6:09 مساءً / 31 أغسطس، 2025
آخر الاخبار

مؤسسة الإبداع الفلسطيني الدولية تقيم الندوة الثانية بعنوان “أكتب كي لا أُمحى” ، قراءات من نصوص لم ينجُ أصحابها من الإبادة بمشاركة نخبة من الكتاب والمبدعين

مؤسسة الإبداع الفلسطيني الدولية تقيم الندوة الثانية بعنوان "أكتب كي لا أُمحى" ، قراءات من نصوص لم ينجُ أصحابها من الإبادة بمشاركة نخبة من الكتاب والمبدعين

نداءات لا تُردّ من قلب فلسطين

شفا – في مساءٍ ارتجّ فيه الوعي الجمعي من غفوته الطويلة، شهدت مؤسسة الإبداع الفلسطيني الدولية والتي يترأسها الدكتور المبدع عدنان أبو ناصر والمقيم في النمسا انطلاق سلسلة من النداءات التي لا تُرَدّ، والتي حملت عنوانًا صارخًا وجريئًا: “أكتب كي لا أُمحى”.


هذه النداءات كانت صرخات من جذور الزيتون العتيقة، ومن جراح القرى المهدّمة، ومن ذاكرة الأجداد الذين ما زالوا يراقبون الحلم تحت التراب.


هل سمعتم صدى الحروف؟ هل شعرتم بقوة الكلمة التي تتحدى النسيان؟


هذه الندوة هي صرخة في وجه المحو، وتحدٍ لمقصلة النسيان، لتؤكد أنّ الكلمة أقوى من كلّ محاولات الطمس، وأنّ الكتابة ليست رفاهية، بل فعل بقاء ومقاومة وانتماء.


في هذا السياق، دعت المؤسسة الكتاب والمبدعين إلى اقتحام أقلامهم كما لو كانت سيوفًا، وحوّلوا الورق إلى حصون لا تُهدَم، مشددة على أنّ كل حرف يُكتب هو شجرة تصمد في قلب الشتات، وكل سطر يُنحت هو خنجر في قلب الطغيان.


المبادرة تؤكد أنّ الكتابة ليست ترفًا ثقافيًا، إنّما هي خيط سري يربط بين جيل غادر ولم يعد، وجيل يولد في المخيمات والشتات، وجيل ثالث يعيد رسم الحلم على جدران المدن المحاصرة.


وأشارت المؤسسة إلى أنّ الكتابة صرخة، شمعة، وبوصلة لكل من يتيه في عتمة المحو.


اكتبوا! اهتفوا! تحدّوا! هذه الرسالة الموجهة لكلّ مبدع فلسطيني، لتذكير الجميع أنّ الكلمة باقية، وأنّ التاريخ لا يُمحى مهما اشتدت العواصف، وأنّ فلسطين ستظل حية في الحروف، نابضة في كل صفحة تُكتب.


من “أكتب كي لا أُمحى” يتجلّى سؤال الوجود: هل يُمحى وطن مادامت كلماته حيّة؟


وهل يموت شعب ما دامت أناشيده تُغنّى في الأعراس والجنائز، وما دام شعراؤه يتركون دماءهم على الورق؟
إنها ليست مجرد ندوة أدبية، هي محفل ذاكرة، وساحة عودة رمزية، ومقاومة جديدة تُخاض بالقلم بعد أنْ أُنهكت الأرض بالدم.


كل كلمة تُكتب هنا هي رصاصة ضد الصمت، كل نصّ يُتلى هو حجر يُرمى في وجه العدم، وكل قصيدة تُنشد هي قنديل في عتمة الحصار.


ونستلهم قول محمود درويش” على هذه الأرض ما يستحق الحياة”، فالكتابة هي الحياة التي لا ينطفئ وهجها، ما دامت قادرة على أنْ تروي القصة وتُبقي الشاهد حيًّا.


وهكذا، أصبح هذا العنوان وعدًا للذاكرة: لن نُمحى ما دامت هناك يد تمسك بالقلم، وما دامت هناك حنجرة تنشد، وما دامت هناك أجيال تعرف أنّ الكلمة آخر ما يبقى حين يسقط كلّ شيء.


كانت الشاشات المربّعة تتوهّج أشبه بنجومٍ صغيرة في فضاءٍ رقميٍ متسع، كل نافذة تُطلّ على روحٍ ما، على بيتٍ في المنفى أو غرفة ضيقة في الداخل، على وجهٍ يحمل عبءَ الغياب وآخر يتلألأ بشغف اللقاء.


لم يكن “زوم” منصة للاتصال فقط؛ لقد تحوّل إلى منبر أسطوري، تُعلّق عليه الكلمات كأعلام، وتُبثّ منه الذكريات كأنها موجات بحر يافا حين تصطدم بالحجر ثم تعود أقوى.


النصوص التي قُرئت لم تكن تُسمع عبر مكبّرات الصوت، فقد بدت وكأنها تعبر الأسلاك والكابلات لتخترق الجدران وتدخل مباشرة إلى قلب المتلقي.


اكتست بعض الوجوه بالصمت، وهطلت بعض العيون بدموع استقبلت جملة بعينها، واقتربت الأيادي من الشاشة كأنها تريد لمس الكلمات.


كلّ قارئ كان في لحظته، رسولًا يعبر العصور: حين ينطق السطر، يتحوّل صوته إلى جسر يصل المدائن بالمخيمات البعيدة في الشتات.


كانت الكلمات تفكّك الحدود المرسومة، وتعيد خريطة فلسطين إلى حضنها الأصلي، خريطة تصنعها القصائد لا الخرائط السياسية.


في خلفيات بعض الحاضرين بدت المكتبات، وفي خلفيات آخرين ظهرت صور مفاتيح وحقول زيتون، بينما اختار البعض أنْ يتركوا الشاشة معتمة، مكتفين بالصوت، وكأنهم يقولون: لسنا بحاجة إلى صورة، فالصوت وحده كافٍ ليعلن وجودنا.


المثير أنّ النصوص المعلّقة في فضاء الندوة لم تعد تبحث عمّن يقرؤها؛ لقد وجدت هنا من يمدّ إليها اليد، من يعيد بعثها في لحظة مشتركة، من يضعها في ذاكرة حيّة تتجاوز النسيان.


ومع كل قراءة كان الفضاء الافتراضي يزدحم بالرموز: قلوبٌ حمراء تتصاعد كأزهارٍ رقمية، تصفيق مكتوم ينفجر في الأيقونات، محادثة جانبية تتحوّل إلى دفاتر هوامش، يكتب فيها الحاضرون تأويلاتهم وانفعالاتهم.


كانت الندوة تُبنى لحظة بلحظة مثل لوحة فسيفسائية، كل مربع في الشاشة قطعة حجر صغيرة، ومع اكتمالها يتشكل وجه فلسطين كاملة: وجهٌ متعدد، متشظٍ، لكنه لا يفقد ملامحه أبدًا.


بإدارة متميزة قادتها الأستاذة نجوى غانم من ألمانيا، انطلقت ندوة الأصوات الفلسطينية، رحلة حية عبر الزمان والمكان، تجمع بين الأرض والغربة، بين الحضور والابتعاد، لتصبح شهادة على الصمود، تجمعت الأصوات لتجمع شمل حضور فلسطين في كل مكان، ولتبعث برسالة واضحة أنّ الكلمة الفلسطينية أقوى من كل المسافات والفواصل.


كل مشارك أضاف بعدًا فريدًا، وكل صوت صاغ جزءًا من لوحة صمود جماعي، بقيادة متقنة واثقة واقفة على ذروة الصياغة والإتقان تضمن سير الحدث بقدرة وإبداع، لتبقى الندوة تجربة حية على أصالة النص الفلسطيني وعالميته.
من قلب فلسطين، حملت الكلمات حضورها الصافي:


الدكتورة غدير الزبون، التي تمنح كل حرف قوته، وتعيد للذاكرة مساراتها الضائعة.
الدكتور عباس مجاهد، الذي يوثق المقاومة بصوت لا يلين، ويثبت أنّ العلم والفكر جزء من المعركة.
الأستاذة باسمة الصواف، التي تحرك الحكاية من بين صفحات التاريخ إلى واقعنا المعاصر.


الأستاذة أحلام بشارات، التي تستعيد طفولة فلسطين في كلّ كلمة، وتجعل من الحضور العربي نافذة على صدى الأرض.


عبرت الأصوات حدود القارات، لتؤكد أنّ الذاكرة لا تعرف الغياب:


من موسكو، جاء الدكتور عبد الله عيسى، يحمل شهادته على أنّ البعد لا يضعف، وأنّ فلسطين حاضرة رغم المسافات.
من فرنسا، قدم الدكتور وحيد أحمد حضورًا مميزًا، مشددًا على أنّ الغربة لا تمحو النص، وأنّ المقاومة مستمرة بالكلمة.
في بلغاريا، ارتفع صوت الدكتور خيري حمدان، يثبت وجود فلسطين في فضاءات العالم، ويعيدها إلى الخريطة بقوة.
ومن النمسا، عبر الأستاذ إياد حسن عن حضور الأمة، عن فلسطين التي لا تغيب من الوعي مهما ابتعدنا.


من هولندا، أضاءت الأستاذة مي جليلي وهج الذاكرة، فيما أضافت الأستاذة سحر زناتي دفء الإبداع وبريق الحضور.
ومن السويد، جاء صوت الأستاذة بيسان عدوان، يملأ الفضاء ويؤكد أنّ فلسطين باقية في كل كلمة، وفي كل نبضة.
ومن مصر، حضرت الأستاذة ليان أبو القمصان، لتربط بين القدس والنيل، وتثبت أنّ فلسطين ليست محصورة بمكان، بل هي تجربة مستمرة في الوعي والصمود.


يا أيها القارئ حتى الحرف الأخير، هل شعرت يومًا بأنّ الحروف يمكن أنْ تحارب الموت؟


هذا الطواف عبر القارات لم يكن اجتماعا ثقافيا فحسب، بل كان ملحمة أرواح تتحدّ بلا جدران ولا بحار.


الكلمات الأخيرة ارتفعت كنبضٍ يتحدى الفراغ، لترتبط بقراءات لأدباء لم ينجوا من القصف، تركوا أرواحهم بين الركام، لكنّ كلماتهم صارت شعلة لا تنطفئ.


قف! وتأمل كيف باتت أصواتهم تصدح من بين الأنقاض، وكيف أنّ نصوصهم، رغم الفقد، تحمل فلسطين في كل حرف.
ألا ترى أنّ الكتابة هنا ليست مجرد فن، بل حصن ضد النسيان، وصرخة حياة وسط الموت؟


غادر الحاضرون الفضاء الافتراضي وهم يحملون بين نوافذ شاشاتهم شعلة الحرف الفلسطيني، تتوهج في كل رسالة، في كل نص يُنشر، لتصبح الندوة ملحمة افتراضية خالدة في القلب والذاكرة، وفعل بقاء واحتفال بالحرية والخلود.

شاهد أيضاً

مصطفى يترأس اجتماعًا طارئًا للجنة الوزارية الاقتصادية الدائمة

مصطفى يترأس اجتماعًا طارئًا للجنة الوزارية الاقتصادية الدائمة

شفا – ترأس رئيس الوزراء محمد مصطفى، اليوم الأحد، في مكتبه برام الله، اجتماعًا طارئًا …