3:53 صباحًا / 20 نوفمبر، 2019
آخر الاخبار

العلاقات الفرنسية – العربية في عهد هولاند.. وحلم -التغيير- بقلم : فيفا صندي

استقبل الشارع العربي، الذي تابع الانتخابات الفرنسية منذ ايام، باهتمام كبير فوز الاشتراكي فرانسوا هولاند وبفرحة مبالغ فيها، اضف الى ذلك ما عرفته مواقع التواصل الاجتماعي من تغريدات وتعليقات وتبادل التهاني بسقوط الرئيس السابق ساركوزي، الذي لم يدافع يوما عن حقوق الاقليات والمهاجرين العرب والمسلمين بفرنسا، بالإضافة الى موقفه من قضية الحجاب.

 

هولاند “القادم من الظل”، لم يكن لأحد قبل سنة ان يراهن على فوزه في الانتخابات، هو نفسه اليوم ثاني رئيس اشتراكي لفرنسا بعد فرنسوا ميتران (1981-1995)، وهو بذلك على رأس واحدة من كبرى الدول في العالم، ممن يمتلكون مقعدا دائما في مجلس الامن، وواحدة من اكثر دول الاتحاد الاوروبي دورا وتأثيرا، ومن بين دول العالم التي تمتلك سلاحا نوويا.

 

ربما هو الحظ الذي ساعده في الوصول الى قصر الايليزيه، خصوصا وان الرئيس السابق ساركوزي شكل نقطة سوداء لدى الفرنسيين، بسبب اسلوبه المائع في ممارسة السلطة وتخبطه السياسي طول مدة قيادته لفرنسا. وقد راهن هولاند على هذه النقطة واعتبر هذه الانتخابات هي استفتاء على ساركوزي وعلى محصلة عمله على رأس السلطة، فنتيجة الانتخابات كانت اكثر منها ضد ساركوزي على كونها لـ هولاند.

 

وكما حدث في 1981، فقد كان فوز المرشح الاشتراكي منعرجا  للقوى الديمقراطية في أوربا  والمنطقة المتوسطية لتسترجع موقعها وتمتلك المبادرة السياسية والاقتصادية. وتحت شعار “التغيير الان” خاطب هولاند الفرنسيين، وباختيارهم وتصويتهم لصالحه تكون فرنسا فعلا اختارت التغيير.

وبالعودة الى فرحة الشارع العربي، وتفاؤله بفوز هولاند، نتساءل، هل سيشمل هذا التغيير السياسة الخارجية الفرنسية، وهل ستتأثر العلاقات الفرنسية مع دول المنطقة العربية ودول “الربيع العربي” بوصول الحزب الاشتراكي الى الرئاسة؟

 

من خلال قراءة عامة للتاريخ السياسي الفرنسي، يمكن ان نستنتج أنه لا يوجد فرق جوهري بين اليمين واليسار عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية الفرنسية والعلاقات مع الدول العربية. وبمتابعتنا للبرنامج الانتخابي لهولاند، والمناظرة التي جمعته وساركوزي والتي دامت 3 ساعات ولم تخصص فيها سوى ربع ساعة لمناقشة السياسة الخارجية، مما يؤكد ان سياسة هولاند لن تحمل الجديد عما كانت عليه السياسة الخارجية في عهد الرئيس السابق وبالتالي لن تأتي بالتغيير الكبير الذي يأمله المواطن العربي. ولعل المشاكل الداخلية التي تمر بها فرنسا مع اصلاح ما تركه ساركوزي من اعطاب، والازمة النقدية الاوربية وما يصحبها من ملفات عالقة تخص مسألة الانسحاب من العملة الأوروبية الموحدة، ودور المؤسسات الأوروبية وغيرها من الامور المتعلقة بأوروبا، كلها محطات سوف تستحوذ على كل اهتمام الرئيس الفرنسي في المرحلة القادمة.

 

ورغم ان الحزب الاشتراكي الفرنسي يطور خطابه تجاه بعض قضايا العرب، وخصوصا القضية الفلسطينية، كمطالبة اغلبية نواب الحزب الاشتراكي بان تتجاوز فلسطين صفة العضوية الى مراقب، لكنه يضل خطاب خجول ودون تفعيل حقيقي خصوصا امام الفيتو الامريكي. كما ان تأكيد هولاند على التزام فرنسا بالمساهمة بتقديم مبادرات من أجل إيجاد حل للقضية، يضل مجرد حبر على ورق في الوقت الذي تستمر فيه اسرائيل في بناء المستوطنات، واغتصاب حقوق الفلسطينيين.

 

اما موقف فرنسا من الازمة السورية، فلن يختلف عما كان عليه في عهد ساركوزي، بل واكد عليه الرئيس الجديد الذي لم يخفي مشاركة بلاده في اي تدخل عسكري في حال اصدر مجلس الامن قرارا بذلك. وهو الموقف نفسه الذي عبر عنه في وقت سابق وزير الخارجية الحالي لوران فابيوس الذي وصف الرئيس السوري بالديكتاتور الدموي والاستبدادي، متسائلا “لماذا نتدخل في ليبيا وفي تونس ومصر ولول بطرق مختلفة، ولماذا نترك الشعب السوري يقتل؟”.!!

 

وبخصوص علاقة فرنسا مع دول الخليج، فلن تتغير وستضل قائمة على نفس المصالح، لأنها مسألة تتعلق بالإجماع الأوروبي، والموقف الفرنسي يأتي في إطار هذا الإجماع. لكن وتبعا لسياسة اخذ المسافة مع عالم المال (الذي تورط به سابقا ساركوزي) والتي ينهجها الرئيس الحالي، فمن المتوقع ان تتقلص العلاقات بين فرنسا وقطر وان تأخد الطابع الاعتيادي والرسمي.

 

اما علاقة فرنسا بالمغرب العربي، فمن المتوقع ان تواكب التغيرات التي عرفتها المنطقة ابان الثورات التي اطاحت بالأنظمة، وسوف يكون الخطاب موجها اكثر الى الشعوب بدل القيادات، مع ضرورة دعم فرنسا للإصلاح والتغيير وتفعيل الشراكة بينها وبين شعوب المنطقة.

 

في ليببا، وبعدما صارت فرنسا الشريك الاوروبي الاول بعد الثورة، فمؤكد ان يستمر الرئيس الفرنسي الجديد على نهج سابقه ساركوزي، وذلك بترسيخ التواصل مع القيادات الحاكمة، وفتح المجال لنقل الخبرة الفرنسية في المجالات العسكرية والمدنية.

 

وفي تونس، وبعد فترة التوتر التي خيمت على العلاقات بين باريس وتونس منذ اندلاع الثورة التونسية، فسوف تسعى الخارجية الفرنسية الى تصحيح مسار العلاقات، مع فتح حوار جديد مع السلطات التونسية الحالية، ودعم الشراكة بين البلدين.

 

اما الجزائر، والتي تنظر بتفاؤل الى مستقبل العلاقات الفرنسية الجزائرية، (التي طالما خيم عليها البرود بسبب موضوع التاريخ المشترك وقضايا الذاكرة، وما يرتبط بها من مطالب جزائرية بالاعتراف والاعتذار عن جرائم الحقبة الاستعمارية) والتي تنتظر في نفس الوقت من الرئيس هولاند القطيعة مع سياسة سابقه في تفسير ماضي فرنسا الاستعماري والنظر إلى الجزائر باعتبارها شريك حيوي ومهم في المنطقة، مع عدم إزعاج النخبة الحاكمة بإثارة موضوع تسريع مسار الإصلاحات التي وعد بها الرئيس بوتفليقة. ربما هو تفاؤل مبالغ فيه، وخصوصا اذا علمنا موقف القوى الفرنسية التي تقف ضد كل حراك مدني يدفع إلى الاعتراف بمساوئ الاحتلال، وهي نفس القوى التي اوصلت هولاند الى الرئاسة. فيما عدا ذلك سوف تضل الجزائر من اهم شركاء فرنسا في المنطقة والتي سوف يسعى النظام الفرنسي الجديد الى تعزيز الشراكة بينهما.

 

وفيما يخص العلاقات الفرنسية-المغربية، ورغم تخوف الرباط من مستقبل قضية الصحراء ابان فوز الاشتراكي هولاند بسبب علاقته المتينة مع جنرالات الجزائر من ناحية، وموقف الرئيس الفرنسي الاشتراكي الاسبق فرانسوا ميتران من البوليساريو من جهة اخرى، لكنها مخاوف عابرة، وخصوصا اذا علمنا ان موقف فرنسا من قضية الصحراء لن يطرأ عليه تغيير بعد وصول الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إلى الحكم، بالإضافة الى مساندة الحزب الاشتراكي الفرنسي لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب لتسوية نزاع الصحراء، وهو نفس الحل الذي يدعمه هولاند، على اعتبار أنه “الحكم الأكثر واقعية لتسوية مشكل الصحراء”. كما ان رسالة التهنئة التي بعث بها الملك محمد السادس الى الرئيس الفرنسي المنتخب هي تأكيد على ترسيخ وتقوية العلاقات بين الرباط وباريس مع مواصلة نفس المقاربة بخصوص قضية الصحراء والعلاقات الاقتصادية والاستثمارات بين البلدين.

 

بالنهاية، فإن المشروع الفرنسي الذى اتى بهولاند تحت مسمى “التغيير الآن” فما هو الا شأن داخلي يعبر عن احلام الموطن الفرنسي، وبالقطع هذا من حقه، اما نصيب العرب من هذا التغيير فهو يكاد ان يكون صفرا، فالصورة التي تصدرت الجرائد العربية عن هولاند الذي يركب دراجته في تواضع ويسارية الرجل تعود الى بلده وليس لنا فيها نصيب . فما هو الا منفذ او سائر على نهج سابقيه في تعامل فرنسا بسياستها الخارجية مع الدول العربية

 

باختصار ذهب ساركوزي وجاء هولاند والتغيير المنشود في حركة السياسة الخارجية لفرنسا معنا نحن العرب ماهي الا عبارة عن تحرك في مكانك دون ان تبرحه قيد انملة.. باختصار هي” محلك سر” واذا اردنا نحن العرب ان تغير فرنسا سياستها معنا فهذا لن يكون الا مننا حين نبدأ في التغيير الفعلي في سياستنا من تابع الى ند.!

شاهد أيضاً

الرقب : على السلطة التحرك الفوري لتشكيل فريق قانوني لمقاضاة واشنطن على قراراتها

شفا – طالب أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس، الدكتور أيمن الرقب، السلطة الفلسطينية بالتحرك …