11:49 مساءً / 31 أغسطس، 2025
آخر الاخبار

قصة قصيرة بعنوان : “من ظلال الفقد” ، بقلم : غدير حميدان الزبون

قصة قصيرة بعنوان : “من ظلال الفقد” ، بقلم : غدير حميدان الزبون

كانت ليلة ممتدّة إلى الأبد، ترفض أن تُسلِمنا للصباح، ليلة تتواطأ مع القدر على إطالة عذابنا، وتُغلق أبواب الفجر في وجوهنا.


الجدران حولنا كانت تتنفس ببطءٍ مثقل، والوجوه المرهقة تذوب في العتمة، ما بين دعاءٍ مكتومٍ ونظراتٍ زائغة تتعلّق بأيّ حركة خلف الزجاج.
الساعة متوقفة في أعيننا عقاربها لا تتحرّك، وإنْ تحركت فهي تنغرز في صدورنا. وبينما كنّا نحصي أنفاسنا، إذا بوقع أقدامٍ سريعة يقترب، وصوت ارتجاج العربات المعدنية يقتحم الصمت. تراكض الأطباء نحو غرفة العناية، أبواب تُفتح وتُغلق، أصوات أجهزة تتعالى، ونحن متجمّدون عند العتبة، لا ندري أندخل لننقذ ما تبقّى من عمرها أم نظلّ شهودًا على انسحابها الأخير من الدنيا.
وفي اللحظة نفسها، تردّدت تكبيرات الفجر من المآذن، اخترقت ممرّات المشفى كأنها نداء من عالم آخر، تذكيرٍ بأنّ الليل لا ينتهي إلا بتسليم الأرواح إلى قدرها.
كانت التكبيرات تختلط بصوت الأجهزة وصفير القلوب الاصطناعية، فبدت كأنها مفاوضة بين السماء والأرض، بين الروح والجسد.
اقتربنا من الباب الزجاجي، والعيون تبحث عن إشارة حياة، يدها كانت ساكنة، أصابعها باردة، لكنّ وجهها بدا مغمورًا بسلامٍ غريب، كأنها سمعت النداء وأجابت. لحظتها أدركنا أنّ الصباح الذي انتظرناه لن يجيء بالفرج، بل جاء بالوداع.
في تلك الليلة كان ممرّ المستشفى أضيق من أن يحتمل قلوبنا، أضيق من أن يسع قلقنا.
كنا نتنقّل فيه جيئةً وذهابًا نبحث عن نافذة، نحدّق تارة في عقارب الساعة التي تثقل خطواتها، وتارة في الباب المغلق حيث ترقد أمّنا خلف الزجاج، متصلة بأجهزة لا نفقه منها إلا صوتًا متقطعًا يشبه نبضًا يتأرجح بين البقاء والغياب.
لم نتبادل الكلام كثيرًا، فأي كلمة قد تجرّ وراءها انهيارًا لا عودة منه.
العيون وحدها كانت تتحدّث.
أختي الكبرى كانت ترفع يديها بالدعاء بصمت، وأخي الأصغر يجلس على الأرض، يطوي ركبتيه كطفل تائه، أما أنا فكنتُ أنظر إلى الباب وأردد في داخلي: “لا يمكن أن يرحل هذا الوجه الذي ملأ حياتنا دفئًا”.
أرواحنا مسمرة على وجوه الأطباء، رأيناهم يحيطون بسريرها، أصوات الأجهزة تتسارع، أنابيب تتشابك، أيدٍ تضغط على صدرها، وأخرى ترفع قناع الأكسجين.
وفي تلك اللحظة بالذات، انطلق صوت المؤذن من المسجد القريب:
الله أكبر… الله أكبر.
كان النداء يخترق الممرّ، يتردد في قلوبنا، معلنًا معركة أخيرة بين الحياة والموت. ارتجفت قلوبنا، رفعنا أيدينا بالدعاء، لكن الزمن بدا أسرع منّا.
لم نعد نعرف هل نصلي أم نبكي، هل نتوسل أم نستسلم.
وفجأة استقام الخط الأخضر على الشاشة. لا ارتعاشة، لا قفزة، فقط خط واحد ممتدّ يقطع قلوبنا قبل أن يقطع الجهاز.
دخل الطبيب إلينا، لم يتحدث، لكنّ ملامحه قالت كل شيء، أمي رحلت.
صرخ أخي: “لا، أمي!”
أما نحن، فتجمّدنا، لم نصدق، ننتظر أن تعود للحظة، أن تتحرك يدها، أن تفتح عينيها وتقول: “ما بكم؟ أنا هنا”.
لكنها لم تفعل، اقتربتُ منها، لمست يدها كانت باردة على نحو لم أعرفه من قبل، همستُ لها:
“أماه، ألم تقولي إنك ستبقين حتى ترين أحفادك يكبرون؟ لماذا تركتِ الوعد معلقًا؟”
لم تجب، غير أن نسمة دافئة مرّت في الغرفة، كأنّ شيئًا خفيفًا ارتفع من صدرها، ثم مضى إلى العلو، لم نره، لكننا أيقنّا أنه روحها التي صعدت، تاركة أجسادنا خاوية.
انتقلنا معها إلى الغرفة الأخرى، جسدها مسجّى على الطاولة، صامت، هادئ، بلا حراك.
بدأت المغسّلة تسكب الماء، ليغسل تعب السنين، يغسل وجع المرض، يغسل أثر الإبر والأنابيب التي علّقت جسدها إلى جدار الرحيل.
كنّا حولها صامتين، نكتم شهقاتنا كي لا نوقظها من نومها الأخير.
الماء ينحدر على جسدها المسجّى، فيبدو كأنه يُعيد لها نقاء طفوليًّا قديمًا، كأنها تعود إلى بداياتها الأولى، طفلة تتهيأ للخروج من رحم الدنيا.
لمحتُ يديها اللتين طالما غسلتانا ونحن صغار، تسكب علينا الماء بحنانٍ وتفرك شعرنا بصابونٍ معطّر، كانت تضحك حين نرتجف من برودته، ثم تلمّنا بمنشفة كبيرة، وتدثرنا بحضن الأيام.
اليوم، نحن من يقف صامتًا، والماء ذاته يتساقط، لكن لا دفء في نهايته، ولا منشفة، ولا حضن.
أخواتي كنّ يمددن أيديهن بخجل، يلمسن جبينها البارد كأنهن يختبرن الحقيقة بأصابع مرتجفة.
لم تعد تلك الأم التي كانت تصرخ فينا لتناول الخبز والحلويات، ولا تلك التي تُخبئ دمعها حين يطول غيابنا.
صارت بين أيدينا جسدًا هشًّا، بلا صوت، بلا حركة.
كنت أهمس إليها، وأنا أراقب الماء يتساقط: “أماه، أتذكرين حين كنتِ تقولين إنّ التعب يغسل بالماء، وإنّ الهمّ يذوب مع رغوة الصابون؟ ها هو الماء اليوم يحاول أن يغسل وجعك، لكنه لا يعيدك إلينا، أماه، لمَ سبقتِنا؟”
المغسّلة تواصل الطقس بوجهٍ جادّ، ونحن ننهار في الداخل.
كان الغسل آخر حوار بيننا وبينها، آخر فرصة لنمسّ جسدها قبل أن يُلف بالكفن، كأننا نتمسّك بخيطها الأخير قبل أن تفلت من بين أيدينا إلى الأبد.
اقتربتُ منهم، وقلت بصوت متهدّج:
“تذكرين يا أمي حين كنتِ تحمّميننا أطفالًا؟ كنا نضحك ونرش الماء على بعضنا، وأنتِ تضحكين معنا، اليوم نحن من يغسلك، لكنّ البكاء حلّ مكان الضحك”.
انفجرت أختي بالبكاء وهي تمرّر يدها على جبينها:
“يا أمي، كنتِ تنظفيننا بأصابعكِ الرقيقة، واليوم نحن نمسح عنكِ الغبار الأخير”.
وضعت أختي الأخرى يدها على كتفها، وقالت كمن تعتذر:
“سامحينا، لم نعرف كيف نحميكِ من وجعك”.
كل قطرة ماء كانت تحملنا إلى مشهد من الماضي،
يوم العيد، حين كانت تملأ المغسلة بماء البئر، تغسل وجوهنا وتقول: “كبروا بالفرح”.
يوم المدرسة الأول، وهي تمشط شعرنا وتربط الحقائب على ظهورنا، تبكي خفية ثم تبتسم.
أيام الشتاء، حين كانت تدثرنا بالبطاطين، ثم تجلس قرب المدفأة، لا تنام حتى نتنفس بانتظام.
والآن، نحن من يلفّ جسدها بالكفن. نحن من يجهّزها للرحيل.
لم يكن الغسل وحده ما ذبحنا، بل الذكريات التي هاجمتنا دفعة واحدة.
رأيناها في المطبخ، رائحة البصل تتصاعد وهي تقلي أقراص المشاط والزلابية. رأيناها تحت شجرة الزيتون، تلتقط الحبات المتساقطة وتضعها في كفوفنا الصغيرة.
رأيناها على عتبة البيت، تودّعنا إلى المدارس بدعاء قصير يحمينا: “الله معكم”.
تذكرتُ لحظة مرضي ذات ليلة، حين وضعت كمادة باردة على جبيني، لم تغادرني حتى غفوت.
وتذكرتُ يوم زواجي، حين خبأت دموعها خلف ضحكة، ثم أمسكت بيدي وقالت: “ابقي قريبة من قلب أمك، حتى لو تغيّرت البيوت”.


حين انتهى الغسل، حملناها إلى النعش لتطوف أرض سكناها.
بدا كأنه أثقل ما حملناه يومًا.
لم يكن جسدها وحده فيه، بل كل طفولتنا، كل ذكرياتنا، كل لحظات الأمان.
الدموع تحجب الطريق، والفجر كان قد اكتمل، لكنّ نوره لم يصل إلينا.
كلّ “الله أكبر” من المآذن أعادت إلينا اللحظة، هرولة الأطباء، الخط المستقيم، صعود الروح، ماء الغسل، ضحكات الطفولة.


رحلت فاطمة، لكننا نعلم أنها لم تذهب بعيدًا.


فاطمة صارت فينا، في أصواتنا، في أرواحنا، في خبز الصباح وزيت الزيتون.
صارت جزءًا من ذاكرة البيت، من شجرة العائلة، من كل دعاء نهمسه.
كان الفجرُ اليوم أيضا مختلفًا يصرخ من قلب الزمن حابسا أنفاسه، ينتظر أن يعود صوتها ليملأ الفراغ.
رحلت أمي، لكنّ روحها امتدت إلى كل شيء حولي، في ظلّ الشجر الذي يموج مع أنفاسها، في قطرات الندى التي تتلألأ كعينيها، في الريح التي تهمس باسمي وكأنها تقول: “أنا هنا، معك إلى الأبد”.


وتعلمتُ ولا زلت أتعلم أنّ الفقد ليس موتًا، هو بوابةٌ لعالمٍ من الذكريات الحية، حيث يمكن للحزن أنْ يتحول إلى نورٍ خفي، والحب إلى صدى لا ينقطع يجري في العروق.


وفي هذا العالم الغامض أصبح كل فجرٍ جديد مرايا، كل خطوةٍ رحلة، وكل دمعةٍ جسرًا إلى حضورها الذي لا يغادر، إلى روحها التي تتراقص بين الظلال، بين الحياة والموت، لتعلمني كلّ يوم كيف أمشي بلا ظلّها.

شاهد أيضاً

أسعار الذهب اليوم

أسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت أسعار الذهب اليوم الأحد 31 أغسطس كالتالي : سعر أونصة الذهب عالمياً …