
كيف نعيش ونحن ننجو فقط… ، بقلم : سالي ابو عياش
يتكرّر السؤال ذاته: هل نحن على قيد الحياة أم على قيد الموت؟
الواقع لا يترك مجالاً للشك؛ نحن على قيد الموت… وربما أموات مع وقف التنفيذ.
بعد عامين على الإبادة، دخلنا ما يُسمّى بمرحلة ما بعد الإبادة، وهي في حقيقتها مرحلة ما بعد الصدمة. فلم نعد نسأل عن معنى الحياة، بل عن كيفية النجاة، عن سبل العيش في انتظار قرارات وقوانين تشبه عدالة تعرف طريقها ولا تصل.
لا يمكن فصل ما يعيشه سكان الخيام في غزة عن بنية القرار الدولي ذاته. فهذه الخيام ليست نتيجة كارثة طبيعية، بل نتاج سياسة ممنهجة أبقت الناس بلا بيوت، وبلا إعادة إعمار، وبلا أي ضمانات للحياة. هكذا تحوّل المؤقت إلى دائم، وأصبحت الخيمة بديلاً عن الدولة، وعن القانون، وعن أي أفق للحماية.
في غزة، لا يعيش الناس في خيام فحسب، بل في فراغ سياسي كامل. تُدار حياتهم بالمساعدات، وتُؤجَّل حقوقهم باسم التهدئة والمفاوضات للتوصل للحلول، ويُختزل وجودهم في أرقام إغاثية لا في بشرٍ لهم حق أصيل في الحياة.
فرغم إعلان إسرائيل وقف إطلاق النار بعد حرب ابتلعت القطاع برمته، لم يتوقف القصف ولا الاغتيالات اليومية؛ بل جرى تخفيض وتيرة الحرب تكتيكياً، من دون أي تغيير جوهري في واقع المعاناة. الحصار ما زال قائماً بشدته، المعابر مغلقة، والجرحى ينتظرون، فيما تُفرغ الوعود من مضمونها تحت ذرائع أمنية متجددة، ليبقى السكان رهائن بلا حماية أو أفق واضح.
وفي هذا الواقع، يظهر المجتمع الدولي في أضعف صورة له، حيث ازدواجيته صارخة: من جهة يتحدث عن حقوق الإنسان، ومن جهة أخرى يسمح للسياسة الأمريكية بتحديد مصير المنظمات الدولية مثل الأونروا، ويترك الفلسطينيين رهائن للتقلبات السياسية، فتتحول العدالة الدولية إلى وهم، والمنظمات الحقوقية إلى واجهة بلا قدرة.
ناهيك عن غياب أي هيئة سياسية فلسطينية قادرة على إدارة المرحلة التي تلت الحرب، ليتم فتح الباب أمام ما يمكن تسميته بـمافيا الحرب: وهي شبكات من تجار وسائقين وأصحاب مهن، استثمروا في الفوضى والأزمة لتحقيق مكاسب شخصية. هكذا تحوّلت غزة إلى سوق سوداء، يُقاس فيها الحق في البقاء بالمال، ويُترك من لا يملك لمصير الجوع.
ومع اشتداد الشتاء، اتخذت المأساة شكلاً آخر من القتل البطيء، فالخيام المتهالكة وغير الصالحة للسكن أصبحت قاتلة بحد ذاتها، وأسفرت الظروف المناخية عن وفاة عشرات النازحين، بينهم ما أكثر من عشرين طفلاً بسبب البرد القارس، وفق بيانات رسمية فلسطينية.
(فمن نجا من القصف مات من الجوع، ومن لم يمت من الجوع سلب البرد حياته)
فأي حياة تلك التي ننتظر فيها الموت وهنا استوقفني محمود درويش عندما قال: (وإن أسباب الوفاة كثيرة من بينها وجع الحياة …)
إن هذه الوفيات ليست قدراً طبيعياً، بل نتيجة مباشرة لبنية أزمة مركّبة: احتلال دمّر المنازل والبنى التحتية، حصار منع إعادة الإعمار وتدفّق المواد الأساسية، وغياب إدارة سياسية قادرة على تنظيم الموارد وحماية الناس. عشرات الآلاف يعيشون اليوم في خيام تمزّقت تحت المطر والرياح، في ظل نقص شبه كامل في التدفئة والوقود والملابس الشتوية، لتتحوّل الخيمة إلى آخر خط دفاع عن الحياة، والموت البطيء إلى جزء من منظومة الأزمة المستمرة.
في هذا المشهد، يتجلّى فشل المجتمع الدولي في ترجمة المواثيق والاتفاقيات إلى حماية فعلية. تبدو غزة بعد الحرب مسرحاً للبقاء البطيء، حيث يُدار الموت والجوع والبرد والسياسة كمعادلة واحدة على حساب الإنسان، بينما تقف منظمات حقوق الإنسان والقانون الدولي عاجزة عن فرض أي مساءلة حقيقية.
الغزيون الذين نجوا من القصف والجوع يواجهون اليوم معركة مزدوجة: استغلال السوق السوداء من جهة، وغياب أي أفق سياسي أو اقتصادي من جهة أخرى. تحوّل البقاء إلى سلعة، والحياة إلى امتياز، في واحدة من أكثر صور الانكشاف الإنساني فجاجة.
لكن الأخطر من الخيام ذاتها هو تطبيع وجودها: أن تتحوّل من رمز طارئ للكارثة إلى بنية مستقرة للحياة، وأن يُعاد تعريف الفلسطيني كـنازح دائم، لا كمواطن له حق في الأرض والبيت والأمان. هنا لا تُعاد صياغة الجغرافيا فقط، بل يُعاد تشكيل الوعي، وتُهندس التوقّعات، بحيث يصبح الحد الأدنى من البقاء هو السقف الأعلى الممكن.
فالحياة في غزة ليست بيضاء ولا رمادية؛ إنها سوداء بالكامل، مفروضة بكل تفاصيلها، من الخيمة إلى الجوع، ومن الخوف إلى الانتظار. لا خيار حقيقي للغزي سوى الصمود. لكنه، ورغم كونه ضحية منظومة كاملة من الاحتلال والحصار والتواطؤ الدولي، يرفض أن يتحوّل إلى مجرد رقم في تقارير حقوق الإنسان. هذا الصمود ليس رفاهية، بل فعل مقاومة يومي، رفض أن تُمحى هويته، ورفض أن يُختزل حقه في الحياة إلى خيمة ومساعدات مؤقتة.
ومع ذلك، لا يُلغى سؤال: كيف نعيش؟ بل يزداد قسوة.
نعيش لأن الوجود ذاته بات فعلاً مقاوماً، ولأن البقاء في وجه الإبادة، حتى في أكثر شروطه لا إنسانية، هو كسرٌ لمعادلة الإلغاء. نعيش لا لأن العالم أنصفنا، بل لأننا نرفض أن نُمحى بصمت، أو أن نتحوّل إلى أرقام في تقارير باردة.
ففي غزة، لا تُقاس الحياة بجودتها، بل بإصرارها. ورغم كل هذا الموت المؤجّل، ما زال هناك من يؤمن أن النجاة وحدها لا تكفي، وأن ما نريده ليس مجرد البقاء، بل استعادة الحق في حياة كاملة…
حياة لا تُدار بالخيام، ولا تُختصر بالمساعدات، ولا تُعلّق بانتظار عدالة غائبة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .