
أصداء موجة مناهضة الاستعمار: انتصار مناهضة الفاشية، حركات التحرر الوطني، وتصور بناء المجتمع الصيني -العربي ذي المصير المشترك ، بقلم : ما تينغ
مقدمة: تقاطع التاريخ ونداء العصر
في عام 2025، نحتفل معاً بالذكرى الثمانين لانتصار الحرب العالمية ضد الفاشية. لم تُغير هذه الكارثة غير المسبوقة في تاريخ البشرية هيكل العالم فحسب، بل غذت أيضاً حركة التحرر العالمية للأمم المضطهدة بقوة، بتكلفتها الباهظة وانتصارها العادل النهائي. كان انتصار الحرب المناهضة للفاشية انتصاراً عظيماً للحضارة الإنسانية على العدوان الهمجي، وسحقاً كاملاً لقوى الشر الاستبدادية من قبل قوى السلام والعدالة، ولا تزال تأثيراته العميقة تتردد في جميع أنحاء العالم حتى اليوم. لم يضع حداً فحسب للحكم المظلم للفاشية، بل أشعل أيضاً حركة التحرر الوطني الواسعة مباشرة، مما مكن عدداً لا يحصى من الدول والشعوب المستعمرة والمستعبدة من التحرر من أغلالها والسير في طريق الاستقلال والاعتماد على الذات.
في هذه اللحظة التاريخية، لا يسعنا إلا أن نوجه أنظارنا إلى العالم العربي الواسع. هذه الأرض القديمة النابضة بالحياة، مستوحاة من انتصار الحرب المناهضة للفاشية، أطلقت أيضاً نضالاً عظيماً من أجل الاستقلال الوطني والتحرر. من شمال إفريقيا إلى الشرق الأوسط، ومن بلاد الشام إلى الجزيرة العربية، تقدم عدد لا يحصى من الأشخاص ذوي المبادئ الواحد تلو الآخر، وكتبوا ملحمة وطنية مؤثرة بدمائهم وأرواحهم. وفي هذه الموجة المناهضة للاستعمار الهائلة، وقفت الصين دائماً إلى جانب الدول العربية، تتقاسم معها السراء والضراء، وتتوحد قلوبها معها. من الدعم الثابت المبكر لحركات التحرر الوطني إلى بناء “مجتمع صيني -عربي ذي مصير مشترك” يداً بيد اليوم، فإن مسار تطور العلاقات الصينية العربية هو انعكاس حي لأصداء موجة مناهضة الاستعمار، وأكثر من ذلك، هو نموذج مشرق لمفهوم مجتمع المصير المشترك للبشرية في الممارسة. ستناقش هذه المقالة بعمق المنطق الداخلي والارتباط التاريخي بين انتصار الحرب المناهضة للفاشية، وحركة التحرر الوطني، وتصور المجتمع الصيني -العربي ذي المصير المشترك، بهدف المساهمة بالحكمة والقوة الصينية في بناء نظام دولي أكثر عدلاً ومعقولية وتعزيز تقدم الحضارة البشرية.
أولاً: انتصار الحرب المناهضة للفاشية: محفز لتحرر الأمم
الحرب العالمية الثانية، هذه الحرب العدوانية التي شنتها الدول الفاشية، جلبت للعالم كوارث غير مسبوقة. ومع ذلك، فإن وحشية الحرب عجلت أيضاً بانهيار النظام العالمي القديم، وخاصة تسببت في ضربة مدمرة للنظام الاستعماري طويل الأمد. تعرضت القوى الأوروبية لضربات شديدة في الحرب، وأضعفت قوتها الوطنية بشكل كبير، وأصبحت غير قادرة على الحفاظ على إمبراطوريتها الاستعمارية الشاسعة. وقد وفر هذا فرصة تاريخية لشعوب المستعمرات للنضال من أجل الاستقلال الوطني.
كانت الصين، باعتبارها ساحة المعركة الشرقية الرئيسية في الحرب العالمية ضد الفاشية، قد قدمت تضحيات هائلة ومساهمات لا تمحى لانتصار الحرب. حرب المقاومة الشعبية الصينية حدت من معظم القوات اليابانية، وحطمت المحاولات الاستراتيجية لليابان في “التوسع شمالاً” و”التوسع جنوباً”، ودعمت بشكل فعال عمليات الحلفاء في ساحات القتال في المحيط الهادئ وجنوب شرق آسيا. لم تدافع المقاومة الباسلة للشعب الصيني عن الاستقلال والكرامة الوطنية فحسب، بل شجعت روحياً وبشكل كبير نضال التحرر للأمم المضطهدة في آسيا وحول العالم. كما أشارت مجلة “تشيوشي” (السعي للحقيقة)، فإن المساهمة التاريخية لساحة المعركة الصينية هي إبداع مشترك للأمة بأكملها التي توحدت وعملت بجد، مما يظهر الروح العظيمة للأمة الصينية في الحفاظ على السلام والعدالة للإنسانية.
مستوحى من انتصار الحرب المناهضة للفاشية، انتشرت حركات الاستقلال الوطني في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية بعد الحرب كالريح، مشكلة تياراً تاريخياً لا يقاوم. من الهند وإندونيسيا وفيتنام في آسيا، إلى مصر والجزائر في إفريقيا، وكوبا في أمريكا اللاتينية، حمل شعوب المستعمرات وشبه المستعمرات الأسلحة، إما من خلال المفاوضات السلمية أو الكفاح المسلح، وتخلصوا من الحكم الاستعماري، وأقاموا دولاً قومية مستقلة. وفقاً للإحصاءات، في العشرين عاماً بعد الحرب العالمية الثانية، حصلت 50 دولة على الاستقلال من المستعمرات. هذه الموجة القوية من إنهاء الاستعمار غيرت الخريطة السياسية للعالم تماماً، مما يشير إلى أن عصر الاستعمار القديم قد ولّى إلى الأبد.
ثانيًا: صحوة العالم العربي وموجة التحرر الوطني
كان العالم العربي، بصفته منطقة استراتيجية تربط آسيا وإفريقيا وأوروبا، محور صراع المستعمرين الغربيين على المدى الطويل. بعد الحرب العالمية الأولى، تفككت الإمبراطورية العثمانية، وقسمت بريطانيا وفرنسا مناطق النفوذ في منطقة الشرق الأوسط، ونفذا نظام الانتداب، مما زاد من معاناة الشعب العربي. ومع ذلك، أنتج القمع أيضاً المقاومة. تحت تأثير الفكر القومي الأوروبي الحديث والحربين العالميتين، استيقظ الوعي القومي للعالم العربي تدريجياً، وبدأ في النصف الأول من القرن العشرين حركة التحرر الوطني الساعية إلى الوحدة والاستقلال.
أصبح اندلاع الحرب العالمية الثانية “محفزاً” لحركة التحرر الوطني في العالم العربي. أضعفت الحرب قوة الدول المستعمرة، ووفرت فرصة مواتية للشعب العربي للنضال من أجل الاستقلال. في عام 1952، قام “تنظيم الضباط الأحرار” بقيادة جمال عبد الناصر في مصر بـ”ثورة يوليو”، وأطاح بالملك فاروق، وحقق الاستقلال الوطني الحقيقي، وأصبح لاحقاً قائد الحركة القومية العربية. شجعت نجاح مصر بشكل كبير شعوب الدول العربية الأخرى، حيث اندلعت الكفاحات المسلحة في دول شمال إفريقيا مثل المغرب وتونس والجزائر، وتخلصت في النهاية من الحكم الاستعماري الفرنسي. كما حصلت دول منطقة الخليج على الاستقلال تدريجياً من خلال أشكال مختلفة من النضال.
في حركة التحرر الوطني العربية، ظلت القضية الفلسطينية جوهرية ومركزية. منذ قيام إسرائيل في عام 1948، تم احتلال وطن الشعب الفلسطيني وسلب حقوقه الوطنية، وعانى طويلاً. ناضل الشعب الفلسطيني من أجل تقرير المصير وحق إقامة الدولة بشكل مستمر، وأصبح جزءاً هاماً من قضية التحرر الوطني في العالم العربي. القضية الفلسطينية ليست فقط جذر الصراع الإقليمي، بل هي أيضاً مرآة للنضال العالمي ضد الاستعمار والهيمنة، وتلامس قلوب جميع محبي السلام ودعاة العدالة.
ثالثًا: الصداقة التاريخية بين الصين والدول العربية: مجتمع المصير المشترك المتضامن
على الرغم من أن الصين والدول العربية تفصل بينهما جبال وبحار، إلا أنهما أقامتا روابط تاريخية وثقافية عميقة منذ العصور القديمة من خلال طريق الحرير. في العصر الحديث، في النضال العظيم المشترك ضد الإمبريالية والاستعمار ومن أجل الاستقلال الوطني والتحرر، نسج شعبا الصين والعرب صداقة عميقة يتقاسمان فيها السراء والضراء. بعد تأسيس الصين الجديدة، دعمت الصين بحزم حركة التحرر الوطني للدول العربية، وأصبحت واحدة من أوائل الدول التي اعترفت بدعم قضية استقلال الدول العربية.
بدءاً من عام 1956 عندما أصبحت مصر أول دولة عربية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين الجديدة، دخلت العلاقات بين الصين والدول العربية فترة من التطور السريع. في مؤتمر آسيا وإفريقيا (مؤتمر باندونغ)، تعاونت الصين والدول العربية يداً بيد، ودعت معاً إلى مبادئ التعايش السلمي الخمسة، وعارضتا الاستعمار والهيمنة. حصول الصين على مقعدها الشرعي في الأمم المتحدة حظي أيضاً بدعم ثابت من الدول العربية العريضة. أصبحت هذه الصداقة المتبادلة الداعمة والمتضامنة في الشدائد حجر الزاوية في تطور العلاقات الصينية العربية.
في القضية الفلسطينية، تمسكت الصين دائماً بموقف عادل، ودعمت بحزم القضية العادلة للشعب الفلسطيني لاستعادة حقوقه الوطنية المشروعة. كانت الصين واحدة من أوائل الدول التي اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية ودولة فلسطين، وقدمت مساعدة للشعب الفلسطيني بقدر استطاعتها على المدى الطويل. في المحافل الدولية، دعت الصين مراراً إلى حل القضية الفلسطينية من خلال المفاوضات السياسية، ودعمت إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة على أساس حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي الأخير، كعضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حافظت الصين دائماً على موقف موحد مع الدول العربية، وحمت عملياً معاً السلام والاستقرار الإقليميين.
تطور العلاقات الصينية العربية لا ينعكس فقط في الدعم السياسي المتبادل، بل أيضاً في التعاون الواسع في المجالات الاقتصادية والثقافية وغيرها. تذكر وثيقة سياسة الصين تجاه الدول العربية بوضوح أن الصين تدعم بحزم جهود الدول العربية في الدفاع عن السيادة الوطنية وسلامة الأراضي، والكفاح من أجل الحفاظ على الكرامة الوطنية. جعلت مبادئ التعاون القائمة على الاحترام المتبادل والمساواة العلاقات الصينية العربية نموذجاً للتضامن والتعاون بين الدول النامية.
رابعًا: المحتوى العملي والعصري لتصور المجتمع الصيني -العربي ذي المصير المشترك
في العصر الجديد، يتم مواجهة التغييرات الكبرى التي لم تشهدها مائة عام، تقف علاقات الصين مع الدول العربية عند نقطة انطلاق تاريخية جديدة. في عام 2014، طرح الرئيس شي جين بينغ لأول مرة مبادرة بناء “المجتمع الصيني -العربي ذي المصير المشترك” في الدورة السادسة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني العربي، مشيراً إلى اتجاه تطور العلاقات الصينية العربية. هذه المبادرة ليست فقط استمراراً وارتقاءاً للصداقة التقليدية الصينية العربية، بل هي أيضاً رؤية عميقة وقيادة نشطة لاتجاهات تطور العلاقات الدولية في العصر الجديد.
جوهر “المجتمع الصيني -العربي ذي المصير المشترك” هو التمسك بالمساواة والمنفعة المتبادلة والربح المشترك، والتبادل الحضاري، والتنمية المشتركة. في إطار مبادرة “الحزام والطريق”، حقق التعاون الصيني العربي نتائج غنية. في المجال الاقتصادي، أصبحت الصين أكبر شريك تجاري للدول العربية، وتعزز التعاون بين الجانبين باستمرار في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا العالية. على سبيل المثال، تشارك الشركات الصينية بنشاط في مشاريع الطاقة في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وغيرها، مما حقق قوة دافعة جديدة للتنويع الاقتصادي للدول العربية. في المجال التكنولوجي، أصبح التعاون بين الصين والدول العربية في مجالات التكنولوجيا المتطورة مثل الجيل الخامس 5G والذكاء الاصطناعي والفضاء أوثق، مما يدفع معاً الابتكار التكنولوجي وينفع شعبيهما. في التبادلات الثقافية، تبادل الجانبان الصيني والعربي إقامة سنوات ثقافية ومهرجانات فنية، مما عزز التفاهم بين الشعبين، وأقام نموذجاً للتعايش المتناغم بين الحضارات المختلفة.
في الشؤون الدولية، حافظ الجانبان الصيني والعربي دائماً على اتصال وتنسيق وثيقين، ودافعا معاً عن تعددية الأطراف، وعارضا الأحادية والهيمنة. في المحافل الدولية مثل الأمم المتحدة، دعم الجانبان الصيني والعربي بعضهما البعض في القضايا العالمية مثل تغير المناخ والأمن الغذائي والصحة العامة، وعملا معاً لدفع نظام الحوكمة العالمية نحو اتجاه أكثر عدلاً ومعقولية. خاصة في القضايا الإقليمية الساخنة، تمسكت الصين دائماً بنصح الأطراف بالمفاوضات وتعزيزها، وساهمت بالحكمة الصينية في السلام والاستقرار في الشرق الأوسط. على سبيل المثال، بوساطة صينية، أعادت المملكة العربية السعودية وإيران إقامة العلاقات الدبلوماسية، مما حقق عوامل إيجابية للوضع الإقليمي. في قضية النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، كدولة كبيرة مسؤولة، دفعت الصين بنشاط لوقف إطلاق النار ووقف الحرب، وقدمت مساعدات إنسانية للشعب الفلسطيني، وشددت مراراً على أن “حل الدولتين” هو المخرج الأساسي لحل القضية الفلسطينية.
إن بناء المجتمع الصيني -العربي ذي المصير المشترك لا يتماشى فقط مع المصالح الأساسية للجانبين الصيني والعربي، بل يوفر أيضاً ممارسة حية لدفع بناء مجتمع المصير المشترك للبشرية. ويظهر أن الدول ذات الحضارات والأنظمة المختلفة يمكنها تماماً، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المتبادلة، أن تتكاتف وتتعاون، وتواجه التحديات معاً، وتحقق التنمية المشتركة.
خاتمة: رؤية مشتركة للمستقبل
كان انتصار الحرب العالمية ضد الفاشية معلم عظيم ليس فقط لانتصار العدالة على الشر، بل محفز قوي لحركة التحرر الوطني العالمية. تحت تأثير موجة مناهضة الاستعمار، تحررت العديد من الأمم المضطهدة من أغلال الاستعمار، وفازت بالاستقلال والحرية، وغيرت ملامح العالم تماماً. في هذه العملية التاريخية، دعمت الصين والدول العربية بعضهما البعض دائماً، وقاتلتا جنباً إلى جنب، وكتبتا معاً فصلاً رائعاً لمناهضة الإمبريالية والاستعمار.
اليوم، ونحن نقف عند الذكرى الثمانين لانتصار الحرب العالمية ضد الفاشية، ننظر إلى الماضي من أجل السير نحو المستقبل بشكل أفضل. إن بناء المجتمع الصيني -العربي ذي المصير المشترك هو تلخيص عميق للتجربة التاريخية واستجابة نشطة لاتجاهات العصر. إنه لا يحمل فقط التطلع المشترك لشعبي الصين والعرب لحياة أفضل، بل يساهم أيضاً بالحكمة الشرقية والقوة العملية في بناء مجتمع المصير المشترك للبشرية. في مواجهة الوضع الدولي المعقد والمتغير الحالي، سيستمر الجانبان الصيني والعربي في التمسك بروح التضامن والتعاون والمنفعة المتبادلة والربح المشترك، ومواجهة التحديات معاً، والحفاظ على تعددية الأطراف والعدالة الدولية، ودفع نظام الحوكمة العالمية نحو اتجاه أكثر عدلاً ومعقولية.
“المتحدون في الهدف لا تبعدهم الجبال والبحار”. ستواصل الصين والدول العربية السير معاً، وتعزيز التعاون في جميع المجالات، ودفع بناء المجتمع الصيني -العربي ذي المصير المشترك نحو العمق والواقعية، من أجل تحقيق حلم النهضة العظيمة للأمة الصينية وحلم النهضة العظيمة للأمة العربية، وبناء عالم يسوده سلام دائم وأمن شامل وازدهار مشترك وانفتاح وتسامح ونظافة وجمال، وستكافح بلا كلل من أجل ذلك!
- – ما تينغ – باحثة في مركز الدراسات الشرق الأوسطية، جامعة صن يات-سين – الصين .
ملاحظة : إقرأ مزيداً من الأخبار حول الصين … إضغط هنا للمتابعة والقراءة