10:58 مساءً / 14 يناير، 2026
آخر الاخبار

قراءة في البنية النفسية والقضايا الفكرية والإنسانية لرواية «صرخة الرفض» لمختار سعيدي ، بقلم : مجيدة محمدي

قراءة في البنية النفسية والقضايا الفكرية والإنسانية لرواية «صرخة الرفض» لمختار سعيدي ، بقلم : مجيدة محمدي

قراءة في البنية النفسية والقضايا الفكرية والإنسانية لرواية «صرخة الرفض» لمختار سعيدي ، بقلم : مجيدة محمدي

تندرج رواية «صرخة الرفض» للكاتب الجزائري مختار سعيدي ضمن المتن السردي العربي الذي جعل من التجربة الإنسانية المأزومة محورًا بنيويًا وجماليًا، حيث لا تُقرأ الرواية بوصفها حكايةً عن فردٍ معزول فحسب، بل بوصفها تشريحًا دقيقًا لآليات الرفض التي ينتجها المجتمع ويعيد ضخّها في وعي الفرد حتى تتحوّل إلى بنية نفسية مقيمة. إن هذا النص الروائي، ينهض بوظيفة فكرية وإنسانية كثيفة، ويقترح قراءة وجودية للذات المهمَّشة داخل فضاء اجتماعي يشتغل بمنطق الإقصاء الصامت أكثر مما يشتغل بمنطق العنف المباشر.


تنطلق الرواية من بنية سردية تقوم على التكثيف لا على الامتداد، وعلى الحفر في الداخل النفسي للشخصية أكثر من تتبّع الحدث الخارجي. فالزمن في «صرخة الرفض» ليس زمنًا تاريخيًا مضبوطًا، بل زمن نفسي متشظٍّ، يتداخل فيه الماضي بالحاضر، وتعود فيه الطفولة بوصفها جذرًا أوليًا لكلّ ما سيأتي لاحقًا من انكسارات. ومنذ الصفحات الأولى، يتّضح أن الكاتب لا يسعى إلى بناء حبكة تقليدية تقوم على تعاقب الأحداث، وإنما يشتغل على بناء حالة شعورية، تتحوّل فيها الرواية إلى فضاء اعتراف داخلي طويل، وإلى ما يشبه المونولوج الوجودي الذي يكشف طبقات الوعي المتصدّع.
الشخصية المحورية في الرواية – وهي شخصية بلا اسم واضح أو ملامح فردية دقيقة – تمثّل اختيارًا واعيًا من الكاتب لتجريد الشخصية من خصوصيتها الفردية وتحويلها إلى نموذج إنساني عام. هذا الغياب الاسمي ليس نقصًا سرديًا، بل هو آلية فنية تهدف إلى تعميم التجربة، بحيث يصبح البطل مرآةً لكلّ ذاتٍ تعرّضت للإقصاء أو النبذ أو التهميش. إن هذه الشخصية لا تُقدَّم بوصفها ضحيةً ساذجة، بل بوصفها كائنًا واعيًا بتشظّيه، مدركًا أن الرفض الذي يمارَس عليه ليس حادثًا عابرًا، بل منظومة متكاملة تتغلغل في الأسرة، وفي المدرسة، وفي اللغة اليومية، وفي النظرة الاجتماعية إلى الاختلاف.


يبرز الرفض في الرواية بوصفه قوّة غير مرئية، لا تصرخ ولا تضرب، لكنها تفعل ما هو أخطر: تُقصي، وتتجاهل، وتسحب الاعتراف. فالذات في «صرخة الرفض» لا تُقمع عبر عنف فجّ، بل تُقمع عبر اللامبالاة، عبر الشعور المستمر بعدم الجدوى، وبعدم الاستحقاق، وبعدم الانتماء. وهنا تكمن إحدى أهم القضايا الفكرية التي تطرحها الرواية، وهي أن العنف الرمزي قد يكون أشدّ فتكًا من العنف المادي، لأنه يزرع الشك في صميم الوعي، ويحوّل الإنسان إلى خصمٍ لنفسه.

تتشكّل الشخصية الرئيسية عبر مسار نفسي تصاعدي، يبدأ من الإحساس الغامض بالاختلاف، ثم يتطوّر إلى وعي مؤلم بالرفض الاجتماعي، ثم ينتهي إلى لحظة الانفجار الرمزي التي تتمثّل في «الصرخة». هذه الصرخة لا تُفهم بوصفها ردّ فعل انفعاليًا فقط، بل بوصفها لحظة وعي قصوى، لحظة يلتقي فيها الألم بالإدراك، ويتحوّل الصمت الطويل إلى خطاب احتجاجي. الصرخة هنا ليست موجّهة إلى فردٍ بعينه، بل إلى المجتمع بوصفه كيانًا ضاغطًا، وإلى الذات بوصفها شريكًا في القبول الطويل بالمهانة.

أما الشخصيات الثانوية في الرواية، سواء أكانت أسرية أم اجتماعية، فإنها لا تؤدّي دورًا سرديًا مستقلًا، بل تُقدَّم بوصفها تمثيلات لوظائف اجتماعية محددة. الأب، الأم، المحيط القريب، جميعهم يتحوّلون إلى عناصر ضمن شبكة ضغط، يساهم كلّ واحدٍ منهم، بوعي أو بغير وعي، في إعادة إنتاج الرفض. الأسرة في الرواية لا تظهر كملاذٍ حميمي، بل كامتداد للمجتمع، وكحاضنة أولى لزرع الإقصاء. وبهذا المعنى، تكشف الرواية عن فشل البنى التقليدية في أداء وظائفها الإنسانية، وتُظهر كيف يمكن للمؤسسات الصغيرة أن تكون مختبرًا مبكرًا للقهر.

على المستوى الفكري، تشتبك الرواية مع أسئلة الهوية والانتماء والاعتراف. فالذات الساردة لا تبحث فقط عن مكان لها في المجتمع، بل تبحث عن معنى لوجودها ذاته. وهذا ما يجعل «صرخة الرفض» نصًا قريبًا من الأدب الوجودي، حيث يتقاطع السؤال الاجتماعي مع السؤال الفلسفي: ماذا يعني أن تكون إنسانًا في عالم لا يعترف بك؟ وكيف يمكن للذات أن تحافظ على تماسكها في مواجهة التفكك المستمر؟ إن الرواية لا تقدّم أجوبة جاهزة، بل تترك الأسئلة مفتوحة، وتدفع القارئ إلى المشاركة في إنتاج المعنى.

كما تطرح الرواية قضية الصمت بوصفه شكلًا من أشكال التواطؤ. فالصمت الجماعي إزاء الإقصاء، وتطبيع التهميش، يحوّلان الرفض إلى بنية ثقافية مستقرة. ومن هنا، تصبح الصرخة فعلًا أخلاقيًا قبل أن تكون فعلًا نفسيًا، لأنها تفضح هذا الصمت وتكسره. غير أن الرواية، في ذكاءٍ فنيّ لافت، لا تمنح الصرخة خاتمة خلاصية، بل تتركها معلّقة، مفتوحة على احتمالات متعددة، وهو ما يعكس وعي الكاتب بأن الوعي وحده لا يكفي، وأن طريق التحرّر أكثر تعقيدًا من لحظة تمرّد واحدة.

إن «صرخة الرفض» رواية تُراهن على القارئ الواعي، وتستفزّ حساسيته الفكرية والإنسانية، لأنها لا تسرد مأساة جاهزة، بل تكشف عن آليات إنتاجها. وهي بذلك تندرج ضمن الأدب الذي لا يكتفي بتمثيل الألم، بل يسعى إلى تفكيكه وتحليله، وإلى مساءلة المجتمع من داخله. ومن هنا، يمكن القول إن مختار سعيدي قدّم في هذا العمل نصًا سرديًا مكثفًا، شديد الوعي بوظيفته النقدية، وقادرًا على مساءلة القارئ بقدر ما يُحرّك تعاطفه.

في المحصلة، تمثّل «صرخة الرفض» كتابةً ضدّ المحو، وضدّ التطبيع مع الإقصاء، وضدّ تحويل الإنسان إلى هامش. إنها رواية عن الإنسان حين يُدفع إلى الزاوية، وعن اللغة حين تتحوّل إلى آخر حصون الدفاع عن الذات. وهي، قبل كلّ شيء، نصٌّ يذكّر بأن الصمت ليس حيادًا، وأن الرفض حين لا يُواجَه يتحوّل إلى قدرٍ جماعي.

المراجع المعتمدة (للتوثيق الأكاديمي):
– مختار سعيدي، صرخة الرفض، الجزائر، دار النشر (حسب الطبعة المعتمدة).
– هويدة عبد العزيز، «السمات الروائية في رواية صرخة الرفض»، الملتقى العربي للأدباء، 2021.
– عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير: من البنيوية إلى التشريحية، المركز الثقافي العربي.
– بيير بورديو، الهيمنة الذكورية (في مفهوم العنف الرمزي)، ترجمة عربية.

شاهد أيضاً

وزير الحكم المحلي يفتتح مشاريع تطويرية في محافظة بيت لحم ويتفقد هيئات محلية

وزير الحكم المحلي يفتتح مشاريع تطويرية في محافظة بيت لحم ويتفقد هيئات محلية

شفا – افتتح وزير الحكم المحلي سامي حجاوي، اليوم الأربعاء، عدة مشاريع تطويرية للطرق في …