7:37 مساءً / 2 يناير، 2026
آخر الاخبار

عواصمُ الوجد ، حين تغدو المدنُ خريطةً للروح ضمن قصيدة للشاعر أ. وليد أبو طير ، بقلم : الباحث والاعلامي أ. نادر سكاكية

عواصمُ الوجد ، حين تغدو المدنُ خريطةً للروح

عواصمُ الوجد ، حين تغدو المدنُ خريطةً للروح ضمن قصيدة للشاعر أ. وليد أبو طير ، بقلم : الباحث والاعلامي أ. نادر سكاكية

لا تنهض هذه القصيدة على توصيفٍ مكانيٍّ فحسب، ولا على غزلٍ جغرافيٍّ مباشر، بل تؤسس خطابها على رؤية شعرية عميقة تحوِّل عمان من كيانٍ خارجي إلى حالة وجدانية داخلية. فحول الشاعر في هذا النص عمان من مجرد مساحة جغرافية، إلى كائنٍ شعوري حي، ينبض في الجسد كما ينبض القلب في الصدر. ومن هنا، تنطلق القراءة النقدية من المنهج السيميائي الرمزي متقاطعًا مع السريالية الوجدانية، حيث يتجاوز الشاعر الواقع المحسوس ليعيد تشكيله في فضاء حلمي تتداخل فيه الجغرافيا بالجسد، والتاريخ بالعاطفة، والمدينة بالقدر.

حيث يبدأ الشاعر قصيدته بإظهار العشق العاطفي اتجاه عمان ، ويتجلى هذا العشق بإظهار “عمان” كقوة جاذبة تأسر قلب الشاعر . ويعتبر هذا الاستهلال “النبض الأول للنص “، ليرفع الشاعر من مكانة عمان إلى مرتبة “الدرة” المصطفاة حين قال:

“عَمانُ قَد أَسَرَت خُفوقي في الهوى … وَتَمَلَّكت في الحُبِّ قَلباً أَعزَلا”

“فَنَظَمتُكِ بِالوَجدِ أَجمَلَ دُرَّةٍ … يختالُ حسنُكِ في القصيد منزلا

بنبوءةِ الأشعارِ إذ صُقِلتْ وما … للشعر منها غير أن يتوسّلا

نظْمَ الجمالِ ، وأي نظم يُرتجى … وَهو الإله قَد اصطفاكِ الأجملا”

ففي هذه الأبيات، الشاعر يتحدث عن عشقه الدفنين لعمان ، وكيف أسرت المحبوبة ( عمان) قلب الشاعر ، وكيف استطاعت أن تسيطر على قلب الشاعر ليكون عشقه لها عشقا صادقا.كما ويخبرنا الشاعر أنه قام بنظمها شعرا كما تنظم الدرة النفسية في عقد فاخر بدافع الشوق والهيام ليجعل محبوبته أجمل وأندر درة قيلت .

و حينما استهل الشاعر قصيدته بعُمان بوصفها أصل العشق ومنبع الدلالة، فيقول:

«عَمانُ قَد أَسَرَت خُفوقي في الهوى

وتملَّكت في الحبِّ قلبًا أَعزَلا»

وهنا لا تظهر عُمان هنا بوصفها مكانًا، بل قوة عاطفية تسلب الشاعر إرادته، وتحوله إلى كائن خاضع لجمالها . وقد لجأ الشاعر إلى الفعل الماضي (أَسَرَت، تملَّكت) ليُرسِّخ هذا العشق بوصفه حقيقة منجزة ثابتة، لا طارئة ولا مؤقتة، مما يدل على صدق العاطفة وعمقها.

ويتابع الشاعر رسم صورة عُمان في قوله:

«فنظمتُكِ بالوجدِ أجملَ دُرَّةٍ

يختالُ حسنُكِ في القصيد منزلا»

سيميائيًا، ترمز الدُّرَّة إلى الاصطفاء والقيمة المطلقة، بينما يوحي الفعل المضارع (يختال) إلى ديمومة الجمال وحيويته في الحاضر. وهنا تتجلى السريالية الرمزية؛ إذ يتحول الجمال إلى كائن حي يختال داخل القصيدة، وتغدو عُمان حالة عشق متعالية عن المنطق الواقعي، أقرب إلى صورة حلمية تفرض حضورها على الوعي واللاوعي معًا.

ويبلغ التعظيم ذروته في قوله:

«وما للشِّعرِ منها غير أن يتوسَّلا»

حيث استخدم الشاعر أسلوب النفي والقصر، ليجعل الشعر ذاته في مقام الخشوع والتوسل أمام عظمة عُمان، وهو أسلوب يُبرز مكانتها المتعالية التي تفوق طاقة الوصف. وهو أيضا أسلوب نفي غرضه التخصيص، ليجعل الشعر في حالة خشوع وتوسل أمام عظمة “عمان”. وهنا دلالة على أهمية عمان وقيمتها العظيمة.

أما أسلوب التعجب: فقد تجلى في صيغ الاستفهام التعجبي وذلك في قوله: “وأي نظم يرتجى!”، ليبعر لنا الشاعر عن الانبهار بجمال عمان التي تتجاوز حدود الوصف اللساني.

“وَرَسَمتُكِ بَغدادُ أَجمَلَ نَخلَةٍ … تُسدي الجَمالَ عَلى الزَمانِ تَأَمُّلا”

“في الكَرخِ يَنبُضُ في هُفوفِ المُبتغى … يُنسابُ فَوقَ الجِسرِ جَذلاً مُذهِلا”

“وَعَلى ضِفافِ الشَوقِ رَقَّت أَدمُعي … فَنَظَمتُها شَغَفاً يَذوبُ تَغَزُّلا”

وفي هذه الأبيات يتنتقل شاعرنا في القصيدة إلى العراق انتقالًا رمزيًا ، مستحضراً صوراً تراثية خالدة ، فيقول:

«ورسمتكِ بغدادُ أجملَ نخلةٍ

تُسدي الجمالَ على الزمانِ تأمُّلا»

ترمز النخلة سيميائيًا إلى الشموخ والصمود التاريخي، لكنها في هذا السياق السريالي لا تقف في الأرض، بل تمتد في الزمن. ويُعمّق الشاعر هذه الدلالة بقوله:

«في الكرخِ ينبضُ في هفوفِ المبتغى

ينسابُ فوقَ الجسرِ جذلًا مُذهِلا»

فالجسر هنا لا يؤدي وظيفة العبور المكاني، بل يتحول إلى معبر وجداني ينساب عليه الشعور لا الجسد، وبذلك تصبح بغداد ذاكرة حيّة تنبض في جسد القصيدة، لا مدينة مرسومة على الخارطة. وحلقة الوصل بين الماضي المجيد والحاضر المليء بالشوق.

تحضر بيروت بوصفها مدينة الفتنة والابتلاء، فيقول الشاعر:

«وتدلّى ببيروتَ لهفةُ آسرٍ

يختالُ فيكِ من النضارِ تدلُّلا»

ترمز اللهفة إلى التعلق ، بينما يشير النضار إلى البريق الجمالي الذي يسطر على عواطف الشاعر . ويصرّح الشاعر بحالة الابتلاء في قوله:

«هو مبتلى قدرًا وشوقًا مؤلمًا

لكنه القدرُ المعذَّبُ باللِّقى»

وهنا يتقاطع المنهج السيميائي مع السريالية الرمزية؛ فبيروت ليست مدينة يُزار جمالها، بل قدرٌ يُعاش، يجمع بين لذة اللقاء وألم البعد في آنٍ واحد.

ينتقل الشاعر إلى الحديث عن دمشق التي تتجلى عنده في صورة شاعرية عالية:

«ودمشقُ تزفُّ كلَّ لحنٍ في المدى

ليعيدَني شجنًا كغُصنٍ أخضلا»

يرمز الغصن الأخضل إلى ديمومة الحياة وتجدد الحنين ، بينما يدل اللحن على الوجدان الحي الذي لا يذبل. وهكذا تتحول دمشق إلى شجنٍ أخضر يسكن الأضلع، لا إلى مدينة خارجية. مما يرمز إلى الوحدة العضوية بين الشاعر وهذه المدينة.

وثم ينتقل الشاعر ليخبرنا بأن القدس هي الرؤيا وعهد اللقاء، وهنا يبلغ الخطاب الرمزي ذروته الروحية مع القدس:

«يا قُدسُ قد أزفَ اللقاءُ بروضِها

عهدًا وقد أخشاه أن يتأجَّلا»

فاللقاء هنا يتحول إلى عهد، والروض إلى فضاء قدسي يتجاوز المادة. ويعمّق الشاعر هذه الرؤية بقوله:

«واللهُ يشهدُ كم تجلَّت في الرؤى

أطيافُها فاستوطنتني منزلا»

سيميائيًا، ترمز القدس إلى الأمل والوعد المقدس، حيث يرمز “الروض” و”الرؤى” إلى الجانب الروحي للمدينة الذي يتجاوز المادة، فهي مدينة تسكن الشاعر قبل أن يسكنها.

ويتناول الشاعر خطابه عن مصر بأنها الجذوة وطهارة الانتماء ليصل إلى أرض الكنانة بروحانية عالية:

«يا مصرُ قد شُدَّ الرحالُ بجذوتي

فتوضَّأت أشواقُنا ظلًّا جَلا»

تُختتم الرحلة بمصر في لغة تجمع بين النار والطهر:

ترمز الجذوة إلى احتراق العشق العاطفي، بينما يدل الوضوء بالظلال على طهارة الانتماء، وهو تصوير سريالي يكسر المنطق الظاهري ليؤسس منطقًا شعوريًا أعمق وحينها يتحول حب مصر إلى فريضة وجدانية مقدسة.

ويختتم الشاعر رحلته بربط القدس بعهد اللقاء، ومصر بجذوة الأشواق التي لا تنطفئ. ويختتمها من خلال رسم صورته كحاكم لمملكة الوجد التي بنتها العواصم:

ويستخدم منهجه النقدي بأنه يرى في المدن العربية جسداً واحداً. وهنا ربط الشاعر بين عمان وبقية العواصم برباط الشجن المشترك

“تِلكَ القُلوبُ وَقَد نَضا عَنها الصَدا … هَذا اعتِلائي في الهوى أَن أُبلى”

“هُنَّ العَواصِمُ عِشقُهُنَّ يَبنيني … شَغَفاً لَوُذُ إِلى حِماكِ مُكَبَّلا”

“فَليَشهَد الشِعرُ الذي يَهوى الجَوى … أَنَّ القَصيدَ قَد استَقاني مَنهَلا”

“وَكَأَنَّني لِلعَبقَريِّ بِما هَوى … سُلطانُ عِشقٍ يَستَهويني الأَمثَلا”

“عُذراً إِذا أَسرَفتُ في وَصفِ الهوى … فَأَنا الَّذي صِدقاً نَظَمتُ الأَجمَلا”

هنا يرمز “نضو الصدأ” إلى “جلاء الهموم والوفاء”، بينما ترمز العواصم التي “تبني” الشاعر إلى “الهوية القومية” التي تُشكل كيان الإنسان، وينتهي النص برمزية “سلطان العشق” ليدل على التمكن والسيادة في عالم المشاعر.

الخلاصة: استخدم الشاعر في هذه القصيدة “رمزية المكان المنسي في الجسد”؛ فكل مدينة عربية ليست مجرد نقطة على الخريطة، بل هي عضو حيوي (قلب، أضلع، خفوق) يُشكل في مجموعه جسد العروبة المتحد في وجدان

أما سيميائية المكان والجسد

سيميائياً، استخدم الشاعر “علامات” بصرية قوية؛ فـ النخلة هي علامة الشموخ في بغداد، والغصن الأخضل علامة الحياة في دمشق، بينما كانت الجذوة في مصر علامة الطهر والقدسية. كما استعار أعضاء الجسد (الخفوق، الحشاشة، الأضلع) ليشير إلى أن هذه المدن تسكن في كيانه البيولوجي وليس فقط في مخيلته.

خاتمة الدراسة

تخلص القراءة النقدية إلى أن الشاعر نجح في تحويل الجغرافيا المشتتة إلى “وطن شعوري” متصل. إن محبته لعمان هي “المبتدأ” الذي وجد “خبره” في بغداد وبيروت والقدس، ليؤكد في النهاية أنه “سلطان عشق” لا يحده مكان.

الخلاصة الجمالية: يمكن تشبيه هذه القصيدة بـ “خريطة من الضوء”؛ حيث تمثل عمان نقطة الانبثاق الأولى، وتنتشر بقية العواصم كأشعة ضوئية تشكل في مجموعها وجه الهوية العربية المشرق.

شاهد أيضاً

مستوطنون يطلقون الرصاص الحي صوب المواطنين في دير بلوط غرب سلفيت

شفا- أطلق مستوطنون، مساء اليوم الجمعة، الرصاص الحي باتجاه المواطنين في منطقة وادي العين ببلدة …