1:03 صباحًا / 30 يناير، 2026
آخر الاخبار

عندما تعجز الأمم المتحدة.. يصنع الأقوياء مجلسهم الخاص ، بقلم : د. فؤاد ربايعة

عندما تعجز الأمم المتحدة.. يصنع الأقوياء مجلسهم الخاص ، بقلم : د. فؤاد ربايعة

مجلس ترامب للسلام ليس مبادرة، بل قناة بديلة، قناة تُبنى خارج الأمم المتحدة، وخارج الشرعية الدولية بمعناها التقليدي، وخارج فكرة أن العالم يُدار بالتوافق أو بالقانون، لا بالصفقات والقوة.


في وقت تتعثر فيه مؤسسات النظام الدولي، خصوصاً منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن في إدارة الأزمات العالمية، برز في الأيام الأخيرة ما يمكن وصفه بأحد أبرز التحديات للنظام الدولي القائم: “مجلس السلام” الجديد الذي يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترامب. الفكرة التي تُطرح اليوم بدأت من غزة، لكنها تُقدَّم كمنصة أوسع لإدارة أزمات عالمية، وكأن الرسالة منها تقول: حين تتعطل المؤسسات الدولية، لا نُصلحها، بل نتجاوزها.


الأخطر ليس المسمى، بل المنطق؛ عضوية تُدار بقرار من المركز، ومدد زمنية قصيرة قابلة للتجديد، و”عضوية دائمة” تُربط بمساهمة مالية ضخمة تصل إلى مليار دولار وفق مسودة الميثاق المتداولة. هكذا يصبح “السلام” أقرب إلى نظام اشتراك: من يدفع يقترب من الطاولة، ومن لا يملك يُدفع إلى الهامش، ولو كانت قضيته هي جوهر الصراع.


هذا المشروع لم يأت في فراغ؛ ففي السنوات الأخيرة، شنّت إدارة ترامب الأميركية سلسلة انسحابات من هيئات دولية، معتبرة أنها لم تعد تخدم مصالح الولايات المتحدة، بينما يسعى هذا المجلس الجديد إلى استعادة دور القرار الدولي خارج إطار الأمم المتحدة التقليدي.


هنا تُفضَح حقيقة موجعة، كثير من مؤسسات النظام الدولي بدت كـبيت من زجاج؛ جميلة في الخطاب، هشة أمام اختبار القوة. يأتي رجل مثل ترامب ويقولها بلا تجميل: القوة هي الشرعية، والمال هو بطاقة الدخول، ومن يملك القرار يعيد رسم قواعد اللعبة.


الأمر هنا ليس مجرد مبادرة لإدارة ملف معين، بل مؤشر على تحول في فهم من يمتلك القوة السياسية والمالية حول كيفية إدارة العالم. فمنظمة الأمم المتحدة، التي صُمّمت بعد الحرب العالمية الثانية لتكون فضاءً شرعياً للتوافق بين الدول، تواجه اليوم بديلاً غير رسمي قائم على القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية، يضع شرط المال وقوة النفوذ في صلب عضويته وصلاحياته. فعندما يصبح الرئيس الأميركي رئيساً دائماً لمؤسسة دولية، فإن ما كان يُنظر إليه كنظام عالمي متعدد الأقطاب ومؤسسات شرعية، يتحول إلى ترتيب جديد يتجاوز التوافق الدولي لصالح من يمتلك القوة الفعلية.


الحقيقة المؤلمة هي أن الأمم المتحدة ومجلس الأمن لم يفقدا قيمتهما فقط، بل أصبحت أدوات النظام الدولي التقليدي تُستبدل أو تُحاكى من قبل من يُريد أن يعيد رسم قواعد اللعبة بنفسه. وهو ما يجعل من “مجلس السلام” الجديد، إذا ما استمر في صياغته الحالية، بديلاً شكلياً للنظام الدولي بدل أن يكون بديلاً حقيقياً في صنع السلام. وهذا يحتاج إلى قراءة نقدية أصيلة، ليس فقط من الناشطين، بل من صانعي السياسات والدبلوماسيين في العالم كله.


ولأن العالم اعتاد أن تُدار الأزمات عبر مجلس الأمن والتوازنات، فإن هذا التحول إن ترسّخ يعني شيئاً واحداً؛ نحن أمام محاولة لإعادة تصميم السياسة الدولية كمنصة يديرها الأقوياء خارج أي سقف جامع. وفي ملفات مثل غزة، يصبح الخطر مضاعفاً، لا لأن القضية تتغير، بل لأن طريقة إدارتها قد تتحول إلى نموذج “سلام بالقوة”.. وشرعية تُشترى.

شاهد أيضاً

جيانغ بين

الصين تحذر من عودة النزعة العسكرية اليابانية

شفا – حذّر متحدث باسم وزارة الدفاع الوطني الصينية، اليوم الخميس، من العودة لمسار النزعة …