5:34 مساءً / 17 أكتوبر، 2019
آخر الاخبار

حد الدنيا بقلم : ربيعة العربي

بعد يوم شاق من العمل عدت بقطيع الغنم إلى الزريبة، و أنا أغني مقطعا للحاجة الحمداوية. نهرتني اللا طامو قائلة:

ـ كف عن هذه العادة فصوتك لا يصلح للغناء و أسرع بإدخال الغنم إلى الزريبة و الحق بي فورا.

أوصدت باب الزريبة بإحكام و أسرعت الخطى لكي لا تلومني للا طامو، فلقد كان لها في قلبي محبة خاصة و هي بدورها تعاملني بكل لين. لما دخلت الدار قالت لي:

ـ انظر إلى أكياس القمح المتبعثرة هناك. لقد أتى بها ولد محمد و وضعها هنا. أريدك أن تدخلها كلها إلى ‘‘بيت الخزين‘‘.

كانت هناك عشر أكياس ثقيلة، غير أنني تعودت أن أفعل كل ما تطلب مني للا طامو بكل طيب خاطر. و لكي لا أحس بالتعب بدأت أحمل الكيس تلو الآخر و أنا أغني:

ـ أميمتي أميمتي إلا جاك نعاس أنا ما جاني.

قالت للا طامو ضاحكة :

ـ ما أعرفه هو أنك تغط في نوم عميق كلما وضعت رأسك على الوسادة و شخيرك يصل إلى حد الزريبة.

توقفت قليلا و بدأت أرقص. في هذه اللحظة دخل عبد الكريم فقال لي ضاحكا:

ـ ‘‘الركزة…الركزة‘‘

فركزت بكل ما في قلبي من فرح طفولي.

نهرت للا طامو عبد الكريم و قالت له و هي لا تكف عن الضحك:

ـ كفاك تشجيعا له على الرقص، فإذا استمر على هذه الحال فإن أكياس القمح لن تبرح مكانها.

فقال لها:

ـ لا تخشي شيئا أمي سأعاونه على حملها.

و عاونني عبد الكريم على حملها و هو يردد معي:

ـ أوليدي أليدي إجا يلاقيني بحبيبي

لما أنهينا العمل و جدنا كؤوس الشاي في انتظارنا شربناها و أكلنا الخبز مع السمن و العسل. كان هذا هو عشائي لهذه الليلة.

ملأت معدتي و خرجت من المنزل. كان البدر في تمامه فصممت على أن أبيت فوق أكوام التبن الموضوعة قرب الزريبة. أخذت معي الناي الذي صنعته بنفسي و بدأت أعزف. تجمع حولي الأولاد. غنينا و رقصنا و ضحكنا و تحاكينا أمورا كثيرة حكى لي الأولاد عن المدرسة و عن المعلمين و عن المقالب الكثيرة و حكيت لهم عن الوادي و عن اللصوص الذين يتربصون بالغنم و عن أشكال السحب في السماء و عن النجوم التي أتأملها في الليل. قال لي عز الدين ضاحكا:

ـ أنا أعرف أنك ترعى الغنم بالنهار لكنني لم أكن أعرف أنك ترعى النجوم بالليل.

ضج الأولاد بالضحك. كان لموسم الحصاد محبة عميقة في قلبي لأن أولاد للا طامو يكونون في عطلة، و بما أن جو الصيف حار فكثيرا ما يفضلون النوم فوق أكوام التبن بقربي فنمضي الليل في السمر و الضحك إلى ساعات متأخرة ، و حين يأوبون إلى المدرسة أبقى لوحدي أقضي النهار في رعي الغنم و في الليل أحرس الدار مستأنسا بمذياع كانت للا طامو قد أهدته لي في إحدى المناسبات… و كانت القرية هي كل دنياي حدها الأقصى المرعى و حدها الأدنى السوق الأسبوعي…و كانت دنياي كتلة من أرض و سماء يمتدان في خط متصل لا انقطاع فيه .و لم يكن يخطر ببالي و لا لحظة واحدة أن هنالك حدودا أخرى للدنيا غير هذه الحدود إلا يوم حدثني عبد الكريم عن السرداب فكان لحديثة وقع السيف الذي أحدث انقطاعا حادا بين خطين كانا لوقت قريب لا انفصام فيهما.

يتبع

شاهد أيضاً

مستوطنون يقتحمون برك سليمان ووادي فوكين في بيت لحم

شفا – إقتحم مستوطنون تحت حماية جنود الاحتلال الإسرائيلي، صباح يوم الخميس، منطقة برك سليمان …