4:18 مساءً / 15 يناير، 2026
آخر الاخبار

فتح والإعلام : خطاب يوحّد أم يفرّق ؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي

فتح والإعلام : خطاب يوحّد أم يفرّق ؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي


(المقال الرابع عشر من سلسلة مقالات “أي فتح نُريد”)

الإعلام الوطني والمسؤول

مقدمة

يلعب الإعلام دورًا محوريًا في تشكيل الرأي العام وتوجيه المجتمعات نحو أهدافها الوطنية والاجتماعية. فهو أكثر من مجرد وسيلة لنقل الأخبار؛ فهو أداة قوية لبناء الوعي الجماعي، وتحديد الأولويات الوطنية، وصياغة الهوية الثقافية والسياسية للشعوب. وفي السياق الفلسطيني، تبرز العلاقة بين حركة فتح والإعلام الوطني كأحد أبرز النماذج التي تكشف عن قدرة الإعلام على أن يكون جسرًا للوحدة أو أداة للانقسام بحسب طريقة استخدامه ومضمون خطاباته.

حركة فتح، باعتبارها الحركة الوطنية الرئيسة في فلسطين، لعبت دورًا تاريخيًا في الإعلام السياسي. من خلال صحفها ومجلاتها، وإذاعاتها الرسمية، ومنصاتها الرقمية الحديثة، حاولت فتح نقل رسالة نضال الشعب الفلسطيني، وتعزيز الهوية الوطنية، وفي الوقت نفسه، أحيانًا، شددت على الخلافات الداخلية والصراعات مع فصائل أخرى. هذا التناقض يجعل موضوع الإعلام الوطني والمسؤول قضية أساسية لفهم ديناميات الوحدة والانقسام في المجتمع الفلسطيني.

الإعلام السياسي: أداة للتأثير أم مجرد نقل للخبر؟

الإعلام السياسي هو أكثر من مجرد قناة لنقل الأخبار؛ إنه أداة لتشكيل المواقف والاتجاهات العامة للجمهور. ويتميز بقدرته على العمل في اتجاهين متعاكسين:

  1. تعزيز الوحدة: عندما ينقل الإعلام رسائل وطنية شاملة، ويركز على نقاط الالتقاء بين مختلف الفئات، فإنه يعزز شعور الانتماء، ويقوي اللحمة الاجتماعية، ويحفّز المشاركة المدنية البناءة.
  2. توسيع الانقسام: عند استخدامه للتركيز على الخلافات الداخلية، أو تصعيد الصراعات، أو توجيه خطاب تحريضي ضد فئة معينة، يتحول الإعلام إلى أداة للانقسام، وقد يؤدي إلى زعزعة الثقة بين المواطنين والمؤسسات الوطنية.

في حالة حركة فتح، يمكن ملاحظة هذين الوجهين بوضوح. فقد استُخدم الإعلام الوطني لتعزيز الهوية الفلسطينية والمصالحة بين الفصائل في بعض الفترات، بينما في أحيان أخرى كان مجالًا لتصفية الحسابات السياسية الداخلية، مما أثر على صورة الحركة لدى الجمهور.

الإعلام الوطني لفتح: أبعاده التاريخية والسياسية

تاريخيًا، أدركت حركة فتح منذ بداياتها أهمية الإعلام كوسيلة لتشكيل الرأي العام الفلسطيني والعربي. وقد امتد دور الإعلام عبر مراحل متعددة:

  • الصحافة المطبوعة: لعبت الجرائد والمجلات دورًا أساسيًا في نشر الرسائل السياسية والثقافية، وتوضيح أهداف الحركة، وتعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية.
  • الإذاعة والتلفزيون: وسيلة مهمة لتوسيع دائرة التأثير، خاصة في المناطق التي كان يصعب الوصول إليها، مثل المخيمات الفلسطينية والدول العربية الداعمة للقضية الفلسطينية.
  • الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي: أصبح اليوم أداة أساسية للوصول إلى الشباب، وللتفاعل المباشر مع الجمهور، ولتعزيز الحملات الوطنية وتوضيح المواقف السياسية في الوقت الحقيقي.

هذا التوسع في أدوات الإعلام أتاح لحركة فتح الوصول إلى شرائح واسعة من الشعب الفلسطيني، لكنه أيضًا خلق تحديات جديدة، خاصة فيما يتعلق بالتحكم في الرسائل الإعلامية ومنع استخدامها لتأجيج الانقسامات الداخلية.

خطاب فتح الإعلامي: بين الوحدة والانقسام

يمكن تحليل خطاب فتح الإعلامي من منظورين متناقضين:

أولا: عناصر الوحدة

  1. الهوية الوطنية المشتركة: يركز الإعلام الرسمي للحركة على التاريخ والنضال الفلسطيني، وعلى الحقوق الوطنية الثابتة، مثل حق العودة والاستقلال الوطني، مما يعزز الشعور بالانتماء المشترك.
  2. تعزيز الحوار والتفاهم الداخلي: كثيرًا ما يتضمن الإعلام الوطني برامج ومبادرات تشجع على التفاهم بين مختلف الفصائل، وعلى نبذ العنف الداخلي، وترسيخ قيم المصالحة.
  3. التواصل مع المجتمع الدولي: يسعى الإعلام الوطني لفتح إلى نقل صورة إيجابية عن القضية الفلسطينية، وتسليط الضوء على التحديات التي يواجهها الشعب الفلسطيني، من أجل الحصول على الدعم السياسي والدبلوماسي

ثانيا: عناصر الانقسام

  1. لغة الخلافات الداخلية: في أحيان كثيرة، يتم استخدام الإعلام لتسليط الضوء على الخلافات بين فتح والفصائل الأخرى، مثل حماس والجبهات الفلسطينية المختلفة، ما يثير الانقسام بين الجماهير.
  2. تصفية الحسابات السياسية: بعض البرامج والمقالات قد تكون موجهة لتشويه صورة الأطراف الأخرى، بدلاً من التركيز على القضايا الوطنية المشتركة.
  3. إثارة التحريض أو الجدل: استخدام الإعلام للتحريض السياسي الداخلي أو نشر معلومات مشكوك فيها قد يساهم في ضعف الثقة العامة بالرسائل الوطنية.
    هذا التباين يوضح أن الإعلام الوطني لحركة فتح يمكن أن يكون أداة توحيد قوية، لكنه يحتاج إلى إدارة دقيقة ومسؤولة لضمان عدم الانزلاق نحو خطاب مفرّق.

الإعلام الوطني والمسؤولية الاجتماعية
يترتب على الإعلام الوطني مسؤولية كبيرة تجاه المجتمع، تتمثل في ثلاثة محاور رئيسية:

  1. الدقة والمصداقية: يجب أن يقدم الإعلام معلومات صحيحة وموثوقة، بعيدًا عن التضليل أو الدعاية المفرطة، لضمان بناء رأي عام واعٍ.
  2. تعزيز الحوار والمصالحة: يجب تجنب خطاب الكراهية والتحريض، والتركيز على نقاط الالتقاء بين مختلف الفصائل والجماعات.
  3. توجيه المجتمع نحو المستقبل: يمكن للإعلام أن يكون أداة تعليمية وتوعوية لتعزيز قيم الانتماء، والمشاركة المدنية، والتفاهم بين الشباب.

عندما يتحقق هذا المستوى من المسؤولية، يتحول الإعلام الوطني إلى جسر يربط بين القيادة والشعب، ويعزز الوحدة الوطنية بدلًا من الانقسام الداخلي.

تحديات الإعلام السياسي لفتح

يواجه الإعلام السياسي لحركة فتح تحديات عدة تجعل من دوره التوحيدي مهمة معقدة:

  1. التنافس الداخلي بين الفصائل: يخلق صعوبة في تقديم خطاب موحد يعكس المصلحة الوطنية العليا، خاصة في أوقات الانتخابات أو النزاعات الداخلية.
  2. التأثيرات الخارجية: تحاول بعض الجهات الإقليمية والدولية التأثير على الإعلام الفلسطيني لتوجيهه نحو الانقسام، أو لتسليط الضوء على نقاط ضعف الحركة.
  3. التحولات الرقمية: انتشار وسائل التواصل الاجتماعي جعل الجمهور أكثر قدرة على نقد الرسائل الإعلامية، ما يفرض على الإعلام أن يكون أكثر شفافية وموضوعية.

رغم هذه التحديات، يمكن للإعلام الوطني أن يظل أداة فعالة لتقليل الانقسامات إذا التزم بالموضوعية، والشفافية، والتركيز على القيم الوطنية العليا.

أمثلة عملية على الإعلام الموحد

هناك عدة أمثلة تثبت أن الإعلام الوطني يمكن أن يكون أداة لتوحيد المجتمع:

  1. البرامج الوثائقية عن التاريخ النضالي: عرض البطولات والتضحيات المشتركة لجميع الفصائل، مما يعزز الهوية الوطنية ويقوي الشعور بالانتماء.
  2. الحملات الإعلامية التوعوية: مثل حملات التوعية حول التعليم، والصحة، والحقوق المدنية، والتي تجمع مختلف الفئات حول قضية مشتركة.
  3. الرسائل الرقمية على منصات التواصل الاجتماعي: استخدامها لنشر قيم التسامح، والحوار، والمصالحة بين الشباب الفلسطيني.

هذه الأمثلة توضح أن الإعلام الوطني، عند توجيهه بشكل مسؤول، يمكن أن يكون قوة موحدة، ويقلل من الانقسامات الداخلية، ويعزز المشاركة المجتمعية البناءة.

الاستنتاج: الإعلام الوطني بين الوحدة والانقسام

يمكن القول إن الإعلام الوطني لحركة فتح يمثل أداة مزدوجة:

  • أداة للتوحيد: عندما ينقل رسائل وطنية شاملة، ويركز على نقاط الالتقاء، ويعزز الهوية الفلسطينية المشتركة.
  • أداة للانقسام: عندما يتم استخدامه لتصفية الحسابات السياسية أو تسليط الضوء على النزاعات الداخلية.

مسؤولية الإعلام الوطني تكمن في الالتزام بالمبادئ الأخلاقية، وضمان أن يكون خطاب الإعلام خدمة للمجتمع، وليس أداة للفرقة. ويحتاج ذلك إلى تدريب الإعلاميين، ووضع استراتيجيات واضحة لإدارة الرسائل الإعلامية، ومتابعة دقيقة للتأثيرات الرقمية والإقليمية.

خاتمة

الإعلام الوطني لحركة فتح يظهر بوضوح كيف يمكن للإعلام أن يكون قوة موحدة أو مفرقة بحسب استخدامه ومحتواه. فالإعلام المسؤول، القائم على المصداقية، والشفافية، والتركيز على القيم الوطنية، قادر على تعزيز الوحدة الوطنية، وتقوية اللحمة الاجتماعية، ونقل الصورة الحقيقية للقضية الفلسطينية إلى الداخل والخارج.

في المقابل، أي استخدام إعلامي يستهدف الانقسام الداخلي أو تصفية الحسابات السياسية يهدد استقرار المجتمع ويضعف مصداقية الحركة. ولذلك، يكمن التحدي الأساسي في تحويل الإعلام من مجرد وسيلة لنقل الأخبار إلى أداة لبناء مجتمع واعٍ ومتماسك، قادر على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، والمحافظة على هويته الوطنية.

في النهاية، يمكن تلخيص الرسالة الأساسية في أن الإعلام الوطني ليس مجرد أداة لنشر الأخبار، بل هو رافعة استراتيجية للوحدة الوطنية، ومسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع، وفرصة لتعزيز قيم الحوار، والمصالحة، والانتماء الوطني.

شاهد أيضاً

د. مجدلاني يودّع السفير الصيني تسنغ جيشين بمناسبة انتهاء مهامه الرسمية في فلسطين ويثني على جهوده وقوة العلاقات الثنائية

د. مجدلاني يودّع السفير الصيني تسنغ جيشين بمناسبة انتهاء مهامه الرسمية في فلسطين ويثني على جهوده وقوة العلاقات الثنائية

شفا – التقى عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الأمين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني …