4:19 مساءً / 14 فبراير، 2026
آخر الاخبار

الأنثروبولوجيا الطبية في الجزائر: حين يمرض الجسد… تتكلم الثقافة ، بقلم : الدكتورة شراط نجاة

الأنثروبولوجيا الطبية في الجزائر: حين يمرض الجسد… تتكلم الثقافة ، بقلم : الدكتورة شراط نجاة

أكاديمية الوهراني تفتح ملف الممارسات العلاجية في الجزائر بين الطب والمخيال الشعبي

حين يلتقي العلم بالعُرف والمقدّس استكتاب علمي جديد لأكاديمية الوهراني

في الجزائر، لا يبدأ العلاج دائمًا من غرفة الفحص، ولا ينتهي عند وصفة طبية. فبين المستشفى والزاوية، بين العيادة والعطّار، وبين الخطاب الطبي الرسمي والمخيال الشعبي، تتشكّل مسارات علاجية معقّدة تعكس أكثر من مجرد بحث عن الشفاء؛ بل هي تعبير عن ثقافة، وهوية، وأنظمة رمزية متجذّرة في عمق المجتمع.في خطوة علمية نوعية تعكس وعيًا معرفيًا متقدمًا بقضايا المجتمع وتحولاته،وانطلاقا من هذا التقاطع الحيّ بين العلم والعُرف والمقدّس، تطلق أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي ممثلة في وحدة الأسرة و التعليم والتغير الاجتماعي استكتابًا علميًا جماعيًا بعنوان:”قراءات أنثروبولوجية في الممارسات العلاجية في الجزائر: بين العلم، العرف، والمقدّس”، وهو مشروع بحثي يسعى إلى تفكيك العلاقة المركبة بين الثقافة والصحة، وإعادة قراءة الممارسات العلاجية في المجتمع الجزائري من منظور أنثروبولوجي نقدي ومتعدد التخصصات.

يأتي هذا المشروع في سياق علمي تتزايد فيه الحاجة إلى فهم أعمق للظواهر الصحية بوصفها ظواهر اجتماعية وثقافية، لا تقتصر على بعدها البيولوجي أو التقني فقط. فالمرض، في التجربة الإنسانية، ليس مجرد خلل عضوي، بل هو أيضًا حدث رمزي واجتماعي تتقاطع فيه المعتقدات، وتمثّلات الجسد، وأنماط العيش، وشبكات التضامن، وأنظمة المعنى.

يمثل المجتمع الجزائري حالة نموذجية لهذا التداخل، حيث يتجاور الطب الحيوي الحديث مع الممارسات العلاجية التقليدية، من أعشاب ورُقى وزوايا ومعالجين شعبيين، ضمن مشهد صحي يعكس تعددية ثقافية عميقة. ولا يُنظر في هذا الاستكتاب إلى هذه الأنظمة بوصفها متعارضة بالضرورة، بل بوصفها أنماطًا معرفية متفاعلة، يتنقل بينها الأفراد في مسارات علاجية مركّبة تحكمها الثقة، والتجربة، والرمزية، والسياق الاجتماعي.

ويؤكد القائمون على المشروع أن الهدف ليس إصدار أحكام معيارية على هذه الممارسات، بل فهم منطقها الداخلي، وتحليل وظائفها الاجتماعية، واستكشاف حدود التفاعل بينها وبين السياسات الصحية الرسمية، خاصة في ظل التحولات المعاصرة والعولمة الصحية والأزمات الوبائية التي كشفت هشاشة بعض البنى الصحية من جهة، ومرونة المجتمعات المحلية من جهة أخرى.

الاستكتاب لا يكتفي بوصف الظاهرة، بل يطرح أسئلة جوهرية:


كيف ينظر الجزائري إلى جسده؟كيف يتفاوض بين الطبيب والمعالج الشعبي؟ما حدود الطب الحيوي أمام سلطة المعتقد؟وكيف تؤثر البيئة، والنوع الاجتماعي، والسياسات الصحية في تصورات المرض والشفاء؟

ومن خلال ستة محاور كبرى تمتد من الأنثروبولوجيا الطبية ومفاهيمها، إلى المعتقدات الرمزية، والعلاقة بين الطب التقليدي والحديث، والصحة والجندر، والبيئة والتنمية، وصولًا إلى السياسات الصحية وأنثروبولوجيا اللقاح، يسعى المشروع إلى بناء قراءة متعددة التخصصات تكشف البعد الثقافي للصحة في المجتمع الجزائري.

هذه المحاور لا تكتفي بوصف الواقع، بل تسعى إلى بناء معرفة نقدية يمكن أن تُسهم في إعادة التفكير في السياسات الصحية من منظور ثقافي وإنساني، يعيد الاعتبار للإنسان في كليّته، ويضع الجسد في سياقه الاجتماعي والرمزي.

الاستكتاب موجّه إلى الباحثين في الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا والطب والتاريخ والدراسات الدينية والإعلامية، في دعوة صريحة إلى تجاوز الحدود الصارمة بين التخصصات، وبناء حوار علمي يزاوج بين التحليل النظري والبحث الميداني، وتراهن أكاديمية الوهراني من خلال هذا المشروع على إنتاج معرفة رصينة، متجذّرة في الواقع الجزائري، وقادرة على الإسهام في تطوير حقل الأنثروبولوجيا الطبية محليًا، وفتح آفاق جديدة أمام الباحثين الشباب والمهتمين بقضايا الصحة والثقافة.

لا يُعدّ هذا الاستكتاب مبادرة معزولة، بل يندرج ضمن رؤية أوسع لأكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي، التي تسعى إلى تحويل الفعل الأكاديمي إلى فضاء حيوي للتفاعل بين البحث والمجتمع، وبين المعرفة والرهانات الإنسانية المعاصرة، ومن خلال هذا المشروع، تؤكد الأكاديمية أن التفكير في قضايا الصحة لا ينبغي أن يُختزل في الأبعاد التقنية والإجرائية، بل يجب أن يُقارب في ضوء الثقافة والهوية والرمزية، لأن العلاج الحقيقي يبدأ بفهم الإنسان في سياقه الكامل.

إنّ «قراءات أنثروبولوجية في الممارسات العلاجية في الجزائر» ليس مجرد استكتاب علمي، بل هو دعوة إلى إعادة مساءلة علاقتنا بالجسد، وبالمرض، وبأنماط الشفاء، وإلى بناء معرفة تُنصت لتجارب الناس، وتُصغي لأسئلتهم، وتفتح أفقًا لفهمٍ أعمق وأكثر إنسانية للصحة في المجتمع الجزائري. فالمرض، كما يؤكد القائمون على المشروع، ليس مجرد حالة بيولوجية، بل تجربة إنسانية تُعاد صياغتها داخل العائلة، وفي الحي، وفي فضاءات الاعتقاد، وتتشكل عبر شبكة معقدة من الثقة والرمزية والتجربة والمعرفة المتوارثة.

بهذا المشروع، تؤكد أكاديمية الوهراني أن التفكير في الصحة لا يمكن أن يُختزل في التحاليل المخبرية أو التقارير الإحصائية، بل يجب أن ينصت إلى الحكايات، ويقرأ الرموز، ويستحضر السياقات، فالجسد ليس بيولوجيا فحسب، بل ذاكرة ومعنى وهوية،فهو استكتاب لا يبحث فقط في أنماط العلاج، بل في أنماط الفهم، ولا يدرس المرض بوصفه خللًا عضويًا فقط، بل بوصفه مرآة للمجتمع وتحولاته.

شاهد أيضاً

رئيس الصين شي جين بينغ يوجه التهاني بالسنة الصينية الجديدة لاستقبال عام الحصان

رئيس الصين شي جين بينغ يوجه التهاني بالسنة الصينية الجديدة لاستقبال عام الحصان

شفا – قدم الرئيس الصيني شي جين بينغ اليوم السبت التهاني بعيد الربيع خلال حفل …