12:20 صباحًا / 30 أغسطس، 2025
آخر الاخبار

الخليل عصيّة على الانكسار ، لا للوصاية الصهيونية ولا للعبث بالعشائرية ، بقلم : د. ربحي دولة

الخليل عصيّة على الانكسار ، لا للوصاية الصهيونية ولا للعبث بالعشائرية ، بقلم : د. ربحي دولة

في سياق استمرار سياسات التفتيت والهيمنة التي ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي، تتكشّف نوايا اليمين الصهيوني في التعامل مع مكونات الشعب الفلسطيني بطريقة استعلائية تفتقر إلى أدنى درجات الفهم لطبيعة هذا الشعب وتاريخه. التصريحات الأخيرة التي أطلقها بعض المسؤولين في حكومة الاحتلال، والتي تنادي بـ”إنهاء السلطة الفلسطينية والتعامل المباشر مع رجال العشائر في الخليل”، تكشف عن مشروع خطير، يسعى لتقويض الهوية الوطنية الجامعة واستبدالها بصيغ محلية وعشائرية مفككة، تكون خاضعة تمامًا لسلطة الاحتلال وإدارته الأمنية.


إن هذا الطرح ليس جديدًا، بل هو استنساخ باهت لما سُمّي في سبعينيات القرن الماضي بـ”روابط القرى”، وهي التجربة التي سقطت بفعل وعي الشعب الفلسطيني، وخاصة في الخليل، المدينة التي طالما كانت في طليعة المواجهة، والمدافعة الشرسة عن الكرامة الوطنية والهوية السياسية. أراد الاحتلال حينها، كما يريد الآن، تحويل الفلسطيني من حامل لمشروع تحرري إلى مجرد مكوّن اجتماعي تقليدي، يمكن التحاور معه وفق منطق “الخدمات” و”المصالح”، بعيدًا عن أي إطار وطني جامع.


لكن الاحتلال ينسى أو يتناسى أن الخليل ليست مجرد مدينة فلسطينية، بل هي عنوان للرجولة والصمود، ومنبع للبطولة في محطات النضال كافة. هذه المدينة قدمت الشهداء والأسرى، وتحمّلت كلفة الاحتلال والاستيطان والتقسيم، ولم تخضع يومًا لإرادة المحتل. التعامل مع العشائر في الخليل، أو في أي مدينة فلسطينية، ليس أمرًا مرفوضًا بحد ذاته، فالعشائر مكون اجتماعي أصيل في فلسطين، ولها دور في الحفاظ على السلم الأهلي وتعزيز التكافل المجتمعي، لكن تحويل هذا الدور إلى أداة لتجاوز الشرعية الوطنية، هو أمر مرفوض ومدان ويشكّل انزلاقًا خطيرًا في المشروع الصهيوني.


إن القيادة الشرعية الفلسطينية، الممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، كانت وستبقى الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني، داخل الوطن وفي الشتات. ومهما كانت الانتقادات أو التحديات التي تواجه هذه القيادة، فإن التعامل معها هو الخيار الوحيد أمام أي جهة تسعى لحل سياسي عادل، أما تجاوزها عبر بوابات العشائر أو الروابط المصطنعة، فهو لعب بالنار، لن يؤدي إلا إلى تفجير المجتمع الفلسطيني من الداخل، وهو هدف لطالما سعت إليه الأجهزة الأمنية والعسكرية للاحتلال.


يدرك الشعب الفلسطيني جيدًا خطورة هذا المشروع، كما يدرك أن الاحتلال لا يسعى إلى التعايش أو الحل، بل إلى السيطرة الكاملة والإلغاء الكامل للهوية الوطنية. لذلك، فإن هذا المشروع، كما فشل في السابق، سيفشل اليوم أيضًا، لأن وعي الشعب الفلسطيني أقوى من أن يُشترى بالمال أو يُخدع بالوعود. لقد أثبت الفلسطينيون، في كل مراحل نضالهم، أنهم لا يقبلون بأن يُداروا كجماعات محلية منفصلة، بل كشعب واحد له قضية واحدة وقيادة واحدة.


أهل الخليل، الذين لطالما كانوا سدًا منيعًا أمام محاولات الاختراق، مدعوون اليوم لتجديد هذا الموقف، والتمسك بتاريخهم النضالي، وعدم السماح لأي جهة أن تعبث باسمهم أو تنطق باسمهم خارج السياق الوطني العام. فالعشيرة لا يمكن أن تكون بديلًا عن الوطن، والعائلة لا يمكن أن تحل مكان المشروع الوطني، والكرامة الشخصية لا تكتمل إلا بحماية الكرامة الجماعية.


إن المشروع الصهيوني القائم على تفكيك المجتمع الفلسطيني وتحويله إلى فسيفساء من المصالح الجزئية والفئات التابعة، هو مشروع خطير، لن تقف تداعياته عند حدود الخليل وحدها، بل سيمتد ليهدد النسيج الفلسطيني كله. لذلك، فإن مواجهته لا تكون فقط بالتصريحات، بل بالفعل الميداني، والتمسك بالشرعية الوطنية، ورفض أي محاولات تواصل مباشر مع الاحتلال خارج الأطر الرسمية.


الخليل، برمزيتها التاريخية والدينية والوطنية، ليست لقمة سائغة في يد الاحتلال. وستبقى كما كانت دائمًا، عصيّة على الكسر، وفية لفلسطين، متمسكة بقيادتها، رافضة لكل المشاريع البديلة، وواعية لكل المحاولات الرامية إلى اختطافها من سياقها الوطني.


كما أفشل الشعب الفلسطيني “روابط القرى” في الماضي، سيفشل اليوم هذا المشروع الذي يحاول أن يُلبس العباءة العشائرية لباسًا سياسيًا زائفًا. وسينتصر الفلسطيني بوحدته، وبوعيه، وبقدرته الدائمة على التمييز بين ما هو أصيل، وما هو مفروض بقوة الاحتلال.

  • – الدكتور ربحي دولة – كاتب وسياسي فلسطيني

شاهد أيضاً

نائب الرئيس حسين الشيخ يطالب الولايات المتحدة التراجع عن منع الوفد الفلسطيني حضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة

شفا – طالب نائب رئيس دولة فلسطين السيد حسين الشيخ، الولايات المتحدة الأمريكية، إعادة النظر …