
“لن نفترقَ أبدا” بقلم : غدير حميدان الزبون
(قصة)
كان ذلك في مساءٍ عاديٍّ جدًا من تلك الأمسيات التي تتشابه حتى تظنّها نسخةً مكررةً من نفسها.
كنتُ أجلس أمام شاشة التلفاز أشاهد فيلمًا قديمًا من سلسلة Back to the Future، وأضحك في سري من تلك الفكرة التي طالما أربكتني منذ الطفولة وهي كيف يمكن لإنسان أنْ يسافر إلى المستقبل، والمستقبل في علم الغيب؟
أغلقتُ الشاشة فجأة، وقلت بصوتٍ مسموع في جدال افتراضي مع المخرج: حسنًا أيها المهرج البارع، لكنّ المستقبل ليس لنا، ولكن ماذا عن الماضي؟
لم يكن في السؤال شيءٌ خارق سوى أنّ قلبي ارتجف لحظة نطقه، فالماضي ليس غيبًا.
الماضي ذاكرة، والذاكرة كما اكتشفتُ لاحقًا هي آلة الزمن الوحيدة التي لا تحتاج إلى وقود.
بدأ الأمر عندما عثرتُ على صندوقٍ خشبي قديم في خزانة أمّي.
كان الصندوق من تلك الصناديق التي تحتفظ برائحة السنين في مزيج من غبارٍ وحنينٍ وخيبة أمل صغيرة.
فتحتُه وإذا به صورة مدرسية، وشريطٌ أزرق باهت، ورسالة قصيرة كتبتها صديقة قديمة فحواها “لن نفترق أبدًا”.
ضحكتُ فقد كانت كذبة طفولية لطيفة.
لكن ما إنْ لمستُ الصورة حتى شعرتُ بشيءٍ يتبدل، فالغرفة صغرت، والسقف ارتفع، والجدران اكتست بلون الطباشير.
كنتُ في الصف الخامس آنذاك.
وقفتُ هناك أرتدي زي المدرسة، وحقيبتي الكبيرة الملأى بالمفاجآت فهي أثقل من قدرتي على الاحتمال.
جلست “سمر” أمامي بنفس الجديلتين، وهي تلتفت نحوي قائلة:
– هل درستِ للامتحان؟
كدت أجيبها بعقل امرأةٍ ناضجة، لكنّ صوتًا صغيرًا خرج من فمي:
– لا، لكنني سأدّعي المرض.
وهنا أدركت الكوميديا السوداء في الأمر فقد عدتُ إلى الماضي، ومع ذلك ما زلت أتهرّب من كابوس الامتحانات.
كنتُ أتحرك في أروقة المدرسة مثل شبحٌ يعرف النهاية مسبقًا.
رأيتُ الصديقة التي ستسافر، ورأيتُ المعلمة التي كنتُ أظنها تكرهني، لأكتشف الآن – بعينٍ أكبر – أنها كانت فقط مرهقة من الحياة.
ضحكتُ حين رأيتُ نفسي الصغيرة تبكي لأنّ قلمها انكسر.
يا إلهي، لو كانت تعلم نفسي الصغيرة الساذجة أنّ أقلامًا أكبر ستنكسر لاحقًا من قناعات، وصداقات، وأحلام.
اقتربتُ من نفسي الصغيرة وجلستُ بجانبها في ساحة المدرسة، لم تكن تراني بوضوح، لكنها شعرت بي.
سألتها:
– لماذا تبكين؟
أجابت بعينين قلقتين من السفر إلى المستقبل:
– لأنني أخاف أنْ أكبر.
ابتسمتُ وقلت:
– لا تخافي، فالكِبر ليس وحشًا، إنه طفلٌ يرتدي ثيابًا رسمية، ثم حدث ما لم أكن مستعدة له، لقد رأيتُه، إنّه العمّ الحكيم خليل الدهيدي.
كان جالسًا تحت شجرة التين في آخر الحقل في البيت القديم.
لا زال يمسك بعصاه السحريّة مرتديًا نظارته بعيدة النظر.
كان يضحك بصوته الذي يشبه المطر الخفيف.
اقتربتُ منه ببطء ودون أي صوت خشية أنْ ينكسر المشهد لو أسرعت.
قال دون أن ينظر إليّ:
– تأخرتِ.
فأجبت وأنا مضطربة:
– كنتُ أبحث عن طريق العودة.
نظر إليّ، بعينيه اللتين تحملان حكمة الأرض، وواصل حديثه قائلا:
– لا أحد يعود يا صغيرتي، نحن فقط نزور الذكرى، ثم نغادرها.
جلستُ بجانبه، وأردت أن أقول ألف شيء منها: اشتقتُ إليك، وسامحني لأنني لم أكن بجوارك في لحظتك الأخيرة، والحياة أصعب مما توقعت.
لكنني قلتُ بدلًا من ذلك:
– هل كنتَ تعلم أننا سنفترق؟
ضحك، وقال:
– نحن لا نفترق، أنتم فقط تنسون أنّ الدعاء طريقٌ بلا مسافة.
لم أتمالك نفسي، وسرعان ما سابقتني دموعي لتختلط الكوميديا بالتراجيديا، فرغم رحلتي الخارقة على حدّ علمي إلّا أنني لم أستطع تغيير شيء.
أعترف بالحقيقة الموجعة فلم أستطع إنقاذ أحد، أو منع وداع، ولا حتى إعادة زمنٍ توقف.
كل ما استطعتُ فعله هو الفهم المتأخّر.
عدتُ إلى غرفتي فكان الصندوق ما يزال مفتوحًا، والصورة في يدي لكنّ قلبي أثقل.
لقد اكتشفتُ شيئًا مهمًا فلو أُعطينا فرصة العودة إلى الماضي فلن نركض لتغيير الأحداث الكبرى، ولن نحاول منع الكوارث.
لو كان ذلك متاحًا سنفعل شيئًا أبسط بكثير، سنحضن من نحبّ مدةً أطول، وسنضحك بصدق أكبر، وسنخبر ذواتنا الصغيرة أنّ الخوف طبيعي، وأنّ الخسارة واردة دون أدنى شكّ لكنّها لا تعني نهاية الحكاية، فالماضي ليس مكانًا نعود إليه.
إنه معلمٌ لا يتكلم إلا بعد فوات الدرس، وأنا لم أعد أتمنى السفر إلى المستقبل.
ولا حتى إلى الماضي.
أصبحتُ فقط أتمنى أنْ أعيش اللحظة قبل أنْ تتحول هي الأخرى إلى صندوقٍ خشبي، ورائحةٍ قديمة، وصورةٍ تقول:
“لن نفترق أبدًا”.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .