
“نحو المليون مستوطن صهيوني… هل انتهى حلم الدولة الفلسطينية؟” بقلم الدكتور اياد يعقوب يعقوب
أصدر تقرير حديث بعنوان “إحصاءات السكان اليهود في الضفة الغربية 2024” أرقاماً جديدة تظهر أن أعداد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية – باستثناء القدس الشرقية – تجاوزت نصف مليون، حيث بلغ العدد مع مطلع العام 2024 نحو 517,407 مستوطناً. وتشير المعطيات إلى أن النمو السكاني الاستيطاني واصل التصاعد بوتيرة متسارعة خلال السنوات الأخيرة، إذ سجل زيادة بنسبة 2.87% خلال عام 2023 فقط، وبنسبة 15% خلال الأعوام الخمسة الماضية. وبحسب التقديرات المستقبلية الواردة في التقرير، فإن الأعداد مرشحة للتضاعف تقريباً خلال العقدين المقبلين لتصل إلى أكثر من 613 ألف مستوطن بحلول عام 2030، ثم نحو مليون بحلول عام 2047، ما يعكس تحول الاستيطان من سياسة مؤقتة إلى مشروع ديمغرافي طويل الأمد يسعى إلى فرض واقع جديد على الأرض.
يوضح التقرير الاحصائي التوزّيع الجغرافي والثقل السكاني للاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية والذي يتمركز في ثلاث كتل كبرى: بنيامين (شمال القدس) بنحو 105,409 أي 20.4% من إجمالي المستوطنين، تليها كتلة كريات سيفر/موديعين عيليت بنحو 95,567 (18.5%)، ثم بيطار عيليت بنحو 70,813 (13.7%). بذلك تستحوذ الكتلتان الحريدّيتان (موديعين عيليت + بيطار عيليت) وحدهما على نحو ثلث الإجمالي (32.2%)، ما يفسّر ديناميكية الإنجاب العالية واستمرار الزخم الديموغرافي في قلب الضفة. وتُظهر الكتل المحاذية للممرّات المرورية المركزية تراكماً آخر: أرئيل–إلقانا (شارع 5) 67,968 (13.1%) ومعاليه أدوميم 50,140 (9.7%) وكتلة السامرة 49,874 (9.6%)، فيما تسجّل غوش عتصيون 28,752 (5.6%) وعتصيون الشرقية 10,612 (2.1%) والأغوار 11,565 (2.2%) وتلال جنوب الخليل 22,137 (4.3%) وشمال السامرة 4,570 (0.9%). . هذا التوزيع يعني عملياً أنّ أكثر من 56% من المستوطنين يتمركزون في أحزمةٍ حضرية متصلة حول القدس الكبرى وعلى محور شارعي 5/60، بما يعمّق تقطيع الجغرافيا الفلسطينية. من حيث الزخم، تقفز نسب النمو الخمس-سنوية في عتصيون الشرقية إلى نحو 37.6%، وشمال السامرة 30.1%، والأغوار 25.9%، وكتلة السامرة 23.9% مناطق تعدّ “حدّية” أو موضع جدل سياسي وقانوني، ما يوحي بنمط “تعميق الأطراف” لإسناد الكتل الكبرى وربطها. بالمقابل، سجّلت بيطار عيليت أدنى نموّ خمس-سنوي (1.06%) رغم كتلتها العددية الضخمة، بينما واصل محور معاليه أدوميم (16.5%) وبنيامين (15.9%) وكريات سيفر/موديعين عيليت (17.8%) اتجاهاً صاعداً يثبت رسوخ هذه الأحزمة.
الأرقام التفصيلية تبيّن أن النمو لم يكن متساوياً بين مختلف الكتل الاستيطانية، فقد شهدت بعض المستوطنات زيادات لافتة تجاوزت 40% خلال خمس سنوات، خاصة في كتل مثل شمال السامرة، بنيامين، وغوش عتصيون، بينما سجلت مستوطنات كبرى مثل “موديعين عيليت” و”بيتار عيليت” نمواً بالآلاف خلال عام واحد فقط، لتقترب كل منها من حدود التسعين ألف نسمة. في المقابل، رُصدت زيادات أقل نسبياً في بعض البؤر الصغيرة أو المستوطنات التي بلغت قدرتها الاستيعابية القصوى، لكن المعدل العام ما يزال في صعود متواصل.
عند مقارنة هذه الأرقام بالواقع الديمغرافي الفلسطيني في الضفة الغربية، تظهر ملامح الخلل بشكل أوضح. بمقارنةٍ مباشرة مع سكّان الضفة الغربية الفلسطينيين (تقدير تقريبي 3.2 مليون) فإن المستوطنين يشكّلون نحو 13.9% من مجموع السكان في الضفة، أي مستوطن واحد مقابل نحو 6.2 فلسطينيين. لكن الصورة على مستوى “النقاط الساخنة” أشدّ اختلالاً: فمجموع موديعين عيليت + بيطار عيليت وحده يناهز 166 ألفاً -أي ما يقارب سكّان مدينة فلسطينية كبرى- ومع بنيامين يتجاوز الثلاث كتل معاً 271 ألفاً، ما يخلق قوسيْ ضغط ديموغرافي شمالي وجنوبي حول القدس ويمتدّ إلى العمق عبر ممرّ معاليه أدوميم. هذه الهندسة السكانية تجعل أيّ فصل إقليمي متّسق جغرافياً أكثر تعقيداً كلّما تقدّم الزمن.
التقرير الذي أعده اليمين الصهيوني، لم يكتف بعرض الأرقام بل ربطها بالتحولات السياسية في إسرائيل عقب هجوم السابع من أكتوبر 2023، معتبراً أن ما يسمى “معسكر السلام” الذي كان يراهن على إمكانية التعايش وتقديم تنازلات للفلسطينيين قد انهار، وأن الرأي العام الإسرائيلي يتجه نحو مزيد من دعم الاستيطان وتعزيزه. ووفقاً لكاتس فإن هذه المعطيات ستفتح المجال أمام تسارع أكبر في البناء الاستيطاني خلال الأعوام المقبلة، وهو ما يعني عملياً تقليص أي فرص للتوصل إلى تسوية سياسية على أساس الانسحاب أو التبادل.
الجانب الفلسطيني يرى في هذه الأرقام مؤشراً خطيراً على تكريس الاحتلال ونظام السيطرة على الأرض، حيث اعتبرت السلطة الفلسطينية أن استمرار التوسع الاستيطاني يشكل العقبة الأكبر أمام حل الدولتين، وأن الأرقام الجديدة تكشف عن نية إسرائيلية مبيتة لإغلاق الباب نهائياً أمام أي تسوية عادلة. الفصائل الفلسطينية الأخرى ذهبت أبعد من ذلك ووصفت هذه الإحصاءات بأنها تجسيد لمشروع استعماري هدفه تهويد الأرض الفلسطينية واقتلاع أصحابها الأصليين.
المجتمع الدولي بدوره لم يتأخر في إبداء المواقف. الأمم المتحدة جددت التأكيد على عدم شرعية الاستيطان باعتباره انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة، ودعت إسرائيل إلى التوقف الفوري عن هذه السياسة. الاتحاد الأوروبي كرر موقفه المعروف بأن كل توسع استيطاني جديد يُعتبر عائقاً مباشراً أمام استئناف أي عملية سياسية، وأن هذه الأرقام تُثبت أن إسرائيل تفرض واقعاً أحادياً ينسف فرص حل الدولتين. الولايات المتحدة أبدت قلقها من التوسع الاستيطاني لكنها لم تذهب إلى خطوات عملية لوقفه، فيما أكدت الدول العربية والجامعة العربية أن استمرار الاستيطان بهذا الشكل يقتل أي أفق للتسوية ويدفع المنطقة نحو مزيد من التوتر.
لكن السؤال الأهم هو مدى جدية وتأثير هذه المواقف على الأرض. التجربة تشير إلى أن المواقف الدولية، رغم وضوحها من الناحية القانونية والسياسية، لم تترافق مع ضغوط عملية كافية لإجبار إسرائيل على التراجع. الاتحاد الأوروبي يكتفي ببيانات الإدانة دون فرض عقوبات، والولايات المتحدة التي تملك أوراق الضغط الرئيسية تواصل الاكتفاء بالتعبير عن القلق دون تحرك فعلي، وهو ما يجعل إسرائيل مطمئنة لاستمرار مشروعها الاستيطاني. أما المواقف العربية، فرغم أهميتها الرمزية، إلا أنها تفتقد إلى أدوات التأثير المباشر في ظل التوازنات الإقليمية الراهنة. وبهذا المعنى، فإن هذه المواقف مجتمعة تبدو غير كافية لإحداث تغيير حقيقي في السياسات الإسرائيلية أو وقف الزحف الاستيطاني.
هذه الأرقام إذن لا تمثل مجرد إحصاءات سكانية بل تكشف عن تحول جوهري في المشهد السياسي والديمغرافي في الضفة الغربية، حيث لم يعد الحديث عن مستوطنات متناثرة أو نقاط صغيرة، بل عن تجمعات حضرية ضخمة ومتصاعدة النمو، بعضها بات يتجاوز في حجمه مدناً فلسطينية رئيسية. الواقع الجديد الذي ترسمه هذه الأرقام يعمق الفجوة بين الخطاب السياسي الداعي إلى حل الدولتين وبين الحقائق التي تُفرض على الأرض يوماً بعد يوم، ويضع المجتمع الدولي أمام تحديات متزايدة لإيجاد مقاربة جدية توقف هذا المسار المتسارع قبل أن يصبح من المستحيل التراجع عنه.