1:25 مساءً / 16 سبتمبر، 2019
آخر الاخبار

السؤال الأكثر جدلاً بالشارع المصري بقلم : د. سرحان سليمان

شاب مصري نابغة فطرية تقدم منذ ثلاث سنوات ” أي قبل الثورة ” إلى امتحان بالخارجية المصرية لشغل احدى الوظائف المعلن عنها، فلقى الشاب إعجاب وانبهار السادة الممتحنين، وعندما خرجت النتيجة، وجد الشاب انه ” رسب ” في الاختبار وتم استبعاده، فما منه إلا أن أصر على مقابلة رئيس لجنة الممتحنين لمعرفة أسباب استبعاده، وبعد مجهود كبير، تقابل معه، فسأله الشاب ” سيدى: أنا أريد فقط أن اعرف سبب استبعادي من تلك الوظيفة، الم تنطبق الشروط على ؟”، فأجابه ” السبب أن والدك فقير ولم يكن معك واسطة تؤهلك لاجتياز الاختبار”، فرفع الشاب قضية في المحاكم لأخذ حقه بالقانون، حيث لا يوجد شرط بالإعلان يفيد بأن يكون المتقدم للوظيفة والده من الأثرياء أو معه ” واسطة “، واستمرت القضية بالمحكمة، لكنه لم يستطيع اخذ حكم لصالحه، لعدم كفاية الأدلة المقدمة منه، ففوض الشاب أمره لله، واتجه لشغل وظيفة ” مندوب مبيعات “، لأنه في حاجة ملحة لأى دخل للإنفاق عليه وعلى أسرته، فاصبح الشاب بدلا من أن يكون في وزارة الخارجية، تستفيد منه مصر من نبوغه وتفوقه الدراسي في الكلية التي تخرج منها، إلى بائع متجول بشنطة.
تلك الواقعة لا اقصدها بعينها، فهي مثالا، يوجد العديد مثلها، ويمكن التعميم فيها، فهذا كان أسلوب تعامل الدولة قبل الثورة مع مواطنيها، الفساد طال كل شيء، حتى وصل إلى اختيار المسؤولين ومن يمثلون الدولة، واقتصرت الوظائف الهامة على أبناء عائلات بعينها، فلست مبالغاً اذا ذكرت أن مصر كان يتحكم فيها ما يقرب من  ” 100 عائلة”، تتحكم في الاقتصاد، وفى المناصب، وتتحكم في أرزاق المصريين، بل وتتحكم في إهانة وقهر وظلم المصريين، حتى أصبحت النتيجة أننا أمام امرين: إما شيخوخة المتواجدين حالياً بالمناصب، وإما شباب تم تعيينهم  بالواسطة دون كفاءة، فانهارت الدولة، وانتشر الفساد بشكل لم يحدث في تاريخها، أدى ذلك إلى- وكان سبباً رئيساً في الثورة- الظلم الاجتماعي، وشعور المواطن بانه حقه لا يصل إليه، وان آخر يستحوذ على حق ليس من حقه، فتتضاءل الولاء للدولة، وقل إقبال الشباب على العمل، وكره هؤلاء المستبعدين ظلماً من تولى الوظائف أو نيل حقوقهم الطبقة المسيطرة والحاكمة بالدولة، فانتشر العداء المجتمعي، وادى إلى كراهية الأفراد لبعضهم، ويحاول كل فرد استغلال الآخر، والحجة ” كل شيء فاسد بالدولة فهل أنا الذى سأصلحها !! “، لكن ما لفت انتباهي أن الرشوة والمحسوبية بعد هذه الفترة من الثورة لم تنتهى، ولا يزال الموظفين يتقاضون ” فكة ” حتى ينهوا مطالب الشعب، ومن ينكر ذلك إما لا يعلم، وإما يغمض عينه عن الحقيقة، فماذا لم تقم الحكومة بإنشاء هيئة خاصة مستقلة لمحاربة الفساد، بأنواعه، المالي والإداري، وتكون مستقلة ولها صلاحيات قوية وفورية لمعاقبة أي موظف يتقاضى رشوة، أو يستغل نفوذه، وتكون تلك الهيئة منتشرة بجميع المحافظات، ولها مقرات، وطريقة تواصل مع الجماهير لإرسال شكاوى سريعة من أي موقع، وسوف تحقق مكاسب مالية ضخمة، تفوق تكلفة إنشائها، لأنها ستقضى على الكثير من الفساد المالي، والوظيفي، علاوة أن ذلك سيؤدى إلى زيادة كفاءة العمل، خشية المراقبة والمحاسبة من تلك اللجنة، ويكون لتلك اللجنة قانون خاص بها، وتتبع رئاسة الجمهورية، ويتم اختيار موظفيها بعناية شديدة وفقاً للكفاءة والسيرة الذاتية الحسنة، فستكون إضافة قوية، وهيئة معاونة لإدارة البلد في تطهير مصر من الفساد بأنواعه والمنتشر كالسرطان في كافة الهيئات والمصالح الحكومية.
إننا اصبحنا في حاجة ضرورية لمحاربة الفساد بأنواعه المختلفة، حتى يتحقق بعضاً من العدالة الاجتماعية المنشودة التي كانت من أهم أسباب الثورة، وهذا لابد أن يتزامن مع حلولاً واقعية لكل المطالب الفئوية والعمالة المؤقتة التي تصيب الاقتصاد بالخمول والخسارة، نظرا لشعور أصحابها بالظلم، فيقل الاستعداد للعمل، وانتشار الفساد الوظيفي، إن تلك الأمور مرتبطة ببعضها، إنشاء هيئة مستقلة لمحاربة الفساد، مع الانتهاء من المطالب الفئوية والعمالة الموقتة، بوضع أسس عامة، أو قانون شامل للأجور، وتطبيق قانون الحد الأقصى والأدنى للأجور، وغيره.
إن تطبيق الحد الأقصى والأدنى للأجور هو القرار الأكثر جدلاً في الشارع المصري، فيتساءل المصريون بعضهم البعض، لماذا لم يتم حتى الآن تطبيق القرار ؟ لكنهم لا يصلون لإيجابيات واضحة، ما يتفاعلون به مجرد تصريحات لبعض المسؤولين عن الموضوع، وما أكثرها، فهو محل استغراب، وتعجب لدى المصريين، مثل مواضيع أخرى لا يصلون إلى نتيجة حولها، مثل الصناديق الخاصة، ومن قتل المتظاهرين؟، ولماذا لم يطبق قانون خلو مصر من العمالة المؤقتة الصادر من مجلس الشعب؟ وغيره من الأمور التي تستحق الاستعجال من الرئيس، لأنها رغبة شعبية، وان التأجيل فيها يصبب خسائر واضطراب شعبي.
كتبت عن هذا الموضوع قبل تولى الرئيس د. محمد مرسى للرئاسة، فلم يلقى استجابة، أو رد، فهل سيلقى تلك المرة نوعاً من الاهتمام.
د. سرحان سليمان
الكاتب الصحفي والمحلل السياسي والاقتصادي

شاهد أيضاً

عباس وغياب التشريع والرقابة بقلم : طلال المصري

عباس وغياب التشريع والرقابة بقلم : طلال المصري مستشاروا عباس يتسللون في آذانه ، ويهمسون …