
الشَّخْصُ المُهِمّ… حين تُعرِّفُهُ الطُّفُولَةُ الفِلَسْطِينِيَّة ، بقلم : الأستاذة الدكتورة عطاف الزيات
في فلسطين، لا يُقاسُ الشَّخْصُ المُهِمّ بما يملك، بل بما يَحمي. لا يُعرَفُ من عدد كلماته، بل من قدرته على أن يكون ملاذًا لطفلٍ أنهكه الخوف، أو نافذة أملٍ في جدارٍ طويل من القلق. هنا، تُعيد الطفولة تعريف معنى الأهمية، فتجعلها أقرب إلى القلب، وأبعد عن الأضواء.
الشَّخْصُ المُهِمّ في حياة الطفل الفلسطيني هو ذاك الذي يُمسك بيده عند أوّل ارتجافة، ويُقنعه أنَّ الليل عابر مهما طال. قد يكون أمًّا تُخفي دمعتها كي لا يراها صغيرها، فتُحوِّل الخوف إلى حكاية، والوجع إلى أغنية نوم. وقد يكون أبًا يعود مُتعبًا، لكنه يبتسم ليُبقي الطمأنينة حيّة في عيون أطفاله، مُعلنًا بصمته أنَّ الأمان يبدأ من البيت.
وفي المدرسة، الشَّخْصُ المُهِمّ هو المُعلِّم الذي لا يكتفي بتعليم الحروف، بل يُعلِّم المعنى؛ معنى الوطن، ومعنى الكرامة، ومعنى أن يكون الطفل طفلًا رغم كل شيء. هو الذي يفهم أنَّ الحقيبة المدرسية في فلسطين أثقل من الكتب، وأنَّ السؤال البريء قد يحمل في داخله خوفًا لا يُقال. فيُصغي قبل أن يُجيب، ويحتوي قبل أن يُقيِّم.
الطفل الفلسطيني، الذي يكبر قبل أوانه، لا يبحث عن بطلٍ خارق، بل عن شخصٍ يُشبهه، يراه، ويعترف بوجعه، ولا يُطالبه بالقسوة. لذلك يصبح الشَّخْصُ المُهِمّ هو ذاك الذي يترك للطفل مساحةً ليحلم، حتى وهو يعيش واقعًا يحاصره. من يرسم له سماءً زرقاء في دفاتره، حين تضيق السماء في الحقيقة، ويقول له إنَّ الحلم حقٌّ لا يُصادَر.
وفي الأزقّة والمخيمات، يمرّ الشَّخْصُ المُهِمّ دون أن ننتبه، يحمل حقيبة ألعاب، أو كتابًا، أو كلمة طيّبة. هو المتطوّع، والجار، والكاتِب، وكل من آمن أن حماية الطفولة شكلٌ من أشكال المقاومة. لأنَّ الطفل الذي يُحمى اليوم، سيحمل الوطن غدًا بوعيٍ لا بكراهية، وبحبٍّ لا بانكسار.
الشَّخْصُ المُهِمّ في فلسطين لا يُنقذ العالم، لكنه يُنقذ طفلًا من الخوف، وطفلًا من الصمت، وطفلًا من فقدان المعنى. وهذا يكفي ليكون عظيمًا. فالأوطان لا تُبنى فقط بالسياسة، بل تُبنى بقلوبٍ صغيرة لم تُكسَر، وبطفولةٍ وُجِدَ فيها شخصٌ مهمّ، آمن بها حين تخلّى عنها العالم.
ذلك هو الشَّخْصُ المُهِمّ…
الذي حين ننظر إليه من عيون الطفولة الفلسطينية، نكتشف أنَّه ليس فردًا، بل رسالة، وليس اسمًا، بل أمان.
الأستاذة الدكتورة عطاف الزيات
فلسطين
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .