1:16 صباحًا / 14 فبراير، 2026
آخر الاخبار

اختراق الجبهة الداخلية : قراءة أمنية في بيئة السقوط والعمالة ، بقلم : سامي إبراهيم فودة

اختراق الجبهة الداخلية : قراءة أمنية في بيئة السقوط والعمالة ، بقلم : سامي إبراهيم فودة

في الحروب الطويلة، لا يكون الخطر محصورًا في نيران العدو، بل يتسلل بصمت إلى عمق المجتمع حين تُترك الجبهة الداخلية بلا تحصينٍ معرفي وعدالةٍ اجتماعية ورقابةٍ أخلاقية. هناك، حيث يتقاطع الجوع مع الخوف، والحرمان مع الفوضى، تُفتح الثغرات التي ينفذ منها أخطر أنواع الاستهداف: اختراق الوعي قبل اختراق الأرض.

فالخيانة، في القراءة الأمنية، ليست حدثًا مفاجئًا ولا فعلًا فرديًا معزولًا، بل نتيجة بيئة مُنهكة أُديرت بلا وقاية، فحوّلها العدو إلى ساحة استدراج وإسقاط.

أولًا: آليات الاختراق… من الإغاثة إلى الابتزاز
يعتمد العدو، تاريخيًا، على منهجٍ مركّب يبدأ بالتمويه الإنساني وينتهي بالابتزاز الأمني.
تُطرح المساعدة بوصفها مخرجًا من ضيقٍ خانق، ثم يُختبر الهدف بطلبٍ صغير، قبل أن تتدرج المطالب نحو معلومات، أو أدوار، أو صمتٍ مقصود. ومن يرفض يُهدَّد، ومن يتردد يُضغط عليه، ومن يسقط يُستنزف حتى فقدان القيمة.

هذه الأساليب، وإن كانت معروفة، تصبح أكثر فاعلية حين يغيب الخطاب الوقائي، وتضعف منظومات التوعية، ويتراجع الدعم الحقيقي للفئات الأكثر هشاشة.

ثانيًا: البيئة الحاضنة للسقوط… حين يُخذَل الداخل
لا يعمل الاختراق في فراغ. ثمة عوامل داخلية راكمت بيئة غير صحية، سهلت الاستهداف، من أبرزها:
انفلات البلطجة وسرقة المساعدات، وتحول الحماية المفترضة للجبهة الداخلية إلى شراكاتٍ في التجويع.
حماية شبكات تجارية مشبوهة، حازت امتيازات على حساب لقمة الناس، في ظل غياب مساءلة رادعة.
ضعف الرقابة على الأسواق وترك الأسعار بلا سقفٍ أخلاقي.

اقتصاد حرب طفيلي، يقوم على تجفيف السيولة واحتكار السلع وتدوير الأزمات.
تفشي المخدرات والعقاقير المُنهِكة للإرادة، بوصفها أداة إسقاط صامتة.
استغلال المساعدات في الابتزاز، بما فيه الانتهاكات الأخلاقية، كأخطر مؤشرات الانهيار القيمي.
تفرد إداري بلا إطار وطني جامع، ما عمّق فجوة الثقة ووسّع مساحات العبث.
هذه العوامل مجتمعة صنعت مناخًا خانقًا، استثمره العدو في التحريض والاستدراج، حتى سقط بعض المغرَّر بهم في مسار لا كرامة فيه ولا نجاة.

ثالثًا: الخيانة بين الإدانة والفهم الأمني
الخيانة جريمة وطنية وأخلاقية لا تبرير لها. غير أن المقاربة الأمنية الرشيدة تفرّق بين الفاعل المحترف، وبين من سقط نتيجة جهلٍ وضغطٍ وقهرٍ دون تحصين.
الفهم هنا لا يعني التبرير، بل منع التكرار عبر معالجة الجذور لا الاكتفاء بالنتائج.

رابعًا: مسارات المعالجة… من الردع إلى الوقاية
المواجهة الفاعلة تقتضي حزمة متكاملة:
تحصين الوعي عبر لجان وطنية ومجتمعية في أماكن النزوح، تكشف أساليب الاستدراج وتعرّي دعاية العدو.
توظيف الاعترافات الموثقة كمواد توعوية مهنية تُظهر مآلات السقوط دون تهويل.
بناء وعي أمني وقائي لدى الشباب يعزز المبادرة والمسؤولية.
تحقيق عدالة اجتماعية في توزيع الاحتياجات، وتجفيف بيئات الابتزاز.
كبح اقتصاد الحرب، وتخفيف الأعباء عن السلع الأساسية، وضبط الأسواق.
محاربة البلطجة واستغلال النفوذ بلا استثناء.
تقليل العنف في إدارة الخلافات وتعزيز الحلول المجتمعية.
إنشاء إطار وطني رقابي يعيد بناء الثقة ويضمن الشفافية والمساءلة.
في ختام سطور مقالي :
الجبهة الداخلية ليست شعارًا يُرفع، بل منظومة قيم وعدالة ووعي.
وحين يُترك المجتمع للجوع والفوضى، يصبح الاختراق احتمالًا لا استثناء.
النصر يُصان بإنسانٍ مُحصَّن، كريم، يشعر أن له ظهرًا يحميه ومؤسساتٍ تحاسبه بعدل.
المجد لشعبٍ يصون وعيه،
والخزي لكل من خان،
ولكل من صنع بيئة السقوط ثم تنصّل من مسؤوليتها.

شاهد أيضاً

رئيس الوزراء الفلسطيني يصل اثيوبيا للمشاركة في قمة الاتحاد الأفريقي

رئيس الوزراء الفلسطيني يصل اثيوبيا للمشاركة في قمة الاتحاد الأفريقي

شفا – وصل رئيس الوزراء محمد مصطفى، مساء اليوم الجمعة، العاصمة الأثيوبية، أديس أبابا، للمشاركة …