9:04 مساءً / 14 يناير، 2026
آخر الاخبار

قصة ” أبو محمود وشجرة التين ” بقلم : الكاتب نصير أحمد الريماوي

قصة ” أبو محمود وشجرة التين ” بقلم : الكاتب نصير أحمد الريماوي


كنت أراه دائما في حركة دؤوبة، شاب مربوع القامة، ويشع الحماس من وجهه البُني، وتتربع على ذقنه (سكسوكة) كثّة خطّها الشيب، ويعلوها شعر العنفقة، تعانق شعر طرفي شاربه النابت على الشفة العليا..


عاش “أبو محمود”، وكبر وترعرع في بيت والده المحاذي للشارع الرئيس في قرية “أبو قش” مع كِبر وترعرع شجرة التين من نوع “الدافور”، التي زرعها والده في الستينيات أمام المنزل، بمحاذاة الشارع العام.


مع مرور الوقت، صارت شجرة التين وارفة الظلال، وغزيرة الثمار، واعتاد أفراد الأسرة جميعهم الجلوس تحت ظلها الظليل، يحتسون الشاي والقهوة، ويتجاذبون أطراف الحديث في شؤون حياتهم، ويتسامرون، وعندما تنضج ثمارها أثناء فصل الصيف، يأكلون من ثمارها اللذيدة، ويوزعون على الأقارب، كما أن بعض المارة في الشارع يقطفون من ثمارها، نظرا لأن فروعها مُتدلية من فوق سور المنزل ناحية الشارع…


بعد وفاة الوالد – طيب الله ثراه وأحسن مثواه- واظب “أبو محمود” على الإعتناء بها باستمرار بعد عودته من العمل: يُسمِّدُها، ويقلِّمها لتشبيب فروعها، ويرويها، وينظف تحتها، وأخيرا قص عددا من فروعها، وعَمِد إلى تطعيمها بعدة أنواع(حماضي وخضاري وخرتماني..)، وصارت تعطي ثمارا متنوعة، ويرشها بالمبيدات ضد الحشرات الضارة، ويسقيها من عرق جبينه كأنها طفل من أطفاله، وفرد من أفراد أسرته، فنشأت بينهما علاقة تاريخية، وحافظة لأسراره..


من الجدير ذكره، هناك العديد من الأشجار التي دوّنها التاريخ، ونشأت علاقة جدلية بين الإنسان الفلسطيني وبينها، مثل: شجرة الزيتون التي ترمز إلى كينونته، وتجذُّر وجوده على هذه الأرض، وأصبحت رمزا للسلام، كما شكلت شجرة الزيتون أيضا، معضلة في العقل الكولونيالي الصهيوني، الذي يسعي دائما للاستحواذ على روايتها واقتلاعها، وما نراه من إقدام الاحتلال، وقطعان المستوطنين على قطع أشجار الزيتون وتدميرها إلا دليلا على ذلك.. وهناك أشجار كان يجتمع الثُّوار تحت ظلها، يتناقشون في شؤون الوطن وهموم الشعب، مثل: شجرة “الكينا” في بلدة”بيت ريما”، التي ما زالت شامخة في بستان منزل “د. قاسم الريماوي”، وحافظة لأسرار الثّوار زمن الجهاد المقدس، وهناك الكثير من الأشجار في فلسطين التي تروي قصصا، وشاهدة على الأحداث المؤلمة…إلخ.


نعود إلى شجرة التين هذه، لقد كانت تبتهج أيما ابتهاج كلما جاءها “أبو محمود”، تموج بأغصانها في كل الاتجاهات، وتعطيه من ثمرها العسلي، وتُرَحِب بقدومه، مثل الأم الحنون التي تنتظر فلذة كبدها..


مع مرور الزمن، أصيب بطل القصة قبل سبعة شهور بمرض عُضال، من كثرة عشقه لشرب التبغ والقهوة.. صار لا يستطيع الوقوف على ساقيه والوصول إلى التينة رفيقة دربه، أضحى طريح الفراش.. وبين الفينة والأخرى يغيب عن الوعي.. نقلوه على وجه السرعة إلى المستشفى الاستشاري، أدخلوه غرفة الإنعاش والعناية المركَّزة..


فتزامنا مع دخوله غرفة الإنعاش، وقعت الفروع الكبيرة من شجرة التين- التي كان يعتني بها- على الأرض، بما يعادل نصفها.. كأنها تبكي فراقه القريب.. شعرت الأسرة حينئذ، بأن سقوط نصف الشجرة هو فأل سيء..


أغمض أبو محمود عينيه مودعا في ليلة 25/6/2024م، وفاضت روحه الطاهرة إلى بارئها.. لقد كان فراق” أبو محمود والتينة” معا فراقا صعبا، وقصة تحدث عنها أهل القرية كظاهرة غريبة وفريدة..

شاهد أيضاً

"التعليم من منظور تنموي ".. مؤتمر تربوي فلسطيني يطلق استراتيجيات لتحويل التعليم إلى استثمار تنموي تحت رعاية رئيس الوزراء

“التعليم من منظور تنموي “.. مؤتمر تربوي فلسطيني يطلق استراتيجيات لتحويل التعليم إلى استثمار تنموي تحت رعاية رئيس الوزراء

شفا – اللجنة الإعلامية – عقدت اللجنة التنفيذية للمؤتمر التربوي الفلسطيني الدولي والمزمع عقده الشهر …