
أي فتح نريد لأسر الشهداء والجرحى؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي
(المقال العشرون من سلسلة مقالات أي فتح نريد)
العدالة الاجتماعية والرعاية
مقدّمة
شكّلت حركة فتح، منذ انطلاقتها، عنوانًا للنضال الوطني الفلسطيني، وقدّمت آلاف الشهداء والجرحى والأسرى في سبيل الحرية والاستقلال. ولم يكن هؤلاء الشهداء والجرحى مجرّد أرقام في سجلّ النضال، بل كانوا أبناء هذا الشعب، وآباءه وأمهاته، وأحلامه المؤجلة. ومن خلف كل شهيد أو جريح، تقف أسرة دفعت ثمنًا باهظًا، ولا تزال تتحمّل تبعات الفقدان والألم والحرمان.
من هنا يبرز السؤال الجوهري: أي فتح نريد لأسر الشهداء والجرحى؟ هل نريد فتحًا تكتفي بالشعارات والتكريم الموسمي؟ أم فتحًا تُجسّد قيم العدالة الاجتماعية، وتوفّر الرعاية الشاملة، وتحفظ كرامة هذه الأسر باعتبارها جزءًا أصيلًا من المشروع الوطني؟
أولًا: المكانة الوطنية لأسر الشهداء والجرحى
تحتلّ أسر الشهداء والجرحى مكانة خاصة في الوعي الوطني الفلسطيني، فهي شريك حقيقي في النضال، لا يقلّ دورها عن دور من حمل السلاح أو واجه الاحتلال في الميدان. فالأسرة التي قدّمت شهيدًا أو جريحًا قدّمت جزءًا من حياتها ومستقبلها، وتحمّلت أعباء نفسية واجتماعية واقتصادية جسيمة.
إن الاعتراف بهذه المكانة لا ينبغي أن يكون رمزيًا فقط، بل يجب أن يترجم إلى سياسات واضحة، تضمن لهذه الأسر حياة كريمة، وتحميها من الفقر والتهميش والاستغلال، وتُشعرها بأن تضحياتها لم تذهب سدى.
ثانيًا: فتح كحركة تحرر ومسؤولية اجتماعية
نشأت فتح كحركة تحرر وطني، لكن دورها لم يقتصر يومًا على الكفاح المسلح أو العمل السياسي، بل حملت في جوهرها مسؤولية اجتماعية وأخلاقية تجاه أبناء شعبها، وخاصة الفئات التي دفعت الثمن الأكبر في مسيرة النضال.
وعليه، فإن رعاية أسر الشهداء والجرحى ليست عملًا إحسانيًا أو تفضّلًا تنظيميًا، بل هي واجب وطني وأخلاقي وتنظيمي. وفتح التي نريدها هي فتح التي تضع هذه الأسر في قلب أولوياتها، لا على هامش برامجها أو في ذيل اهتماماتها.
ثالثًا: العدالة الاجتماعية كمدخل أساسي للرعاية
العدالة الاجتماعية تعني توزيع الموارد والفرص بشكل منصف، وضمان الحد الأدنى من الحياة الكريمة لكل فرد، دون تمييز أو محسوبية. وعند الحديث عن أسر الشهداء والجرحى، تكتسب العدالة الاجتماعية معنى أعمق، لأنها ترتبط بجبر الضرر وتعويض الخسارة.
وتتجسّد العدالة الاجتماعية تجاه هذه الأسر في عدة أبعاد:
- العدالة الاقتصادية: توفير دخل ثابت وكافٍ يحفظ كرامة الأسرة.
- العدالة الصحية: ضمان العلاج الشامل والمستمر للجرحى وأفراد أسرهم.
- العدالة التعليمية: تمكين أبناء الشهداء والجرحى من التعليم دون عوائق مادية.
- العدالة الوظيفية: إتاحة فرص عمل عادلة لأفراد هذه الأسر بعيدًا عن الواسطة والمحسوبية.
- العدالة الاجتماعية: دمج هذه الأسر في المجتمع وحمايتها من التهميش.
رابعًا: واقع أسر الشهداء والجرحى بين التقدير والمعاناة
على الرغم من الخطاب الوطني الذي يمجّد الشهداء والجرحى، إلا أن واقع كثير من أسرهم يكشف فجوة مؤلمة بين القول والفعل. فعدد غير قليل من هذه الأسر يعاني من:
• ضيق ذات اليد وارتفاع تكاليف المعيشة.
• ضعف الخدمات الصحية، خاصة للجرحى ذوي الإعاقات الدائمة.
• صعوبات تعليمية تواجه أبناء الشهداء والجرحى.
• الإهمال النفسي والاجتماعي، خصوصًا للأمهات والأطفال.
هذا الواقع يفرض مراجعة جادة لدور فتح ومؤسساتها، والانتقال من منطق “الرعاية الطارئة” إلى سياسات رعاية مستدامة قائمة على العدالة الاجتماعية.
خامسًا: فتح التي نريدها… فتح الرعاية لا الشعارات
فتح التي نريدها لأسر الشهداء والجرحى هي فتح الفعل لا القول، وفتح البرامج لا المناسبات. هي فتح التي:
• لا تتذكّر أسر الشهداء فقط في ذكرى الانطلاقة أو المناسبات الوطنية.
• لا تختزل الرعاية في مساعدات موسمية أو وعود مؤجلة.
• لا تميّز بين أسرة وأخرى على أساس القرب أو الولاء التنظيمي.
إن الرعاية الحقيقية تعني بناء منظومة متكاملة تضمن الاستمرارية والعدالة، وتُدار بشفافية ومهنية، وتخضع للمساءلة.
سادسًا: الرعاية الشاملة كجزء من المشروع الوطني
إن رعاية أسر الشهداء والجرحى ليست ملفًا اجتماعيًا منفصلًا عن المشروع الوطني، بل هي جزء أصيل منه. فالمجتمع الذي لا يحمي أسر من ضحّوا من أجله، مجتمع مهدد في قيمه وتماسكه.
وتشمل الرعاية الشاملة:
- الرعاية الصحية: تأمين العلاج، وإعادة التأهيل، والدعم النفسي.
- الرعاية الاقتصادية: رواتب عادلة، ومشاريع تمكين اقتصادي.
- الرعاية التعليمية: منح دراسية، ودعم جامعي ومهني.
- الرعاية الاجتماعية: متابعة أوضاع الأسر اجتماعيًا ونفسيًا.
- الرعاية القانونية: الدفاع عن حقوقهم في كل المحافل.
سابعًا: الكرامة قبل المساعدة
من أهم المبادئ التي يجب أن تحكم تعامل فتح مع أسر الشهداء والجرحى هو مبدأ الكرامة الإنسانية. فهذه الأسر لا تطلب صدقات، بل تطالب بحقوق مشروعة مقابل تضحيات عظيمة.
فتح التي نريدها هي فتح التي:
• تحترم خصوصية هذه الأسر.
• ترفض استغلال معاناتها سياسيًا أو إعلاميًا.
• تُشركها في صياغة السياسات التي تمسّ حياتها.
فالكرامة ليست تفصيلًا، بل جوهر العدالة الاجتماعية.
ثامنًا: نحو رؤية فتحاوية عادلة ومنصفة
لتحقيق العدالة الاجتماعية والرعاية الحقيقية لأسر الشهداء والجرحى، تحتاج فتح إلى رؤية واضحة تقوم على:
• تحديث سياسات الرعاية بما ينسجم مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
• توحيد المرجعيات وتبسيط الإجراءات.
• إشراك أسر الشهداء والجرحى في التقييم والتطوير.
• ضمان الشفافية والرقابة على الموارد.
• الفصل بين الاستحقاق الوطني وأي اعتبارات فصائلية ضيقة.
خاتمة
إن السؤال: أي فتح نريد لأسر الشهداء والجرحى؟ ليس سؤالًا تنظيميًا فحسب، بل هو سؤال أخلاقي ووطني بامتياز. ففتح التي تحترم تاريخها، وتصون دماء شهدائها، وتُقدّر جراح جرحاها، هي فتح التي تضع العدالة الاجتماعية والرعاية في صميم مشروعها.
أسر الشهداء والجرحى لا تطالب بالمستحيل، بل تطالب بحياة كريمة، وبفتحٍ تشبه تضحيات أبنائها: صادقة، عادلة، ومسؤولة. ومن دون تحقيق ذلك، تبقى الشعارات فارغة، ويبقى الجرح مفتوحًا، وتبقى العدالة مؤجلة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .