
فنزويلا ، صمودٌ يلتقي مع نضال الشعوب ، بقلم : محمد علوش
كان من المفترض أن أكون اليوم في العاصمة الفنزويلية كراكاس، مشاركاً في أعمال “جمعية الشعوب من أجل السيادة والسلام” بدعوة رسميّة من “معهد سيمون بوليفار للسلام والتضامن بين الشعوب” التابع لوزارة الخارجية الفنزويلية، لأكون أحد ضيوف هذا الحدث العالمي وأقدّم محاضرة حول الفاشية وسبل مواجهتها على الصعيد الدولي، غير أن الظروف التي حالت دون سفري لم تمنعني من تجديد موقفي والتأكيد على تضامني العميق مع فنزويلا شعباً وقيادة ودولة، ومع ما تمثله من قيم الحرية والكرامة الإنسانية والسيادة الوطنية.
فنزويلا ليست مجرد بلد في أمريكا اللاتينية؛ إنها صوت حرّ يرفض الخضوع لإملاءات القوى الكبرى، وتنهض يومياً بمثال حيّ على قدرة الشعوب على حماية خياراتها الوطنية رغم الحصار والضغوط ومحاولات العزل السياسي والاقتصادي، وبرغم قسوة العقوبات، يواصل الشعب الفنزويلي نضاله بثبات وإيمان بأن الحرية تنتزع ولا تمنح، وأن السيادة حقٌ لا يساوم عليه.
لقد حملت دعوة معهد سيمون بوليفار للمشاركة في هذا الحدث العالمي دلالات عميقة، فهي تعبير عن تقدير فنزويلا لنضال الشعب الفلسطيني، واعتراف بأن معركتنا من أجل التحرر والاستقلال جزء من الصراع الإنساني الطويل ضد الظلم والاستعمار والاستغلال، ويجسد هذا المعهد رؤية متقدمة للعمل الدبلوماسي القائم على المعرفة والحوار والتلاقي بين الشعوب، وعلى بناء شبكة تضامن عالمية تواجه الفاشية المعاصرة وما تحمله من عنصرية وتحريض وتضييق على حقوق الأمم ومواردها.
أما الحصار الاقتصادي والعقوبات الأمريكية المفروضة على فنزويلا، فهي جريمة مكتملة تستهدف خنق الاقتصاد والإضرار بالشعب والضغط على الدولة لفرض خيارات سياسية من خارج إرادتها، فهذه العقوبات ليست دعماً للديمقراطية كما تزعم واشنطن، بل ابتزاز سياسي مباشر للقيادة الفنزويلية، وعلى رأسها الرئيس نيكولاس مادورو، في محاولة لانتزاع السلطة وإعادة البلاد إلى دائرة الهيمنة الأمريكية، وقد لخّص الرئيس مادورو حقيقة هذه السياسة عندما وصفها بأنها “سلام العبيد”؛ سلامٌ يقوم على الاستسلام والتخلي عن السيادة وتسليم القرار الوطني للأجنبي، وما تسعى إليه الولايات المتحدة ليس استقراراً ولا سلاماً، بل إقامة حكومة سهلة الانقياد تدار من الخارج، تمهّد لنهب ثروات فنزويلا، وإضعاف إرادة شعبها، وتكريس الهيمنة الاستعمارية بأشكالها الحديثة على الدولة التي اختار الفنزويليون نموذجها السياسي والديمقراطي بإرادتهم الحرة.
وكنت أستعد لتقديم محاضرة حول الفاشية المعاصرة وسبل مواجهتها في عالم يشهد تصاعد الخطابات المتطرفة واتساع مظاهر القمع وتبرير العنف ضد الشعوب التي تقاوم، وإذا كانت فلسطين تدفع يومياً ثمناً فادحاً لسياسات الاحتلال والتمييز العنصري، فإن فنزويلا تواجه، بدورها، ضغوطاً متواصلة ومحاولات لكسر إرادتها السياسية، وهنا يلتقي نضال الشعبين في مواجهة الفاشية القديمة والجديدة، وفي الدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
إن التضامن مع فنزويلا ليس موقفاً سياسياً عابراً، بل هو التزام أخلاقي تجاه شعب وقف بثبات إلى جانب فلسطين وقضيتها العادلة، ورفع صوتها في المحافل الدولية دفاعاً عن حقوقها المشروعة، وفي اللحظة المصيرية والحاسمة التي تتعرض فيها القدس وغزة والضفة الغربية لجرائم وحصار غير مسبوقين، تبقى فنزويلا على عهدها، ثابتة في مواقفها، تؤكد حق شعبنا في التحرر وإقامة دولته المستقلة.
ورغم غيابي الجسدي عن كراكاس، فإن قلبي وموقفي وروح التضامن التي أحملها كانت ولا تزال هناك، مع شعب يكتب يومياً ملحمة صمود جديدة، ومع مؤسسة تحمل اسم القائد الخالد سيمون بوليفار وتستمر في حمل رسالته الإنسانية في الدفاع عن حرية الأمم وكرامة الشعوب.
إن رسالة التضامن التي تجمعنا أعمق من الجغرافيا وأقوى من الحدود، وستظل متجددة ما بقيت شعوب تقاوم الظلم وتناضل من أجل الحرية والعدالة والسيادة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .