
فتح والقرار المستقل: هل ما زال ممكنًا؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي
(المقال السابع عشر من سلسلة مقالات “أي فتح نُريد”)
الضغوط الإقليمية والدولية
تُعد مسألة القرار المستقل لأي حركة وطنية، وخصوصًا حركة التحرر الوطني مثل حركة فتح، قضية محورية في مسيرة النضال الفلسطيني. فالقرار المستقل يعني القدرة على تحديد السياسات والاستراتيجيات الوطنية دون خضوع مباشر للضغوط الخارجية، سواء كانت إقليمية أو دولية. ومع التحولات السياسية والاقتصادية العالمية، وتزايد دور القوى الإقليمية والدولية في النزاعات الداخلية، يصبح السؤال: هل ما زال قرار فتح المستقل ممكنًا؟
القرار المستقل: تعريفه وأهميته
القرار المستقل هو القدرة على اتخاذ خيارات سياسية واستراتيجية تتوافق مع مصالح الشعب وقضيته الوطنية، بعيدًا عن التأثير المباشر أو غير المباشر للقوى الخارجية. هذا النوع من القرار هو حجر الزاوية لأي مشروع تحرري، لأنه يعكس سيادة الحركة أو الدولة على إرادتها، ويمكنها من رسم سياساتها الداخلية والخارجية بما يخدم أهدافها الاستراتيجية.
أهمية القرار المستقل تتضح في عدة مستويات:
- الحفاظ على الهوية الوطنية: القرار المستقل يمنع الانصياع الأعمى لضغوط خارجية قد تضر بمصالح الشعب أو تقوض المشروع الوطني.
- الفعالية الاستراتيجية: اتخاذ قرارات مبنية على المصلحة الوطنية يعزز القدرة على التفاوض، والمواجهة، والتحرك السياسي والميداني بطريقة مدروسة.
- الشرعية الداخلية والدولية: أي قرار يعكس إرادة الحركة أو الشعب نفسه، ويكسبها الدعم الشعبي، ويزيد من شرعيتها على الساحة الدولية.
الضغوط الإقليمية: التحديات والمحددات
تتعرض حركة فتح، مثلها مثل أي حركة سياسية وطنية، لضغوط إقليمية متعددة الأوجه، تتراوح بين الدعم المشروط والمساومة السياسية. هذه الضغوط غالبًا ما تأتي من دول الجوار أو القوى الإقليمية التي ترى في فلسطين ساحة استراتيجية لتحقيق مصالحها الخاصة.
- التحالفات الإقليمية: بعض الدول الإقليمية تقدم الدعم المالي والسياسي لحركة فتح، لكنها تشترط سياسات معينة أو مواقف تتماشى مع مصالحها. هذه الديناميكية تحد من حرية القرار المستقل، حيث يصبح جزء من السياسة الفلسطينية مرتبطًا بتحقيق مصالح حلفاء إقليميين.
- التحولات الجيوسياسية: النزاعات الإقليمية المتعددة مثل الصراع السوري واليمني، أو المنافسة بين القوى الإقليمية الكبرى، تؤثر بشكل مباشر على قدرة فتح على اتخاذ قرارات مستقلة. فالتوازن بين القوى الإقليمية أحيانًا يفرض على الحركة تبني مواقف معينة لتجنب فقدان الدعم أو التعرض للضغط.
- التأثير الثقافي والسياسي: الدعم الإقليمي غالبًا ما يأتي مع رؤية سياسية أو أيديولوجية محددة، ما يخلق صراعًا داخليًا بين المصلحة الوطنية والالتزام بالممول الإقليمي.
الضغوط الدولية: المحاور والقوة المؤثرة
الضغوط الدولية تمثل عاملًا رئيسيًا يؤثر على القرار السياسي لأي حركة وطنية. في حالة فتح، هذه الضغوط تأتي من مؤسسات دولية، وقوى كبرى، وحكومات، وحتى من الرأي العام العالمي:
- التمويل الدولي: يعتمد جزء كبير من برامج ومشاريع فتح على دعم مؤسسات دولية، سواء عبر التمويل المباشر أو المساعدات الإنسانية. هذا التمويل غالبًا ما يأتي مع شروط سياسية أو اقتصادية، ما يقلص هامش الحركة المستقلة.
- القرارات الدولية: القرارات الأممية، أو السياسات الغربية، تؤثر على الفعل السياسي لفلسطين وحركة فتح، حيث قد تفرض هذه القرارات قيودًا على العمل السياسي أو العسكري، وتحدد مسارات التفاوض والمفاوضين.
- الرأي العام العالمي والإعلام الدولي: الصورة التي تقدمها وسائل الإعلام الدولية، أو الضغوط الشعبية في الخارج، تؤثر على مواقف الدول الكبرى تجاه فلسطين، ما يجعل فتح مضطرة أحيانًا لتعديل سياساتها لتتناسب مع هذه البيئة الدولية.
القرار المستقل في ظل الضغوط المزدوجة
يمكن القول إن فتح تواجه معضلة حقيقية بين الرغبة في اتخاذ قرارات وطنية مستقلة وبين الحاجة إلى التكيف مع الضغوط الإقليمية والدولية. هذه المعضلة تظهر في عدة محاور:
- التوازن بين الاستقلال والمصالح الواقعية: الحفاظ على القرار المستقل يتطلب أحيانًا رفض عروض دعم مغرية، أو اتخاذ مواقف صعبة، ما قد يترتب عليه خسارة الدعم المالي أو السياسي.
- الاستراتيجية المزدوجة: حركة فتح تحتاج إلى وضع استراتيجيات تسمح لها بتحقيق أهدافها الوطنية، مع مراعاة العوامل الإقليمية والدولية. وهذا يتطلب قدرة على التفاوض الذكي، والمراوغة الدبلوماسية، وفتح قنوات متعددة للتأثير.
- التحالفات الانتقائية: يمكن للقرار المستقل أن يتحقق جزئيًا من خلال تحالفات مرنة، حيث تتعاون الحركة مع دول أو فواعل إقليمية ودولية، لكن دون الالتزام الكلي بأي أجندة خارجية قد تضر بالقضية الوطنية.
أمثلة تاريخية
تاريخ حركة فتح مليء بمحاولات للحفاظ على القرار المستقل وسط ضغوط خارجية:
- في مرحلة التسعينيات، أثناء مفاوضات أوسلو، كان على فتح التوازن بين الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، وبين مطالب الشعب الفلسطيني، ما أدى إلى اتخاذ قرارات سياسية محددة ساعدت على تحقيق اعتراف دولي، لكنها أثارت جدلًا داخليًا حول حدود الاستقلال في القرار السياسي.
- خلال الفترات التي شهدت صراعات إقليمية في لبنان وسوريا، كانت فتح مضطرة أحيانًا للتكيف مع الظروف الإقليمية لتأمين دعم سياسي وعسكري، ما أبرز تحدي الحفاظ على القرار المستقل في ظل التحالفات الإقليمية.
آليات تعزيز القرار المستقل
رغم هذه التحديات، هناك آليات يمكن أن تساعد حركة فتح على تعزيز قرارها المستقل:
- تنويع مصادر الدعم: الابتعاد عن الاعتماد الكامل على جهة واحدة إقليمية أو دولية، والعمل على تأمين مصادر متعددة للدعم المالي والسياسي.
- تعزيز الوحدة الوطنية: القرار المستقل يحتاج إلى قاعدة وطنية متماسكة، حيث تكون مصلحة الشعب هي المرجعية العليا لكل قرار سياسي.
- بناء القدرات الداخلية: الاستثمار في قدرات الفعل السياسي والدبلوماسي والمجتمعي داخليًا، ما يقلل من الحاجة إلى الاعتماد على الدعم الخارجي.
- التواصل الاستراتيجي مع المجتمع الدولي: الانخراط في مؤسسات دولية بشكل فعال يتيح فرصًا للضغط على الاحتلال، دون الالتزام الكامل بأجندات الدول الكبرى.
خاتمة
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن قرار فتح المستقل ما زال ممكنًا، لكنه مشروط بإدراك التحديات الإقليمية والدولية، وبالقدرة على إدارة الضغوط بذكاء وحكمة. القرار المستقل ليس مجرد شعار، بل هو ممارسة مستمرة تتطلب استراتيجية شاملة، توازن بين المصالح الوطنية والضغوط الخارجية، وتستثمر كل الموارد السياسية والدبلوماسية لتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني. الفعل السياسي المستقل يمثل حجر الزاوية في أي مشروع وطني ناجح، وهو السبيل لتحقيق الحرية والكرامة والاستقلال على المدى الطويل.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .