
“الذكاء الاصطناعي بين توليد الإشكالية وتغييب الأصالة في البحوث الجامعية” مداخلة ضمن ندوة علمية بالمركز الجامعي البيض : تقديم البروفيسور سعاد بسناسي
تقديم البروفيسور سعاد بسناسي جامعة وهران 1 عضو المجلس الأعلى للغة العربية مديرة مخبر اللهجات ومعالجة الكلام رئيسة أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي.
لقد أصبح الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة أحد أبرز الظواهر التي غيّرت ملامح البحث العلمي، فهو يقدّم إمكانات هائلة في تحليل البيانات، واستخراج المعارف، وصياغة الإشكاليات البحثية. غير أن هذا الحضور الطاغي يثير سؤالًا جوهريًا: هل يسهم الذكاء الاصطناعي في إثراء البحث الجامعي، أم أنه يهدّد أصالته ويضعف بصمة الباحث الفردية؟
لا يمكن في البداية، إنكار أن أدوات الذكاء الاصطناعي تمتلك قدرة كبيرة على توليد الإشكالية. فهي قادرة على معالجة آلاف النصوص والدراسات في وقت وجيز، واستخراج الثغرات التي لم تُطرق بعد، مما يفتح أمام الباحثين آفاقًا جديدة. على سبيل المثال، يمكن لخوارزميات التحليل النصي أن تكشف عن فجوات في الدراسات المتعلقة بالهوية والهجرة، أو أن تقترح موضوعات مبتكرة في الأدب الرقمي وعلم الاجتماع. هذه القدرة تجعل الذكاء الاصطناعي شريكًا فعّالًا في صياغة الأسئلة البحثية وتوسيع دائرة الاهتمام الأكاديمي.
ويبرز في المقابل، الوجه الآخر لهذه الظاهرة، وهو تغييب الأصالة. فالاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى إنتاج نصوص نمطية متشابهة، تفتقر إلى العمق الشخصي والتجربة الذاتية للباحث. كثير من الأطروحات الجامعية اليوم تُكتب بمساعدة الآلة، لكنها تفتقد إلى البصمة النقدية التي تميز الباحث الحقيقي. وهنا يكمن الخطر: أن يتحول البحث الجامعي إلى مجرد “منتج آلي” لا يعكس إبداع صاحبه ولا يضيف جديدًا إلى المعرفة الإنسانية. إن فقدان الأصالة يعني تراجع قيمة التفكير النقدي، ويهدّد مصداقية المؤسسات الأكاديمية نفسها.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى التوازن بين التقنية والأصالة. فالذكاء الاصطناعي يجب أن يُوظَّف كأداة مساعدة، لا كبديل عن الباحث. يمكن للطالب أن يستعين به في جمع البيانات أو في الترجمة الأولية، لكن عليه أن يعيد صياغة هذه المعطيات بمنهجية نقدية شخصية، وأن يضيف إليها رؤيته الخاصة. كما ينبغي أن تُدرج الجامعات مقررات حول أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي، لتدريب الطلبة على التمييز بين المساعدة التقنية والإبداع الفردي، وضمان أن يبقى الإنسان هو المحرّك الأساسي للعملية البحثية.
إن الذكاء الاصطناعي ليس عدوًا للبحث الجامعي، بل هو فرصة إذا أحسنّا توظيفه. لكنه يصبح خطرًا إذا تركناه يهيمن على العملية البحثية دون ضوابط. الأصالة تبقى معيارًا أساسًا في تقييم البحوث، ولا يمكن لأي تقنية أن تعوّض عن اللمسة الإنسانية التي تمنح النص عمقه ومعناه.
النتائج والتوصيات: توصلنا من خلال هذا البحث إلى الآتي:
- الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتوليد الإشكاليات، لكنه قد يغيّب الأصالة إذا استُخدم بلا وعي نقدي.
- لا يمكن الاستغناء عنه، لكن لا يجوز أن يكون هو المهيمن على البحث الجامعي.
- التوصيات:
- وضع ضوابط أكاديمية واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي.
- تعزيز ثقافة النقد والإبداع لدى الطلبة.
- تشجيع البحوث التي تمزج بين التحليل الآلي واللمسة الإنسانية.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .