
يا بحرُ قُلْ… قراءة وجدانية في نص ميساء الصح ، بقلم: رانية مرجية
حين تقف الشاعرة ميساء الصح أمام البحر، فإنها لا تقف عند زرقة مائه ولا عند امتداده المترامي، بل تجعل منه مرآةً للروح، ورفيقًا في البوح، وساحةً للحوار مع الغياب والخذلان. البحر هنا ليس جغرافيا، بل قدرًا متقلبًا بين مدٍّ يهب الحنان وجزرٍ يسرق الأمان.
منذ المطلع يتبدّى البحر ككيان حيّ يسائل الذات:
“إِنْ كُنتَ مَدًّا صِرتَ جَزْرًا”،
وفي هذه المفارقة تنكشف ثنائية الحياة: الوعد والخيانة، الأمل والانكسار. إن البحر الذي يفترض أن يرمز للاتساع والطمأنينة، ينقلب في النص إلى وجهٍ آخر للخذلان، يترك البطلة في مواجهة الذئب الذي “ارتدى ثياب الغش كي يلاحق صبيةً اسمها ليلى”.
إنّ استدعاء شخصية “ليلى” ليس اعتباطًا؛ فالاسم يشي بالبشرى والحلم، لكنه سرعان ما يتشظى بخيانة الليالي وتقاعس الصياد الذي “جاء لدارنا متأخرًا”. هكذا يتجسد الفقد على هيئة غيابٍ مركّب: خيانة الزمن، تقاعس الحامي، وانكسار البشارة.
البنية الدرامية للنص تقوم على التدرج التصاعدي: من سؤال البحر، إلى كشف الخيبات، وصولًا إلى الترديد القاسي: “أم أنه… أم أنه!!”. هذا التكرار لا يعبّر عن ارتباك لغوي، بل عن جرح مفتوح، عن روحٍ تصرخ في فضاءٍ لا يردّ. وهو ما يجعل الخاتمة حتمية ومؤلمة:
“هو رحلةٌ للقهر في عمق الغياب…”.
ما يميّز نص ميساء الصح هو قدرته على الجمع بين الرمزية والدراما الوجدانية. البحر رمزٌ للقدر، الذئب رمزٌ للغدر، الزبد رمزٌ للوهم الزائل، لكن خلف كل هذه الرموز ينبض صوت المرأة التي تُعلن عن خساراتها بصراحة لا تعرف التجميل.
بهذا النص، تضعنا الشاعرة أمام مرآة قاسية: أن الوجود ذاته قد يتحوّل إلى “رحلة قهر” حين يخون البحر عهده، وحين يتأخر الصياد، وحين تنكث الليالي وعودها. ومع ذلك، يبقى الشعر، كما في نص ميساء الصح، فعل مقاومة ضد الغياب، وصوتًا يتحدى العدم بالكلمة.
يا بَحرُ قُلْ:
بقلم ميساء الصح
هَل يَنْطَوِي فيكَ الضَّياعُ وَكُنتَ لِي
مَوجًا يُلاطِفُ في النَّهارِ عَزيمَتِي
أَتُقَلِّبُ الأَحوالَ فيَّ تُسِيءُ لِيْ!
إِنْ كُنتَ مَدًّا صِرتَ جَزْرًا وَارْتَدَى الذِّئبُ اللَّعينُ ثِيابَ غِشٍّ كَي يُلاحِقَ في النَّهارِ صَبِيَّةً
لَيْلَى تُسَمَّى، يا لِبُشْرَى بِاسْمِها
حَتّى اللَّيالي أَخْلَفَتْ وَعْدًا وَخانَتْ جَدَّتِي
وَتَقاعَسَ الصَّيّادُ، جاءَ لدارِنا مُتَأَخِّرًا
بَيْنَ السُّكارى كانَ يَقْرَأُ طالِعًا فَيَخُونُهُ فِنْجانُهُ
يا بَحرُ قُلْ لِمَ لَمْ تَعُدْ تَرْعَى بِسِرِّي حَرْفَهُ
قُلْ هَكَذا سَنُتِمُّ رِحْلَةَ عُمْرِنا
أَمْ أَنَّهُ زَبَدٌ أَراهُ وَيَخْتَفِي عِنْدَ الصَّباحِ وَنَيْفٍ
أَمْ أَنَّهُ
أَمْ أَنَّهُ!!
هُوَ رِحْلَةٌ لِلْقَهْرِ في عُمْقِ الغِيابْ…