
عندما يلتقي التراث بالتكنولوجيا: حكايات صغيرة عن تطور الذكاء الاصطناعي في الصين عام 2025 ، بقلم : ريماس الصينية
في يناير 2025، وفي إحدى شركات التكنولوجيا بمدينة هانغتشو الصينية، ضغط مجموعة من المهندسين الصينيين على زر التشغيل. وبعد ثوانٍ قليلة، وُلد نموذج ذكاء اصطناعي يحمل اسم DeepSeek. لم يكن مجرد إنجاز تقني جديد، بل منصة قادرة على التحدث بالعربية بطلاقة مع مستخدمين في عدد من الدول العربية، وكتابة خطط أعمال لرجال أعمال في المنطقة، وشرح مسائل رياضية معقدة لطلاب عرب. في تلك اللحظة، بدأ العالم يلاحظ أن الذكاء الاصطناعي الصيني لم يعد في الهامش، بل شق طريقه بهدوء إلى قلب المشهد العالمي.
وبعد أيام قليلة، وعلى خشبة المسرح الأوسع مشاهدة في الصين خلال احتفالات عيد الربيع، ظهرت مجموعة من الروبوتات المطوّرة من شركة يونيتري للتكنولوجيا، وهي تؤدي رقصة اليانغقه الشعبية التقليدية. حركات مرنة، خطوات دقيقة، وإيقاع متناسق يوحي بأن هذه الآلات تمتلكت شيئًا من الروح الإنسانية. هذا العرض الذي وصفه كثيرون برقصة اليانغقه السيبرانية انتشر سريعًا على منصات التواصل حول العالم، حاملاً رسالة واضحة مفادها أن الابتكار في الصين لم يعد يفصل بين الثقافة العريقة والتكنولوجيا المتقدمة، بل يجمع بينهما في صورة واحدة.
الابتكار يولد من القيود
في مواجهة القيود التقنية الخارجية، لم تنتظر الشركات الصينية الحلول الجاهزة، بل اختارت أن تشق طريقها بنفسها. وكما يفعل بستاني ماهر حين يزرع زهرة بين الصخور، وجد المهندسون الصينيون طرقًا مبتكرة لتحقيق نتائج لافتة في ظروف محدودة. فريق DeepSeek لم يراهن على أحدث العتاد فحسب، بل ركّز على التصميم الذكي للخوارزميات، ليجعل الذكاء الاصطناعي أكثر كفاءة وأقل استهلاكًا للطاقة. أما شركة يونيتري، فقد اختارت أن تجعل الروبوتات ترقص، في رسالة مفادها أن الابتكار يمكن أن يكون واقعيا وقريبًا من الناس.
ما يميز مسار الابتكار في الصين هو ابتعاده عن اللهث وراء الأرقام الاستعراضية، وتركيزه على حل مشكلات واقعية. هذا النهج العملي سمح للتقنيات الجديدة بالخروج سريعًا من المختبرات، والدخول إلى المصانع وورش الإنتاج، ثم إلى الحياة اليومية للناس.
أجنحة ذكية للصناعات التقليدية
لا تزال الصناعات التقليدية تشكّل العمود الفقري للاقتصاد الصيني، فهي تنتج معظم السلع اليومية وتوفّر ملايين فرص العمل. وتدرك الحكومة الصينية أن هذه الصناعات تشبه جذور شجرة كبيرة، لا يمكن التخلي عنها، بل يجب تقويتها ومساعدتها على النمو.
اليوم، يمنح الذكاء الاصطناعي هذه الصناعات أجنحة ذكية. ففي مصنع إلكترونيات بمقاطعة قوانغدونغ، تعمل أنظمة الفحص الذكية كعين لا تعرف التعب، قادرة على رصد عيوب دقيقة تعجز العين البشرية عن ملاحظتها. وفي مصانع النسيج بمقاطعة تشجيانغ، تقوم أنظمة ذكية بدور منسق خبير، توزع العمل بين الآلات بكفاءة عالية، ما يرفع الإنتاجية بشكل ملحوظ. أما في الحقول الزراعية بمقاطعة شاندونغ، فتتعاون الطائرات المسيّرة مع التحليل الذكي لتوجيه المزارعين بشأن أفضل أوقات الري والتسميد.
هذه التحولات لا تهدف إلى استبدال العمال، بل إلى تخفيف أعبائهم ورفع كفاءة عملهم. فبدلاً من قضاء ساعات طويلة في الفحص اليدوي، يتعلم العمال تشغيل الأنظمة الذكية والإشراف عليها، ليصبحوا قادة للتكنولوجيا لا ضحايا لها. وهو ما ينسجم مع الرؤية الصينية التي تؤكد أن الابتكار يجب أن يمنح الصناعات التقليدية حياة جديدة.
بيئة داعمة لنمو الابتكار
لم يأتِ التطور السريع للذكاء الاصطناعي في الصين من فراغ، بل كان ثمرة منظومة متكاملة. فكما تحتاج الشجرة إلى تربة خصبة ومياه وضوء، وفّرت الصين بيئة مناسبة لنمو الابتكار.
على مستوى السياسات، وضعت الدولة خارطة طريق واضحة لتطوير الذكاء الاصطناعي. وعلى مستوى البنية التحتية، جرى بناء شبكات واسعة من الجيل الخامس ومراكز الحوسبة السحابية. أما على مستوى الموارد البشرية، فيتجه عدد متزايد من الشباب لدراسة علوم الذكاء الاصطناعي. والأهم من ذلك، تشكّل نموذج تعاون وثيق بين الجامعات والشركات والمصانع، حيث تطوّر الجامعات التقنيات، وتحولها الشركات إلى منتجات، بينما توفّر المصانع سيناريوهات التطبيق العملي والتغذية العكسية.
في هذا الإطار، تعمل الصين حاليًا على إعداد جيل جديد من الكفاءات في مجال الذكاء الاصطناعي. فقد افتتحت مئات الجامعات برامج وتخصصات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب مبادرات تعليمية مرنة تساعد طلاب تخصصات مختلفة على اكتساب مهارات رقمية، بما يلبي حاجة الصناعات إلى كوادر متعددة التخصصات.
ابتكار متجذر في الواقع
تجربة الصين في مجال الذكاء الاصطناعي تقدم درسًا بسيطًا لكنه بالغ الأهمية: الابتكار الأكثر حيوية هو ذلك الذي ينطلق من فهم عميق للاحتياجات الواقعية. فبدلاً من السعي وراء تقنيات بعيدة عن الاستخدام اليومي، تطرح الصين أسئلة عملية: ما المشكلة التي يمكن حلها؟ من المستفيد؟ وما القيمة المضافة؟
من الحوار الذكي الذي يقدمه DeepSeek، إلى الرقص المرن لروبوتات يونيتري، ومن أنظمة الفحص في المصانع إلى الإدارة الدقيقة للحقول الزراعية، ترتبط كل خطوة تقنية بحاجات حقيقية. هذا المنهج القائم على الطلب يمنح الابتكار اتجاهًا واضحًا وقدرة على الاستمرار.
عصر ذكي بنكهة إنسانية
في عام 2025، تسير الصين في مسار تكنولوجي خاص بها، مسار متجذر في قاعدتها الصناعية الواسعة وفي تفاصيل الحياة اليومية، ويركّز على جعل الصناعات التقليدية أكثر ذكاءً وكفاءة.
من اختراقات الخوارزميات في المختبرات، إلى التحول الذكي في المصانع، ومن ابتكار الشركات التكنولوجية، إلى رفع كفاءة القطاعات التقليدية، تحمل قصة الذكاء الاصطناعي في الصين طابعًا عمليًا وإنسانيًا في آن واحد. فهي لا تصنع شركات مبتكرة فحسب، بل تفتح أيضًا آفاقًا جديدة أمام آلاف المصانع لتجديد نفسها عبر التحول الذكي.
تجربة الصين تشير إلى أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في التقنيات الخارقة البعيدة عن الواقع، بل في قدرته على دخول المصانع والحقول وحياة الناس اليومية، ليصبح أداة تساعد على العمل بشكل أسهل، وتدعيم التنمية المستدامة للصناعات التقليدية.
هذه الممارسات الحية في المصانع والحقول الصينية تعكس جوهرًا واحدًا: تسخير التكنولوجيا المتقدمة لخدمة أكثر الاحتياجات الصناعية شيوعًا. ومن خلال هذه التجربة المتجذرة في السياق المحلي، تراكمت لدى الصين خبرات يمكن تبادلها. كما تؤكد الصين استعدادها، بروح منفتحة، لتبادل الخبرات مع الدول العربية وشركائها الإقليميين، واستكشاف مسارات متعددة لتوظيف التكنولوجيا في خدمة الاقتصاد الحقيقي، بما يضمن أن تعود ثمار التقدم التقني على شريحة أوسع من المجتمعات، وأن تسهم الابتكارات الرقمية في دعم التنمية المستدامة وخلق فرص جديدة في مختلف أنحاء العالم العربي.
- – ريماس الصينية – صحفية في CGTN العربية – الصين
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .