
هدوءُ زمنِ الضوضاءِ النَّفسيّة بقلم : البروفسوره الكاتبه الدكتوره عطاف الزيات
نعيش اليوم في زمنٍ تتكاثر فيه الضوضاءُ لا على مستوى الصوت الخارجي فقط، بل على مستوى النفس والوجدان والعقل. فلم تعد الضوضاءُ مقتصرةً على صخب المدن، أو ازدحام الشوارع، أو تداخل الأصوات الماديّة، بل تجاوزت ذلك لتتحوّل إلى حالةٍ نفسيةٍ داخليةٍ معقّدة، تُثقل كاهل الإنسان، وتستنزف طاقته الشعورية، وتربك توازنه الداخلي. ومن هنا برز مفهوم الضوضاء النفسية بوصفه أحد أخطر تحديات الإنسان المعاصر.
أولًا: مفهوم الضوضاء النفسية
الضوضاء النفسية هي حالة من التشتّت الداخلي، والضغط العاطفي، والتراكم الذهني للأفكار والمشاعر المتضاربة، التي تُفقد الإنسان صفاءه وطمأنينته. وهي لا تُسمَع بالأذن، بل تُحَسّ في القلب والعقل؛ تظهر في القلق المستمر، والتوتر الدائم، واضطراب التفكير، والشعور بثقل الأيام وتسارعها دون قدرة على التوقف أو الفهم.
وتتغذّى هذه الضوضاء من مصادر متعددة، منها:
تدفّق الأخبار السلبية وتكرار مشاهد الأزمات والحروب.
الضغوط الاجتماعية وتوقّعات الآخرين.
المقارنات المستمرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
تسارع نمط الحياة وغياب فترات التأمل والراحة.
الصراع الداخلي بين ما نريده وما يُفرض علينا.
ثانيًا: الإنسان المعاصر بين السرعة والاختناق النفسي
فرضت الحداثة الرقمية إيقاعًا سريعًا للحياة، حيث أصبح الإنسان محاصرًا بالرسائل، والتنبيهات، والمطالب المتلاحقة، حتى غدا الصمت أمرًا نادرًا، والهدوء ترفًا نفسيًا. هذا التسارع أدّى إلى حالة من الاختناق النفسي، إذ لم يعد الفرد قادرًا على معالجة أفكاره بهدوء، ولا على فهم مشاعره بعمق، مما انعكس سلبًا على صحته النفسية وعلاقاته الاجتماعية.
في هذا السياق، يفقد الإنسان قدرته على الإصغاء لذاته، ويعيش في حالة استجابة دائمة للمؤثرات الخارجية، بدل أن يكون فاعلًا واعيًا في حياته.
ثالثًا: الهدوء بوصفه وعيًا لا هروبًا
على عكس ما يُعتقد، فإن الهدوء في زمن الضوضاء النفسية ليس انسحابًا من الواقع، ولا ضعفًا أمام التحديات، بل هو فعل وعيٍ ومقاومةٍ داخلية. الهدوء هو القدرة على التوقّف، والتأمل، وإعادة ترتيب الداخل، بعيدًا عن فوضى الخارج.
فالهدوء:
لا يعني غياب الألم، بل إدارته بوعي.
لا يعني تجاهل الواقع، بل فهمه دون استنزاف الذات.
لا يعني الصمت السلبي، بل الحوار الداخلي المتزن.
إنه مساحة نفسية آمنة، يستعيد فيها الإنسان توازنه، ويعيد الاتصال بذاته وقيمه وأولوياته.
رابعًا: الهدوء كآلية شفاء نفسي
يُعدّ الهدوء أحد أهم آليات الشفاء النفسي في العصر الحديث، إذ يسمح للعقل بإعادة تنظيم أفكاره، وللقلب بتفريغ مشاعره المكبوتة، وللروح بالتنفس بعيدًا عن الضغوط. ومن خلال الهدوء، يتعلّم الإنسان:
التمييز بين ما يمكن تغييره وما يجب تقبّله.
تخفيف حدّة القلق والتوتر.
تعزيز الوعي الذاتي والاتزان الانفعالي.
بناء علاقة صحية مع الذات والآخرين.
كما يسهم الهدوء في تحسين القدرة على اتخاذ القرار، وتعزيز التركيز، ورفع مستوى الرضا النفسي.
خامسًا: كيف نمارس الهدوء في زمن الضوضاء؟
لا يتحقق الهدوء تلقائيًا، بل يحتاج إلى ممارسة واعية، من أبرز مظاهرها:
تخصيص وقت يومي للصمت أو التأمل.
التقليل من استهلاك المحتوى السلبي.
إعادة الاعتبار للقراءة العميقة لا السطحية.
الاهتمام بالصحة النفسية بوصفها أولوية.
ممارسة الامتنان والتفكير الإيجابي الواعي.
خاتمة
في زمنٍ تتصاعد فيه الضوضاء النفسية، يصبح الهدوء قيمة إنسانية وثقافية لا غنى عنها. إنه ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية تحفظ للإنسان إنسانيته، وتمنحه القدرة على الاستمرار دون أن يفقد ذاته. فالهدوء وعي، والوعي شفاء، ومن يمتلك هدوءه الداخلي، يمتلك قوته الحقيقية وسط ضجيج العالم.
- – البروفسوره الكاتبه الدكتوره عطاف الزيات – فلسطين
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .