7:30 صباحًا / 18 أبريل، 2024
آخر الاخبار

الميناء المؤقت ظاهره، إنساني وباطنه استعماري، بقلم : راسم عبيدات

الميناء المؤقت ظاهره، إنساني وباطنه استعماري، بقلم : راسم عبيدات

الميناء المؤقت ظاهره، إنساني وباطنه استعماري، بقلم : راسم عبيدات

بعد خطاب “حالة الاتحاد”، الذي ألقاه الرئيس الأميركي جو بايدن، يوم الجمعة 8/3/2024، وتطرق فيه إلى الوضع الإنساني الصعب في قطاع غزة، والعدد الكبير من المدنيين الذين قتلتهم “إسرائيل” وتَرَمُل أعداد كبيرة من النساء، واستمرار الموت بالجوع والأمراض والأوبئة والقصف “الإسرائيلي” المتواصل، يبدو بأن بايدن الذي لم يكترث لمصير هؤلاء السكان وما يتعرضون له من إبادة جماعية، طوال فترة العدوان على قطاع غزة لأكثر من خمسة شهور، حيث دعم وشارك في هذا العدوان بشكل قوي، والجسر الجوي من الأسلحة الأميركية لـ”إسرائيل”، لم يتوقف منذ بداية 7 أكتوبر، ويبدو بأن عوامل داخلية وخارجية، لعبت دوراً مهماً في قراره بأن يعمل على إنشاء ميناء بحري “مؤقت” حسب قوله في شمال قطاع غزة، وفق خرائط لهذا المشروع تقع في منطقة شمال قطاع غزة، فوق حقول الغاز في تلك المنطقة، هذا الميناء المدعوم بألف جندي أميركي من قوات المارينز.

فبادين الذي صحا فجأة ليذرف دموع التماسيح على مصير السكان المدنيين في قطاع غزة، وما يتعرضون له من مجازر وأوضاع إنسانية مأساوية لم يشهدها أو يعرفها التاريخ البشري بماضيه وحاضره، حيث أصبح 90% من سكان القطاع نازحين، ودمرت أكثر من 70% من منازل القطاع، عدا التدمير الممنهج الذي طال البنى التحتية والطرقات وكل البنى والمؤسسات المدنية قطاع صحي “مستشفيات ومراكز طبية”، ناهيك عن تدمير شبكات الكهرباء والماء والصرف الصحي ومراكز الإيواء والمؤسسات التعليمية ودور العبادة وغيرها.

بايدن هول المجازر والمناظر المرعبة لجثث أطفال في الشوارع وجثث متحللة تنهشها الكلاب الضالة وغيرها في القطاع، والتي دفعت بالرأي العام العالمي في التحول على المستوى الشعبي أوروبياً وأميركياً بشكل كبير ضد “إسرائيل” وأميركا”، ولكي تندلع مظاهرات ومسيرات احتجاجية واسعة، ولتطال ليس العواصم الأوروبية والأميركية، بل الكثير من مدن تلك الدول، هذه المظاهرات وخاصة في أميركا، والتي رأت فيها شريكاً مباشراً لـ”إسرائيل” في جرائم الإبادة الجماعية حسب القضية المرفوعة من قبل دولة جنوب أفريقيا على “إسرائيل”، والتي باتت تهدد مصير بايدن الانتخابي بأن لا يتمكن من العودة إلى البيت الأبيض في ولاية رئاسية ثانية، حيث الولايات المتأرجحة والتي تحسم في مصير الانتخابات، وخاصة متشغان ومعها بنسلفانيا، والتي يقطنها أغلبية عربية وإسلامية، حيث الانتخابات التمهيدية التي جرت هناك، قال أكثر من 100 ألف مُصَوِت، بأنهم سيصوتون بلا ملتزم للحزب الديمقراطي والرئيس بايدن، ويضاف إلى ذلك إقدام الطيار الأميركي آورون بوشندل على حرق نفسه أمام السفارة “الإسرائيلية” في واشنطن منتصراً للإنسانية ورافضاً للشراكة الأميركية في جرائم الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وما أعقب ذلك من قيام العديد من الجنود والضباط الأميريكيين بحرق شاراتهم العسكرية احتجاجاً على الموقف الأميركي من الحرب على قطاع غزة.

بايدن الذي رفض أي وقف إطلاق نار لدواعي إنسانية في القطاع، من خلال استخدام حق النقض “الفيتو” ضد مشاريع القرارات التي قدمتها أكثر من دولة، روسيا والإمارات وغيرها، بالإضافة إلى إفشال مشروع قرار جزائري، يدعو لصدور بيان رئاسي من مجلس الأمن يحمل “إسرائيل” مسؤولية “مجزرة الطحين” على دوار النابلسي في القطاع، والتي راح ضحيتها أكثر من ألف مواطن، وأميركا لم ترفض هذا القرار فقط، بل حتى توجيه لوم أو انتقاد إلى “إسرائيل” رفضته.

الخلاف الأميريكي “الإسرائيلي”، رغم كل الحديث عن الخلافات بين الطرفين، وزيادة حدة الانتقادات الأميركية لسياسات نتنياهو وكيفية إدارته للمعركة والحرب على القطاع، وبأن تلك السياسات والمواقف تضر بـ”إسرائيل” أكثر ما تنفعها، ولكنها بقيت في إلإطار التكتيكي، مع الاتفاق على استمرار الحرب على القطاع، لأن شروط وقف هذه الحرب، وفق الشروط الأميركية “الإسرائيلية” لم تنضج بعد.

هذا الميناء الذي يجري التجهيز لبنيته التحتية بمشاركة أوروبية غربية وموافقة “إسرائيلية”، على أن يجري تمويل تكاليفه البالغة 35 مليون دولار، عبر ثلاث دول عربية خليجية، هناك أهداف مباشرة من إنشائه بعيداً عن ما يعرف بالبعد الإنساني، الذي لم يحرك الإدارة الأميركية بالمطلق ولم يكن هاجسها، فأهداف المشروع المباشرة، في المدى القريب، يقف في مقدمتها إعادة هندسة جغرافيا قطاع غزة، عبر تقطيع أوصالها، وترتيب أولويات سكانها، بالترافق مع المشروع “الإسرائيلي” المتمثل بشق شارع بعرض 6 ونصف كلم يفصل شمال قطاع غزة عن جنوبه ويصل إلى البحر المتوسط ،وبما يوفر السيطرة الكاملة لـ”إسرائيل” على كل معابر القطاع والتحكم في مداخله ومخارجه، أي العمل على فك علاقة القطاع مع مصر براً وبما يقطع صلتها بالقطاع جغرافياً وسياسياً، ويلغي دور معبر رفح بالكامل، والذي تصر “إسرائيل” وبشراكة أميركية وأوروبية غربية وتواطؤ عربي على عدم فتحه لدخول المساعدات الإنسانية غذائية ودوائية ووقود وغيرها، وأيضاً من ضمن هذه الأهداف، إيجاد جماعات عائلية وقبلية وعشائرية، تكون البديل لحماس وللمقاومة الفلسطينية بتولي توزيع المساعدات الداخلة عبر هذا ميناء على سكان القطاع، كبديل عن السلطة القائمة والقوى السياسية، الأمر الذي دعا قوى المقاومة، للقول بأن كل من تسول له نفسه التعاطي، مع مثل هذه المشاريع المشبوهة، والعبث بالجبهة الداخلية، ستجري معاملته كخارج عن الصف الوطني، وليأتي رد العائلات والعشائر والقبائل، بالقول أنها لن تكون بديلاً عن الممثل السياسي، ولن تكون خارج المشروع الوطني، ولن تساهم في العبث في الجبهة الداخلية، وهي جزء من وحدة هذا الشعب ولحمته.

مع إصرار “إسرائيل” وأميركا على تنفيذ العدوان على مدينة رفح، من أجل استكمال أهداف الحرب، لكي تلحق هزيمة ساحقة بالمقاومة الفلسطينية من وجهة نظرهم، ولكن على أن يراعى فيها -من وجهة نظر الأميريكيين- تجنب قتل المدنيين، والعمل على إيجاد أماكن آمنة لهم، وبأن يجري ترحيلهم مسبقاً قبل القيام بالعملية البرية، والتي قد تسبب بمجازر بشرية وأعداد كبيرة من الضحايا، ولذلك سيكون من أهداف هذا الميناء مدخل لتهجير سكان القطاع إلى قبرص ومن هناك للدول الأوروبية، ولا ننسى بأن هذا الميناء ستكون القرارات المتعلقة بالمساعدات الإنسانية والإشراف عليها وطرق وآليات توزيعها، خارج إطار سيطرة مؤسسات الشرعية الدولية، أي مصادرة أي دور لوكالة الغوث واللاجئين “الأونروا” المطلوب تصفيتها، وهي التي جرى “شيطنتها” أميركياً و”إسرائيلياً”، عبر توجيه ادعاءات واتهامات لعدد من العاملين فيها بالمشاركة في معركة 7 أكتوبر، دون تحقيقات وأدلة دامغة، للوصول بها إلى معادلة “المال مقابل التوطين”.

أما الهدف الاستراتيجي لهذا الميناء، فهو السيطرة على حقول الغاز في منطقة شمال غزة “غزة مارين”، حيث يوجد هناك 35 مليار متر مكعب من الغاز النقي في تلك المنطقة، تريد الشركات النفطية الأميركية العملاقة التي دفعت جزءً من تكاليف الحرب على قطاع غزة السيطرة عليها واستثمارها، وهذا المشروع يندرج ضمن الاستراتيجية الأميركية، التي جاءت شراكتها وقيادتها لهذه الحرب عسكرياً وأمنياً على شعبنا في قطاع غزة، تحت شعار الأمن القومي الأميركي، وهي من أجل حماية مصالحها والدفاع عنها في المنطقة، وإعادة تموضعها الجيواستراتيجي من غرب آسيا حتى منطقة الشرق الأوسط، تريد محاصرة التحالف الروسي، الصيني، الإيراني.

ولكي تقطع الطريق على المشروع الصيني، طريق “الحزام والطريق” والعودة به إلى مساره القديم، من الهند إلى دول الخليج العربي بحراً، السعودية والإمارات، إلى هذا الميناء الذي سيجري إنشاؤه في قطاع غزة، ومن ثم إلى ميناء حيفا في “إسرائيل”، لكي يكون الميناء الوحيد الذي يجري من خلاله تصدير النفط والغاز إلى أوروبا الغربية، التي تعاني أزمة طاقة كبرى، بسبب العقوبات الروسية المفروضة عليها، لمشاركتها أميركا في العقوبات المفروضة على روسيا، ولهذه الغاية والهدف، دمرت أميركا ميناء بيروت، وأخرجت “إسرائيل” بالقصف المتواصل ميناء اللاذقية السوري عن الخدمة، وأميركا ما يحركها في إقامة ميناء غزة “المؤقت”، والذي تسعى “إسرائيل” إلى شراء الميناء الأوروبي في قبرص المقام لإدخال المساعدات الإنسانية لقطاع غزة، حتى تكتمل لها السيطرة على المينائين “الأوروبي في قبرص وأسدود الذي تسيطر عليه” وعمليات تفتيش البضائع الداخلة والخارجة للقطاع، وكذلك حركة الأفراد.

وحروب أميركا في المنطقة حكمتها السيطرة على نفط وغاز المنطقة والتحكم في ممراتها البحرية وموقعها الجغرافي الجيواستراتيجي، ولهذا جرى غزو العراق واحتلاله عام 2003، والسيطرة على نفطه، وفرضت أميركا على العراقيين، عندما اضطرت للانسحاب منه معادلة “النفط مقابل الغذاء”، وهي كذلك تحتل شرق سوريا الغنية بالنفط والغاز، لكي تستمر في سرقة النفط السوري، وما جرى في ليبيا من غزو وتغذية لصراعاتها الداخلية عبر طرفين إقليميين ولتستمر تلك الصراعات على السلطة، في حين تسيطر أميركا على النفط والغاز الليبيين، وكذلك الحرب العدوانية التي شنت على اليمن لمدة سبع سنوات، وقف الغاز والنفط اليمنيين في مقدمة أهدافها.

ولذلك نرى بأن هذا الميناء الذي سيقام في شمال قطاع غزة، لن يكون مؤقتاً ولا من أجل دخول المساعدات الإنسانية للقطاع المحاصر والمدمر، والتي أسرع وأرخص الطرق لدخولها فتح المعابر البرية، وبالذات معبر رفح، بل سيكون هذا الميناء كحال ما جرى ويجري في سوريا والعراق وليبيا واليمن، سيطرة على الغاز الغزي في منطقة الشمال، مدعوماً بقوة عسكرية.

شاهد أيضاً

نتنياهو : إسرائيل ستفعل كل ما يلزم للدفاع عن نفسها

نتنياهو : إسرائيل ستفعل كل ما يلزم للدفاع عن نفسها

شفا – وجه رئيس الوزراء في حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، اليوم الأربعاء، الشكر لوزيرة الخارجية …