
حين تصبح الصحافة حراسة للذاكرة الفلسطينية ، “ الشاعرة مجيدة محمدي ” تكتب في الذكرى الـ14 لانطلاقة “ وكالة شفا “
في زمنٍ تتزاحم فيه الأصوات، وتلتبس فيه الحقيقة بالباطل ، تظلّ شبكة فلسطين للأنباء – شفا نجمةً ثابتة في سماء الإعلام الفلسطيني، تضيء و تدلّ المواطن العربي إلى السبيل القويم للصحافة الحرة و الفاعلة . نجمةٌ لا تستعير نورها من عناوين عابرة، ولا من صخبٍ مصطنع، بل من جوهر الحكاية الفلسطينية نفسها ، أرضٌ تُقاوم النسيان، وإنسانٌ يكتب وجوده كلّ يوم بالحبر والدم معًا.
ليست “شفا” مجرّد منصة إخبارية، بل ذاكرة حيّة تمشي على أسلاك الخبر، وتعرف أنّ الكلمة في فلسطين ليست رفاهًا لغويًا، بل فعل نجاة. هنا، لا تُنقل الأحداث بوصفها أرقامًا باردة أو مشاهد عابرة، بل تُروى كحياة كاملة، بوجعها وأملها، بانكساراتها وانتصاراتها، كل خبرٍ يخرج من “شفا” يحمل في داخله سؤالًا أخلاقيًا ، كيف نكون شهودًا دون أن نخون الحقيقة؟ وكيف نروي الألم دون أن نُفرغه من كرامته؟.
في مشهدٍ إعلامي عالميّ يميل، في كثير من الأحيان، إلى تسليع المأساة أو تمييعها، اختارت “شفا” أن تكون في الضفّة الأخرى ، ضفّة الالتزام. التزامٌ لا يُرفع كشعار، بل يُمارس كمسؤولية يومية، في انتقاء المفردة، وفي ضبط الصورة، وفي احترام عقل المتلقي ووجدان الضحية معًا. فالإعلام هنا ليس سباقًا على السبق فقط، بل صونٌ للمعنى، وحراسةٌ للسردية الفلسطينية من التشويه والاقتطاع.
ما يميّز شبكة فلسطين للأنباء – شفا، أنّها لم تفصل يومًا بين المهني والإنساني. فالمراسل الذي ينقل الخبر هو ذاته المواطن الذي يعرف أسماء الشوارع، ورائحة البيوت، وملمس الخوف حين يحل فجأة. لذلك تأتي التغطية مشبعة بصدق التجربة، لا ببرودة المسافة. هنا، لا تُختزل فلسطين في لحظة انفجار، بل تُقدَّم كحياةٍ مستمرة، فيها الطفل والمدرسة، الشهيد والأم، الحصار والحلم.
وفي زمن التزييف الرقمي، حيث تُدار الحروب أحيانًا بالخوارزميات قبل الدبابات، أدركت “شفا” مبكرًا أنّ معركة الوعي لا تقلّ شراسة عن معركة الأرض. فكان الحضور المتوازن في الفضاء الرقمي، دون الوقوع في فخ الإثارة الرخيصة، ودون التنازل عن الدقّة والتحقّق. حضورٌ يقول إنّ الحقيقة، مهما حوصرت، تظلّ قادرة على الوصول إذا وجدت من يحملها بإخلاص.
إنّ شبكة فلسطين للأنباء – شفا ليست شاهدًا محايدًا على الألم، بل شاهدًا عادلًا. لا تدّعي الموضوعية الزائفة التي تساوي بين الجلاد والضحية، بل تنحاز بوضوح إلى الإنسان، إلى حقه في الحياة، وإلى عدالة قضيته. وهذا الانحياز، في السياق الفلسطيني، ليس خرقًا للصحافة، بل جوهرها الأخلاقي الأعمق.
هكذا، تواصل “شفا” دورها، لا كصوتٍ إضافي في جوقة الضجيج، بل كنغمةٍ صادقة تعيد ترتيب السمع والبصيرة. تكتب لتبقى الذاكرة يقظة، ولئلا تتحوّل المأساة إلى خبرٍ منسيّ في أرشيف العالم. وفي كل سطر، تهمس بما يشبه الوصية ، هنا فلسطين، ما زالت تحكي، وما زال من يصغي.
أ. مجيدة محمدي : شاعرة و اديبة تونسية
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .