10:25 مساءً / 7 يناير، 2026
آخر الاخبار

من يسار الخطاب إلى يسار المواجهة ، بقلم : محمد علوش

من يسار الخطاب إلى يسار المواجهة ، بقلم : محمد علوش

لم يعد اليسار الفلسطيني اليوم أمام سؤال البقاء التنظيمي أو الحفاظ على الحضور الشكلي في المشهد السياسي، بل بات في مواجهة امتحان تاريخي شامل يمسّ جوهر دوره ومعنى وجوده الاجتماعي والوطني، ولم يعد السؤال: كيف يستمر اليسار؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا يستمر؟ ولمن يعمل؟ وبأي أدوات يخوض معركته؟ فاليسار الذي لا يتحول إلى ضرورة اجتماعية، ولا يصبح تعبيراً ملموساً عن مصالح الناس واحتياجاتهم اليومية، يظل خطاباً معلقاً في الفراغ، مهما امتلك من تاريخ نضالي أو رصيد رمزي.


إن التحولات البنيوية العميقة التي يشهدها المجتمع الفلسطيني، في ظل الاحتلال الاستعماري الاستيطاني، وحرب الإبادة المفتوحة، والانقسام السياسي، والانهيار الاجتماعي والاقتصادي، تفرض على اليسار مغادرة منطقة الأمان الخطابي، والانتقال إلى موقع الفعل المباشر والاشتباك اليومي مع المجتمع، واليسار المطلوب اليوم ليس يسار البيانات الإنشائية ولا التحليلات النخبوية المعزولة، بل يسار ميداني، اجتماعي، منحاز بوضوح للفقراء والكادحين، للعمال والمعلمين، للعاطلين عن العمل، للنساء اللواتي يحملن العبء الأكبر في صمود المجتمع، وللشباب المحروم من الأفق السياسي والاقتصادي، يسار يرى الدفاع عن الحياة اليومية جزءاً لا يتجزأ من معركة التحرر.


إن إعادة بناء اليسار تبدأ بإعادة تعريفه كقوة اجتماعية متجذّرة، تعتبر العدالة الاجتماعية والحريات العامة ركناً أصيلاً من مشروع التحرر الوطني، لا بنداً مؤجلاً إلى ما بعد الاستقلال، فلا معنى لتحرير الأرض إذا بقي الإنسان أسير الفقر والتهميش، ولا قيمة لاستقلال سياسي منزوع السيادة إذا ظل الاقتصاد الفلسطيني مرتهناً للتبعية، وخاضعاً لسياسات نيوليبرالية تعمّق الفوارق الطبقية وتفكك النسيج الاجتماعي، وإن الصراع ضد الاستغلال الاقتصادي والفساد والاحتكار هو، في جوهره، جزء من الصراع ضد الاحتلال ذاته.


واليوم، لم يعد الصراع مع المشروع الصهيوني مقتصراً على البعد العسكري أو السياسي المباشر، بل أصبح صراعاً على الوعي والرواية والمعنى، ومن هنا، يطلب من اليسار تطوير أدواته الفكرية والثقافية، وتفعيل ما يمكن تسميته بـ”القوة الأخلاقية” و”القوة الناعمة”، القادرة على مخاطبة الرأي العام العالمي بلغة إنسانية واضحة، تكشف طبيعة الاستعمار الاستيطاني، وتعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني ككائن حيّ، له اسم وذاكرة وحق في الحياة، غير أن أي انفتاح خارجي يفقد قيمته إن لم يُبنَ على استعادة الثقة الداخلية، وخاصة ثقة الشارع الفلسطيني وجيل الشباب، الذي بات أكثر وعياً وجرأة، وأقل استعداداً لتقبّل الخطابات الجاهزة والتنظيمات المنفصلة عن واقعه.


اليسار الفلسطيني اليوم مطالب بممارسة نقد ذاتي شجاع، لا يكتفي بتشخيص الأزمات بل يذهب إلى جذورها البنيوية: الجمود التنظيمي، ثقافة التراتبية المغلقة، وتقديس الماضي على حساب الحاضر، فالموقع القيادي لم يعد استحقاقاً تاريخياً، بل مسؤولية سياسية وأخلاقية مرتبطة بالقدرة على التجديد والابتكار والعمل الملموس، والشاب الذي يقود مبادرة اجتماعية، أو ينتج فكراً نقدياً، أو يخلق شكلاً جديداً من المقاومة الثقافية، هو شريك حقيقي في صياغة المشروع الوطني، لا هامش تنظيمي.


وتقدّم تجربة جبهة النضال الشعبي الفلسطيني نموذجاً لليسار الاجتماعي المتجذر، القادر على الربط الجدلي بين الوطني والاجتماعي، بين مقاومة الاحتلال والدفاع عن الحقوق اليومية للناس، وبين النضال السياسي والعمل الجماهيري، وهذا اليسار لا ينظر إلى الجماهير بوصفها خزاناً انتخابياً أو جمهور تعبئة موسمية، بل شريكاً أصيلاً في صناعة القرار، ما يمنحه شرعيته وقدرته على التجدد.


إن التاريخ الفلسطيني، بما يحمله من انتفاضات وتجارب مقاومة شعبية وثقافية، يؤكد أن اليسار الذي ينفصل عن الناس يفقد تأثيره سريعاً، وأن أي مشروع تحرري لا يُدمج بالعدالة الاجتماعية محكوم بالهشاشة، لذلك، فإن إعادة قراءة التاريخ ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة سياسية لفهم العلاقة العضوية بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي، بين مقاومة الاستعمار وإزالة التهميش الطبقي.


تجديد اليسار لا يعني التخلي عن الثوابت الوطنية، بل تعميقها وتحريرها من الجمود، وربطها بمشروع وطني ديمقراطي قائم على التعددية والعدالة الاجتماعية، ويعيد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الإطار الجامع، مع ضرورة إصلاحها ديمقراطياً وتفعيل مؤسساتها لتكون ممثلاً حقيقياً لإرادة الفلسطينيين في الوطن والشتات.


إن معركة تجديد اليسار هي جزء لا يتجزأ من معركة إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية على أسس ديمقراطية وتمثيلية حقيقية، وهي معركة وعي وإرادة، لا مجرد تعديل لغوي أو تنظيمي، فالحرية لا تمنح، والعدالة لا تأتي صدفة، بل تنتزع بالفعل الواعي، بالانحياز الصريح للفقراء والمهمشين، وبالإيمان العميق بقدرة هذا الشعب، رغم كل ما يواجهه، على إنتاج مشروعه التحرري المتجدد وصناعة فجره القادم.


كما أن على اليسار أن يفتح فضاءه السياسي والتنظيمي أمام الشباب والنساء والمثقفين والفنانين والصحفيين، وأن يجعل من الثقافة والفكر والفن أدوات مقاومة متكاملة، تساهم في حماية الهوية الوطنية، وتعزيز الصمود الاجتماعي، ونقل الرواية الفلسطينية إلى العالم. فالتجديد الحقيقي هو ذاك الذي يشمل السياسة والاقتصاد والثقافة والتربية والفن، ويحوّلها جميعاً إلى قوة مادية حية، قادرة على المواجهة، واستعادة الحقوق، وبناء مجتمع عادل ومتساوٍ.

شاهد أيضاً

توتر متصاعد في الليكود بعد خطة نتنياهو لإعادة تشكيل القائمة

شفا – يتصاعد التوتر داخل حزب الليكود الإسرائيلي على خلفية خطة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو …