات، محاولةً لإعادة صياغة الوجدان الفلسطيني بلسان أصحابه.

إنها تسعى للانتقال من ‘الرواية الكبرى’ للقضية إلى ‘الروايات الصغرى’ المتمثلة في تفاصيل الصمود اليومي داخل المخيم، عل ألسنة الشخوص وشهود العيان ، وعين الراوي العليم المتتبع الخبيرة، محولةً المكان من حيز جغرافي محاصر إلى فضاءٍ رمزي للولادة المتجددة.

العنوان


يأتي العنوان ‘جنين في جنين’ ليمارس لعبة المرايا السردية، حيث تتضاعف الدلالة داخل اللفظ الواحد لتخلق حالة من الاندماج بين الرمز والواقع. فكلمة ‘جنين’ الأولى تحيلنا إلى الكينونة في طور التكوين، بكل ما تحمله من ضعف يحتاج الحماية وإمكانية واعدة بالولادة، بينما تمثل ‘جنين’ الثانية الحيز الجغرافي والمكاني (المدينة والمخيم) الذي يحتضن هذه الكينونة. إن هذا التكرار ليس مجرد تلاعب لفظي، بل هو إشارة لعمق الانغراس في الأرض؛ فالإنسان في الرواية يولد من رحم المعاناة داخل رحم المكان، في علاقة عضوية تجعل من المدينة أماً رؤوماً ومختبراً للهوية. وبذلك، يحول قبها العنوان من مجرد اسم علم إلى استعارة كبرى تلخص جدلية البقاء؛ إذ يبدو الفلسطيني داخل المكان دائم التجدد، عصيٍّ على الإجهاض أو المحو، ومستعدا دوماً لاقتحام الحياة لينبت من جديد كما سيطل لاحقا من أحداث الرواية

الإهداء


يتجاوز الإهداء في رواية ‘جنين في جنين’ كونه عتبة نصية عابرة، ليصبح بياناً وجودياً يؤطر فلسفة العمل بالكامل؛ فمن خلال الاتكاء على ثنائيات (النور/ الظلام) و(الركام/ البناء)، يعلن نسيم قبها انحيازه المطلق لـ ‘إرادة الحياة’ في مواجهة آلة المحو.، فالمحبة مقابل الحقد ، والحياة مقابل الدبابة والغائب مقابل الحاضر ، والعطاء والبناء مقابل الركام والخراب ، والموت أو الشهادة تقابله الصيرورة والولادات الجديدة. ولعل قولها للرواية إنها ذاكرة حية لا تموت يمنح النص صبغة ‘المقاومة بالجمال’، إذ تصبح الكتابة لديه فعلاً ترميمياً للروح التي أتعبها الحقد، وتأكيداً على أن الحب والبناء هما الرد الحقيقي والنهائي على الدمار، مما يضع القارئ منذ اللحظة الأولى أمام سردية لا تكتفي برصد الوجع، بل تبشر بالفجر الآتي عبر امتداد الأجيال.


يقول : إلى كل شمعة تضيء في ظلام العالم / وإلى كل يد تبني بين الركام / وإلى كل قلب يحمل ذاكرة لا تموت/ إلى كل من رحلوا وهم يحلمون بفجر آت وإلى من سيأتون ليكملوا المسيرة/ هذه ليست مجرد كلما على ورق / هي ذاكرة حية لا تموت/ لأن الحياة أقوى من كل دبابة “

أولا : الفضاء المكاني:


تعمد رواية ‘جنين في جنين’ إلى إعادة تشكيل الفضاء المكاني وتجريده من طابعه الإسمنتي الجامد لتحيله إلى فضاء ألفة وفق باشلار في كتابه جماليات المكان” فالمخيم في نص نسيم قبها ليس فضاء معاديا رغم ما به من شقاء، وليس مجرد أزقة ضيقة ومنازل متلاصقة، بل هو رحمٌ معنوي يحتمي به الفلسطيني من وجه الزمن المعادي الذي يحاول اقتلاعه. يتجلى هذا الفضاء كدرعٍ وجداني يعيد صياغة علاقة الشتات بالأرض، حيث تتحول جدران المخيم إلى صفحات مفتوحة تدوّن عليها الشخصيات تاريخها الخاص.

يقول ” في الزوايا الضيقة بين البيوت المكتظة كانت تتراكم ذكريات الأمس مثل أوراق الخريف..كل ورقة تحمل قصة حزن أو فرح ” ص7 ويقول ” الحجارة هنا تتذكر أكثر من غيرها ، والجدران خزنت في مسامها همسات ثمانية عقود” ص7 وبدلاً من الاعتماد على التأريخ الرسمي والجاف، يمنح الكاتب السيادة السردية للشخصيات لتقوم بتأريخ الأحداث بلسانها، محولةً الذاكرة الفردية إلى ذاكرة جمعية نابضة. وبذلك، يصبح المكان وسيلة للمقاومة الوجودية؛ فكل زاوية في المخيم هي شاهد إثبات على البقاء، وكل حجر يروي حكاية صمود تتحدى محاولات المحو والنسيان التي يفرضها الواقع الخارجي المعادي


فالمخيم فضاء ألفة” المخيم لم يكن مجموعة من البيوت المتلاصقة، كان كائنا حيا يتنفس، يفرح ، يحزن، يقاوم ، كان نسيجا بشريا مطرزا بالقصص والحكايات ..لكنهم مجتمعون يشكلون لوحة الصمود”ص17


وفي الأمطنة المغلقة التي تنفرد بها الذوات مع نفسها أكثر ، وتبدو أكثر قربا من جوانيتها وذاكرتها تستحيل التفاصيل الصغيرة إلى ذاكرة وحياة ساهم في تشكيل المكان نفسيا ،


” في المطبخ تعد القهوة على موقد الغاز، رائحة الهيل نفوح في المكان فتنقلها إلى ذكريات بعيدة : أمي تعلمني سر القهوة. القهوة يا ملك مثل حياتنا مرة لكنها تنعش القلب” ص17 . ويمثل المكان الضيق في المستودع وقت الاجتياح والحصار فضاء مغلقا ضيقا تقترب به الشخوص من بعضها في فضاء الوجع والمحنة ، وتطل الحكايات وتتوالى على مائدة الطبق الواحد والذاكرة الواحة والقلق. ص77

ويطل المكان في رواية نسيم مفعما بالحيوية والحياة دافقا بالناس الذين يشكلون فعل المقاومة والاستمرارية في وجه آلة القتل الصهيونية :”في الشارع كان الأطفال يلعبون كرة قدم بأحذية من البالة، فالطفل هنا لا يستطيع أن يكون طفلا بالكامل لأن الطفولة رفاهية لا يسمح بها في هذا السياق…كانت عيونهم التي تتابع الخطر بينما يلعبون تمثل انقساما وجوديا جزء منهم في الحاضر البريء وجزء منهم في المستقبل المخيف” ص21 فتصوير المكان عند نسيم قبها يعري الواقع بما به من انئزامات و انكسارات ، ويقدم الوجع في أصعب صوره المطلة من تفاصيل المكان.
ويشكل حي الجابريات النافذة المطلة على المخيم ، والمرحلة الثانية للنزوح بعد النزوح في مساحات ضيقة لا تتسع للناس “لم يكن بيت عمر في حي الجابريات يتسع لاستقبال خمسة أشخاص إضافيين الشقة المتواضعة المكونة من غرفتين وصالة ” ص41


لعل هذه الفضاءات مجتمعة تشكل صورة لقدر الفلسطيني في أزمته مع الفناء والمكان بوصف فضائه الأول قد تم انتزاعه منه ، فكل ما يصدر منه سيكون محاولات وصور ا متعددة لاسترجاعه ، “كانت تشعر بأن الشقة الضيقة ليست منفى بل هي بيضة جديدة القشرة الخارجية قاسية ضيقة لكن بداخلها تتحرك حياة تبحث عن التشقق والخروج ” ص45 ومن هنا فقد كان المكان الضيق دافعا لإعادة الزرع والبناء بعد الدمار.


بل وتصير الأمكنة الأخرى صورة للمخيم الذي تلتصق به الشخوص بوصفها فضاءا لمعاناة المؤقت للرجوع إلى البلاد:” اكتشف أنه كان يحمل المخيم في دمه وأن المدينة امتداد جغرافي واجتماعي وعضوي للمخيم” ص45
ويؤرخ الفضاء المكاني لصورة الدمار والخراب والقتل بعد الاجتياح ” خربوا كل شيء ، المحلات ، المولدات الكهربائية ، حتى خزانات المياه على السطوح”ص47 ويقول ” الليلة الثانية في الشقة كانت أكثر قسوة من الأمس ، الظلام دامس ، والبرد يتسلل من النوافذ” ص51


والمكان النفسي دافق بالخوف والحزن ” كانت الدبابات تنتقل من الأؤض إلى الأقدام فتصعد إلى القلوب..حتى الأثاث في الشقة كان يهتز، تبادل الأفراد النظرات التي تحمل ذاكرة جماعية من الرعب “ص59 “


يستحيل المكان المعادي في هذ الرواية إلى مكان ألفة ، إذ يندغم به الجميع في قلب واحد ، وحينما تطل منه تفاصيل الحياة من شرفة الموت ، فالقبر مثلا فضاء معاد صار بوصلة تتوجه إليه الشخوص ، ويبدو ومحملا بتفاصيل الفلسطيني “”كان القبر مثل حياة فتحي ، حجر أساسي وشجرة زيون وزهور برية” ص 120


إن المكان في هذه الرواية يربط الحاضر بالماضي ، ويوقظ فجيعة النزوح لدى الفلسطيني” عندما خرجوا إلى الشارع كان المشهد أشبه بيوم القيامة، العائلات تتدفق من كل البيوت، تحمل أمتع والأطفال مرعوبون ” ص66 فالتاريخ يعيد نفسه ” ” كان المشهد يذكر فتحي برحلات النكبة التي سمع عنها من أهله ..كان التاريخ يعيد نفسه ” ص67

وفي آخر الرواية يتحول فضاء المعاناة المعادي إلى فعل مقاومة ،” بدأ المخزن يصبح مركزا لمقاومة سلمية ” ص93 ويتحول إلى مدرسة تلقن دروس الحياة التي شكلت هوية الفلسطيني ومعاناته” لم يعد المخزن مجرد ملجأ للسلامة بل أصبح مدرسة تعلم الإنسان كيف يبقى إنسانا في وجه الوحشية ” ص94
ثانيا : الزمن
يعتبر الزمن في رواية “جنين في جنين” المحرك الأساسي للصراع، إذ لا يسير في خط مستقيم، بل يتشظى ليعكس حالة الترقب والمقاومة. فالرواية تشتبك مع الزمن بوصفه عدواً يحاول فرض الهزيمة، وذاكرةً تحاول صياغة النصر. وتتحرك الرواية في بنية زمنية مركبة تتجاوز السرد التتابعي الرتيب، لتعكس حالة”التشظي الوجودي للنازح المحاصر المستلب المأسور،” كل خط زمني يشير إلى زلزال عاطفي أو هزة وجودية” ص9


تتشكل بنية الزمن في رواية “جنين في جنين” عبر صراعٍ درامي بين زمنين متوازيين؛ الزمن الخارجي (التاريخي) الذي يفرضه المحتل عبر إيقاع الرصاص، وساعات حظر التجوال، ولحظات الاجتياح الخاطفة، وهو زمنٌ يتسم بالعنف والعدائية، حيث يحاول كسر إرادة الإنسان بتسارعه القهري. وفي المقابل، يبرز الزمن الداخلي (النفسي) بوصفه فضاءٍ بديلا تتحصن فيه الشخصيات؛ ففي ذروة الحصار، تتمدد الثواني لتصبح دهوراً من التأمل والصمود، إذ ينسحب الأبطال إلى عوالمهم الجوانية لترميم شتات أنفسهم. إن هذا الانفصال الزمني يجعل من الزمن الداخلي ملاذاً للحرية ومساحةً للمقاومة، إذ يفشل الزمن الخارجي المدجج بالسلاح في اختراق هدوء الذات الواثقة، مما يخلق توازناً وجودياً بين واقعٍ محاصر وروحٍ منطلقة.


يوظف نسيم قبها التقنيات الزمنية من مثل الحذف والقطع والخلاصة والتشظي الزمني عبر تقنيتي الاسترجاع والاستباق ليس بوصفها حيلا وتقنيات سردية، بل بوصفها أدواتٍ استراتيجية لإعادة صياغة الحكاية؛ فـالاسترجاع هنا هو فعلُ مقاومةٍ ضد المحو، إذ تعود الذاكرة بوعيٍ حاد إلى جذور ما قبل اللجوء، لتربط “جنين” الحالية بالعمق التاريخي لفلسطين، مما يمنح الصمود الحالي شرعيةً مستمدة من عبق الماضي، ” كانت عملية الاسترجاع تمثل مقاومة أخيرة للذاكرة ضد محوها” ص25 ومن أمثلته ،” ” تذكر فتحي كيف رقص ع ملك في حفل زفاف، كانت الموسيقى تعزف من راديو بحجم الطاولة …” ص28 أما الاستباق، فيتجلى في الرؤى والنبوءات والأحلام التي تطل بها الشخصيات نحو غدٍ مأمول، وهو تكنيك فني يكسر حدة الهزيمة الآنية ويفتح أفقاً للتفاؤل. بهذا الترابط بين الذاكرة المسترجعة والحلم المستبق، يؤكد قبها أن المعركة ليست آنية فحسب، بل هي صراعٌ ممتد يشير بوضوح إلى أن “الجنين” الرمزي سيكتمل نموه حتماً، متجاوزاً عثرات اللحظة الراهنة نحو فضاء الحرية


إن هذه الرواية تنهض الرواية بمهمة التأريخ الشعبي عبر ذاكرة الأفراد في مواجهة السرديات الكبرى؛ فهي لا تقارب الهزيمة بوصفها نهاية للتاريخ، بل بوصفها محطة في سياق الصيرورة الفلسطينية. عبر منح “السيادة السردية” للشخصيات الهامشية لتروي حكايتها بلسانها، يفلح قبها في تحويل الذاكرة الفردية إلى ذاكرة جمعية. إن هذا التوثيق الأدبي لا يكتفي برصد الوقائع، بل يغوص في سيكيولوجيا الصمود ومفهوم المقاومة محولاً الانكسارات العسكرية إلى انتصارات أخلاقية وجمالية، حيث يغدو النص ذاته “جنيناً” معرفياً يحمل جينات البقاء وينتصر على محاولات التغييب والنسيان

شعرية الحواس: سيمفونية الصوت وذاكرة الرائحة


تتجاوز الرواية حدود السرد البصري لتشتبك مع الواقع عبر تراسل الحواس، إذ يبرز الفضاء الصوتي بوصفه أداة لرصد التحولات الدرامية بين السكينة والانفجار. يتكئ نسيم قبها على بنية صوتية مشحونة بالتضاد؛ فبينما يمثل وقع الأقدام وأصوات “لعب وشغب” الأطفال نبض الحياة الطبيعية وفطرة المكان، يهيمن صمت عضوي نابع من ذاكرة الجماد ، فالحجارة تتذكر أكثر مما تنسى ” هذا الصمت أشبه بحجرة كبيرة من البلور الشفاف تحيط بالمخيم ” ص 7، وبالمقابل تأتي أصوات “القنابل” وهدير الآليات لتشكل صدمة صوتية تمثل “الزمن المعادي”. إن هذا الضجيج الحربي لا ينجح في كتم أنفاس المخيم، بل يستحيل في النص إلى محفز لاستعادة الأصوات الأليفة، حيث يصبح صوت الجار، ونداءات الباعة، وحتى همس المقاومين، بمثابة ذاكرة صوتية تحتشد بها الحواس لتؤكد سيادة أصحاب الأرض على فضائهم السمعي، وتؤرخ للحظة المواجهة بوصفها صراعاً بين لغة الحياة وصخب الفناء.


وعلى ضفة أخرى، تبرز الرائحة في النص بوصفها ذاكرة المكان الجمعية ، والوسيلة الأكثر نفاذاً في استحضار الذاكرة وتثبيت الهوية. ينسج قبها شبكة شمّية تعيد تعريف الانتماء؛ فامتزاج “رائحة الأرض” المبللة بعبق “القهوة والهيل” يمثل فضاء الألفة والاستقرار الوجدي، وهو المعادل الموضوعي للبيت والجذور. ” راائحة الزيتون والتراب الرطب وخبز الطابون الممزوجة برائحة الحزن القديم ودخان السيارات القديمة كانت هذه الروائح تشكل سيمفونية من الذكريات”ص9 فالروائح تفتح باب الذاكرة ، فرائحة التراب الرطب تذكره بالمطر في البلاد، ورائحة الخبز ترده لصور النساء يعجن الطحين كما يعجن الكرامة ، إذ تشكل هذه الروائح جغرافيا عاطفية للمكان حيث لكل رائحة إحداثياتها في ذاكرة القلب.

فرائحة الهيل تفوح في المكا فتنقلها لذكريات بعيدة،” كانت رائحة الهيل تشبه عطر الكرامة وتذكر الجميع أن الحياة لاتزال حلوة رغم المرارة ” ص18 وتنضاف إليها روائح أخرى تطل من زاويتين مختلفتين، كما يطلان من الذاكرة والحاضر ،”كانت رائحة الزيتون تملأ الشقة ، رائحة تذكرهم بالأرض والبساتين والحصاد لكنها اليوم تحمل نكهة مرارة ” ص46
لكن هذه الروائح لا تلبث أن تشتبك برائحة “الدم” الزكية والمريرة في آن، لتخلق حالة من “المقدس الجمالي” الذي يربط التضحية بالأرض، ” رائحة الدخان مشبعة في أقمشتهم الداكنة كان الجميع في صدمة عيونهم شاخصة وجاحظة في الفراغ” ص27 . ويزداد الصوت سطوة حين يحدث الاجتياح ” صوت الانفجارات لاتزال تصل من كل اتجاه ” ص41 ، ” رائحة البارود والدخان لا تزال عالقة في الهواء ” ص46إن الرائحة هنا ليست تفصيلاً عابراً، بل هي آلة زمنية تُلغي المسافات بين الماضي والحاضر؛ فرائحة الهيل تعيد الشخصية إلى طمأنينة ما قبل الاجتياح، بينما تفرض رائحة البارود والدم استحقاق اللحظة الراهنة، مما يجعل من “الحواس” وسيلة إدراكية تتحدى محاولات طمس المعالم المادية للمخيم، وتُبقي جذوة الذاكرة متقدة في الأنوف والصدور.

الراوي


تتجلى في رواية “جنين في جنين” هيمنة واضحة لصوت “الراوي العليم” الذي لا يكتفي بإدارة المشهد السردي، بل يتجاوزه نحو ممارسة أدوار تفسيرية وفلسفية مباشرة. هذا النمط من الرواة يميل إلى كسر “الحياد السردي” عبر التدخلات الأيديولوجية والتحليلية التي تظهر في ثنايا النص، حيث يسترسل الراوي في تقديم تأملات فلسفية حول الصمود، والموت، والعدالة، محولاً اللحظة الدرامية أحياناً إلى منصة خطابية. إن هذه التدخلات، رغم عمقها الفكري وقدرتها على شحن الوجدان، قد أوجدت نوعاً من الثقل الوجيز على البناء السردي؛ إذ أدت في مواضع معينة إلى ترهل الإيقاع الدرامي لحساب المباشرة أو التحليل السياسي المباشر، بينما كان ينبغي أن تنحاز الرواية لسلطة الفن وأدواته.


إن استئثار الراوي بسلطة التحليل قد قلص من “استقلالية الشخصيات”؛ فبدلاً من أن تترك الشخصية لتعبر عن مأساتها عبر الفعل أو الحوار العفوي، نجد الراوي يتدخل ليؤطر هذا الفعل ضمن سياق أيديولوجي جاهز. هذا الانتقال من التصوير إلى التقرير والتحليل جعل النص يتأرجح بين كونه عملاً تخييلياً وبين كونه “بياناً فكرياً”. ومع أن هذه النزعة التحليلية قد تخدم توثيق الذاكرة وتثبيت الرواية الفلسطينية في وجه التزييف، إلا أنها من الناحية الفنية أحدثت شرخاً في “وهم الواقعية”، حيث يبرز صوت الكاتب بوضوح خلف أقنعة الرواة، مما قد يضعف قدرة القارئ على التماهي الحر مع الشخصيات بعيداً عن توجيهات الراوي المسبقة وصياغاته الفلسفية الجاهزة.”

ربما هذا هو البناء الحقيقي : أن نصنع من حطام ذاكرتنا الفردية ذاكرة جماعية من حجارة آلامنا المتفرقة جدارا إنسانيا ” ص42 وقوله : ” ليثبت أن الفلسطيني يمكن أن يعيش حياة كريمة خارج المخيم …وأن الهوية الفلسطينية تلاحقك أينما ذهبت” ص 48 ومن مثل قوله :” كانت وصال تريد أن يعترف العالم بإنسانيتها لا أن يراها رقما في تقرير إخباري” ص101وغير ذلك كثير ، إذ ينشغل الكاتب على لسان الراوي بتحليل دواخل الشخوص ، وتقديم وجهات نظره وخطابه السياسي والفكري الذي لاي نبغي أن يطل إلى وفق التكنيك الروائي ودون افتعال بتحليله عبر سلوك الشخصيات بمباشرة ، فالمباشرة يضيق بها الفن.

اللغة


تنزاح رواية “جنين في جنين” في كثير من مفاصلها نحو”لغة شعرية مكثفة، تجعل من الجملة السردية وحدةً قائمة بذاتها من حيث الجمال والتركيب. هذا الاتكاء على الشعرية يبرز بوضوح في لحظات التأمل الوجداني ووصف الفجيعة، حيث يتخلى النص عن سرعته المطلوبة في ملاحقة الخيط الدرامي ليتوقف عند اللوحة الوصفية، ” الصوت يشبه صوت إله غاضب في عالم مشوه” ص24 إن اللغة هنا تعمل كممتص للصدمات؛ فهي تُلبس القبح (الحرب، الدمار، الموت) ثوباً من الاستعارات التي تخفف من حدة المباشرة، مما يمنح القارئ فرصة للتأمل بدلاً من الانخراط السريع في الفع،” لم أعد أتحمل أكثر من هذا كانت هذه اللحظة تمثل نقطة تحول في الفيزياء الوجودية للمكان “ص24.


ومع ذلك، فإن هذا التدفق الشعري يأتي أحياناً على حساب “تصاعد الأحداث”؛ إذ يلاحظ القارئ أن “زمن السرد” يتباطأ أو يتوقف تماماً لصالح “زمن البلاغة”. فبينما تتطلب الحبكة في لحظات الاجتياح أو المواجهة إيقاعاً لاهثاً ينسجم مع توتر الموقف، يختار الكاتب الركون إلى لغة “منسابة ودون تكلف” لتشريح المشاعر العميقة، مما قد يُضعف من التوتر الدرامي إلى صالح الغنائية السردية. إنها لغة لا تسعى لإخفاء الحقيقة، بل تسعى لتقديسها، لكن هذا التقديس اللغوي قد يخلق فجوة بين الفجيع وهولها وبين أناقة التعبير عنها، فتصبح اللغة هي الغاية والوسيلة في آن، متجاوزةً أحياناً ضرورة النمو العضوي للحكاية.

الشخصيات


تنتصر رواية “جنين في جنين” لمنطق “البطولة الجماعية” المنبثقة من طين الواقع، حيث يُزيح نسيم قبها “البطل التقليدي ليضع مكانه البطل ابن الطبقة الفقيرة والوسطى البطل هنا هو ابن الحياة العادية ، وهذا البطل هو بطل الرواية المعاصرة التي انبثقت بالتزامن مع ولادة الطبقة الوسطى ، ذلك الإنسان الذي لم يخطط ليكون أسطورة، بل وجد نفسه في مواجهة قدره.


انتهج الكاتب استراتيجية أنسنة المقاومة، حيث يتم تشكيل الشخصية عبر تراكم التفاصيل اليومية البسيطة (الخوف، الجوع، القلق على الأبناء، والارتباط برائحة القهوة والأرض) قبل دفعها إلى أتون الحدث الكبير. البطل هنا لا يمتلك يقيناً مطلقاً طوال الوقت، بل ينمو وعيه وتتشكل هويته من خلال الاشتباك مع المكان والزمن المعادي. إن الانتصار للشخصيات العادية هو انتصار لـ “فعل البقاء” بوصفه أرقى أنواع المقاومة، حيث يصبح مجرد الإصرار على العيش داخل المخيم المحطم فعلاً بطولياً يتجاوز الفعل العسكري المجرد.

تتجلى عبقرية التشكيل السردي في رواية “جنين في جنين” في تلك العلاقة العضوية التي تربط الشخوص بفضائهم المكاني، حيث لم تعد الشخصيات كائناتٍ تتحرك فوق جغرافيا المخيم، بل أضحت امتداداً حياً وتجسيداً مادياً له. إن ملامح الأبطال في نص نسيم قبها تبدو وكأنها “محفورة من قسوة الحجارة” ومستلهمة من تفاصيل الأزقة الضيقة، ما خلق نوعاً من التماهي بين تضاريس الروح وتضاريس المكان. ويتوازى التطور الدرامي لهذه الشخصيات مع إيقاع الحصار وتحولات الاجتياح؛ فكل انكسار مادي يحلّ بجدران البيت يقابله نضج شعوري أو جرح غائر في روح الشخصية، مما يجعل من الهدم والبناء عملية متبادلة بين الإنسان ومنزله. هذا الالتصاق بالأرض انعكس بوضوح على لغة الحوار التي جاءت مبرأة من “التنظير البارد”، ومتسمة بالبساطة والعمق الفطري، الأمر الذي منح الشخصيات صدقيةً عالية وجعلها تنطق بلسان الوجع اليومي لا بلسان الأيديولوجيا المجردة، لترسخ في وعي المتلقي كرموز حية لصمود المكان وتجذره.
إن الشخوص هم حراس الذاكرة ” كانوا يشعرون أنم ليسوا مجرد لاجئين بل هم حراس الذاكرة ، ونقلة التاريخ وبناة المستقبل” ص29
يتحرك في فضاء الرواية شبكة من الشخصيات التي تُشكل في مجموعها مرآةً عاكسة لأطياف المجتمع الفلسطيني داخل المخيم، حيث يبرز ‘يوسف’ بوصفه تجسيداً للروح القلقة والواعية؛ فهو الحامل لإرث الذاكرة والمثقل بتمزقات الواقع، ومن خلاله ينصهر الرمز بالواقع ليتجلى التداخل الدلالي بين ‘الجنين’ كاستشرافٍ لصيرورة المستقبل و’جنين’ كحيزٍ للمواجهة الراهنة.

وتكتمل هذه البنية الدرامية بحضور ‘مريم’ التي تنهض بعبء التمثيل النسائي المركزي، متجاوزةً الأطر النمطية للمرأة كرمز صامت للصبر، لتظهر كذاتٍ فاعلة تدير ألم الفقد وتمارس أدوار الحماية والاحتواء، جاعلةً من كينونتها ‘فضاء ألفة’ يصدّ وحشية الاغتراب الذي يفرضه الخارج. وفي موازاة ذلك، يبرز ‘الجد’ بوصفه الشخصية المرجعية التي تضمن استمرارية السردية التاريخية؛ فهو حلقة الوصل الوجدانية بين نكبة التهجير الأول وعناد الصمود الحالي، وعبر صوته يتدفق التاريخ الشفوي ليعيد تأثيث وعي الأحفاد. وينصهر هذا النسيج الإنساني في نموذج المقاوم، ذلك البطل العفوي الذي انبثق من صلب الأزقة؛ فهم الخبازون والطلبة والعمال الذين لم يقتفوا أثر المجد الشخصي، بل استبدلوا أدوات عيشهم بالسلاح دفاعاً عن الوجود، ما يرسخ في نص نسيم قبها مفهوم ‘البطولة الجماعية’ التي تنبت من طين الحياة اليومية وتفاصيلها الرتيبة

الإكسسوارات


تأخذ “الأشياء” أو الإكسسوارات السردية في رواية “جنين في جنين” بعداً حيوياً يتجاوز كونها مجرد جمادات تُرص جانباً لتأثيث المشهد، لتتحول إلى وسائط مادية تؤرشف الأحداث وتكثف المعنى الوجداني.


تنهض ‘الأشياء’ في نص نسيم قبها بوصفها علامات سيميائية تشترك في صناعة الحدث، متجاوزةً تعريفها التقليدي كجمادات هامشية لتصبح ذاكرة مادية ترصد تفاصيل الصراع. تتجلى ‘المرآة’ في الرواية كعنصر استرجاعي بامتياز؛ فهي لا تعكس الملامح المادية فحسب، بل تستحضر ‘صور الذاكرة’ وحكاياتها التي تطلّ من عبر شروخها، لتغدو ثقباً زمنياً تعبر من خلاله الشخصيات نحو ماضيها المفقود، ” المرآة لا تكذب يافتحي همس لنفسه وهو يرى انعكاس وجهه المتجعد، كل تجعيد يشبه طرقات المخيم متاهة من الذكريات والألم. ” كانت المرآة المتشققة تمثل مفارقة وجودية عميقة ، فالتشققات التي تشوه الصورة هي نفسها التي تحفظ الذاكرة كندوب الجسد التي تحكي قصة النجاة ” ص9
فالمرآة ليست مجرد إكسسوار بل تعكس الصور المطلة من شروخها لتحكي حكاية ذاكرة وإنسان مهجر ووطن.

فهذه المرآة تروي تاريخا موازيا للتاريخ الرسمي. وفي ذات السياق الرمزي، تبرز ‘ربطة العنق’ كأداة للمقاومة الرمزية، فهي تعكس تشبثاً بالوجود وإصراراً على الأناقة الإنسانية وسط الركام؛ إنها بمثابة ‘عقد غير مكتوب’ بين الفلسطيني ومكانه، ودلالة على كرامةٍ تأبى الانكسار، محولةً عقدة الثياب إلى ‘عقدة انتمائية’ للمكان الذي يظل حياً رغم سطوة الموت،”
لماذا نربط أربطة العنق يا فتحي….لأنها تذكرنا بالكرامة” ص..10 و تمثل الربطة أداة استرجاع تفتح الذاكرة على صور عرسه ، وصورة أبيه يقف أمام المرآة يعدل ربطة عنقه، ففتحي لم يكن مجرد عجوز نزح من بلاده بل كان يشكل حارس المخيم وذاكرته


أما الحواس فتكتمل بحضور ‘الهيل والقهوة’، اللذين لا يمثلان ترفاً استهلاكياً، بل هما خيطٌ رابطٌ بتراث البلاد وماضيها الذي توارثته الأجيال، ليشكلا درعاً ثقافياً يحمي الهوية من الذوبان. ومطحنة القهوة إكسسوار هام يعبر عن الوعي الجمعي للمكان:


” إن صوت المطحنة يشبه دقات القلب الجماعي للمخيم ” ص18وعلى نقيض هذه الألفة، تبرز ‘القطط والذباب والغربان وغيرها ، بوصفها إكسسوارات واقعية تعكس عري المخيم وقسوة تفاصيله تحت الحصار؛ فهي ليست مجرد كائنات، بل هي انعكاس بصري للخراب المادي واجتياح الموت للفضاء الخاص، حتى قطط المخيم التي اعتادت التسكع حول الدخان كانت غائبة كأن الطبيعة كلها تترقب ، حتى الذباب توقف عن الطنين ” ص1


ومن الإكسسوارات الساعة الجدارية القديم الشاهدة على فجيعة الزمن ، إذ توقف الوقت لحظة مغادرة الوطن ليعيش الفلسطيني في زمن مواز بين ماض غادرهم و واقع لا يرحم ،” نظر إل ساعته الجدارية القديمة وهي ملتصقة بالحائط .ز الساعة كانت تشير إلى لحظة توقف عندها العالم عن الدوران” ص16


وكذلك السجادة التي تنسج خيوطها الجدات فتحمل كل غرزة فيها \كرى ، ” هذه السجادة ستذكر أحفادي بأننا كنا هنا وسنبقى ” ص17 فالإكسسوار ذاكرة وفعل مقاومة أيضا. والخارطة إكسسوارا وفعل مقاومة ص 20 وتضخم الإكسسوارات لتصير رمزا لحلم العودة يتشبث به الفلسطيني في منفاه متمثلا بصورة المفتاح ” في درج مكتبة احتفظ عمر بمفتاح قديم ، مفتاح بيت جده في قرية عين حوض، جده أعطاه لأبيه وأبوه أعطاه له” ص والصورة أيضا تمثل ذكرة ناطقة ” كانت الصورة بالية .. تفاصيل البيت في الصورة تتحول في عقل عمر إلى مساحة عاطفية يعيش فيها ” ص23 و يتأتي كل ذلك من كون اللاجىء يعيش في مكانين في نفس الواقع واحد يطل من الذاكرة وواحد يتأتى من الحاضر.


23إن هذه الأشياء بمجموعها تشكل أرشيفاً حسياً يوازي السرد اللغوي، حيث ينطق الجماد بما تعجز عنه الشخصيات، موثقاً صراع البقاء في أدق تفاصيله.”قرروا تحويل بيتهم إلى متحف صغير للذاكرة متحف للحياة وليس للموت…صورة فتحي.. المفتاح القديم ، السبحية التي أعطاها لوصال ، صور المخزن، رسومات الأطفال ، سجادة صلاة محروقة ، إطار مرآة ملك . وكل قطعة تحكي جزءا من القصة” ص117

الحوار


على مستوى الأداء التعبيري، يُلاحظ في الرواية نوع من الوهن في البنية الحوارية، حيث اعتمد الكاتب في إدارة الحوار بين الشخصيات على صيغ نمطية وتقليدية تقوم على التتابع الرتيب ل ( قال، وقلت، وقالت) هذا الاتكاء على أفعال القول المباشرة والجامدة أدى إلى إضعاف ‘الدينامية الدرامية’ للحوار، محولاً إياه من أداة للكشف عن أعماق الشخصية وتطوير الحدث إلى مجرد تبادل للمعلومات أو الأفكار.


إن غياب ‘الحوار المنبثق من الفعل وتغليب صيغة (قال/قالت) جعل الحوار يبدو في بعض المفاصل مسطحاً، يفتقر إلى التعددية الصوتية ، إذ نجد أن لغة الحوار تتشابه مع لغة الراوي في جزالتها وشعريتها، مما أفقد الشخصيات نبرتها الخاصة والمتفردة. وبدلاً من أن يكون الحوار مساحة للصراع أو الكشف النفسي، أصبح خاضعاً لسطوة السرد الإخباري، ما أثقل كاهل النص بنوع من الرتابة اللغوية التي حالت دون تدفق الأحداث بشكل انسيابي، وجعلت المسافة بين القارئ وبين حقيقة الشخصيات تضيق لصالح هيمنة صوت الكاتب الذي يوجه الأقوال ويؤطرها ضمن قوالب جاهزة.”مثلا ” هاتفها يرن –رسالة من صديقتها ليلى : هل نذهب إلى المحاضرة؟ ترد وصال : لابد أن نذهب التعليم مقاومة” ص19

التراث


استدعى نسيم قبها الموروث الشعبي في الرواية بوصفه فعل مقاومة وتأريخ للذاكرة ، إذ تجلى المقاومة في رواية ‘جنين في جنين’ كفعلٍ حضاري يمتد أبعد من المواجهة العسكرية، حيث يتكئ النص على التراث الفلسطيني بوصفه ترسانةً للهوية وحصناً للذاكرة الجمعية. يبرز هذا المنزع عبر استحضار الأغنية الشعبية التي تملأ فضاءات المخيم، محولةً الألحان المتوارثة إلى أناشيد صمود تربط الجرح الحالي بالوجع التاريخي. كما تحتفي الرواية بجماليات الطعام والمبنى والملابس المطرزة، لا كفلكلور جامد، بل كرموز حية للسيادة على المكان واستمرارية الحياة؛ فكل قطبة في ثوب أو رائحة طبخة شعبية هي إعلان بقاء في وجه آلة الهدم. وتتوج هذه المقاومة الثقافية بشخصية ‘عجوز المخيم’؛ تلك الحكاءة التي تنهض بمهمة ‘حراسة الرواية’، حيث تعيد نسج الحكاية الفلسطينية للأجيال الجديدة، محولةً الذاكرة الشفوية إلى سلاحٍ أمضى من الرصاص.

إن استدعاء هذه العناصر التراثية في نص قبها يجعل من المخيم امتداداً للقرية الفلسطينية الأولى، ويؤكد أن المعركة الحقيقية هي معركة وجود تبدأ من تفاصيل المائدة والأغنية وتنتهي بحق العودة، من مثل توظيف الأغنية الشعبية الفلسطينية التي تمثل في إيقاعها وكلماتها فعل مقاومها ، إذ تطل على ذاكرة والتأريخ الشعبي للمكان ، ” في شقته في حي الجابريات بمدينة جنين الملاصقة لمخيمها كان عمر يحمل ابنه جاد ويغني له : ” ياطير الطاير سلملي على بلادي ” فالإيقاع الحزين محمل بالحنين وحلم الرجوع ويقول : ” كل كلمة كانت تحمل ذكرى وكل كلمة كانت تشبه حجرا في جسر الأجيال كان يعلم أنه يحمل أمانة أمانة نقل التراث والحكايات والذاكرة إلى ابنه” ص22إنه وطن مبني من أنغام ومحبة وكلمات تصل الأجيال ببعضها لتندغم ضمن فسيفساء المقاومة التي تتوارثها الأجيال.


وفي موضع آخر ” كانت نهيل تغني لابنها أغنية عن البحر عن الأمواج والسماء والصيد كانت تتذكر رحلاتها للبحر حين كانت طفلة ” ص 50 فالأغنية فعل استرجاع وتوثيق وتأريخ ومقاومة أيضا.

المآخذ الفنية


تجلّت في النص سطوة “الراوي الكليّ العلم” الذي تجاوز دوره كخالق للمصائر ليتقمص دور المنظّر الأيديولوجي، فجاء خطابه مشحوناً بنبرة حماسية مباشرة صادرت حق القارئ في التأويل والاستنتاج. لقد انهمك الكاتب في تشريح الدلالات وتحليل المآلات ، مما حوّل العمل من كينونة إبداعية تترك أثرها عبر الإيحاء، إلى وثيقة خطابية تمارس وصاية فكرية على المتلقي، وتفتقر إلى تلك المسافة الجمالية الضرورية التي تسمح للحكاية بأن تتنفس بعيداً عن صخب الشعارات.


وعلى مستوى البناء الدرامي، سقطت الأحداث في فخ “النمذجة ، إذ غاب الحدث المركب الذي يشتبك فيه الذاتي بالموضوعي، لتتحول الشخوص إلى مجرد رموز مسطحة تتحرك في فضاء مرسوم سلفاً. ورغم استدعاء الرموز الكبرى كالمخيم والاجتياح لتجسيد تراجيديا النكبة ومخاطر محو الذاكرة، إلا أن هذا الاستدعاء ظلّ في إطار الحكاية الخطية المباشرة، دون إضفاء عمق درامي يعمق الفجوة والصراع بين الشخوص؛ فغدت المقاومة فكرةً معلقةً في ذهن الكاتب، لا صيرورةً وجودية تنمو وتتصاعد من رحم المأزق الإنساني المعقد، إذ يقول ” اكتشفوا أن الهوية ليست قالبا جامدا، بل هي نهر يتشكل من كل ما يمر به ، النكبة ، النكسة ، المخيم الدمار التهجير ، كل هذه ليست نقاط ضعف بل طبقا في هويتهم … لقد تحولوا من ضحايا التاريخ إلى صناع السردية ” ص125 وهذا خطاب سياسي مباشر تحليلي لا تحتمله الرواية، وفق هذا التكنيك ، وقد امتد إلى ما يقرب صفحتين.


ورغم ذلك إن هذه الرواية تشكل نموذجا جيدا من روايات أدب المقاومة، لتكون رواية “جنين في جنين” تجربة أدبية مضيئة في توثيق الصمود والهوية والذاكرة ، وقد استطاعت رغم تحدياتها الفنية أن تبني أرشيفاً وجدانياً وحسياً يعيد الاعتبار للإنسان العادي والمكان المحاصر، جاعلة من الكتابة ذاتها فعلاً من أفعال الولادة والمقاومة.

  • – د. ليندا عبيد – أستاذة الأدب والنقد – جامعة اليرموك – الأردن

شاهد أيضاً

الصين تشهد ذروة موسم السفر بعودة الملايين لأماكن العمل مع اقتراب نهاية العطلة

الصين تشهد ذروة موسم السفر بعودة الملايين لأماكن العمل مع اقتراب نهاية العطلة

شفا – يعود الملايين في جميع أنحاء الصين إلى أماكن عملهم هذا الأسبوع مع انتهاء …