11:44 مساءً / 5 نوفمبر، 2026
آخر الاخبار

القانون يمنح الحقوق ولكنه لا يفرض الوعي: جرائم قتل النساء بين الوعي الفردي وسلطه القانون ، بقلم : الأديبة إيمان مرشد حمًاد

القانون يمنح الحقوق ولكنه لا يفرض الوعي: جرائم قتل النساء بين الوعي الفردي وسلطه القانون ، بقلم : الأديبة إيمان مرشد حمًاد

ان ظاهرة قتل النساء لا يمكن عزوها الى سبب واحد، ولا ينبغي ان نقول ان سببها هو الغضب او الغيره او الخلافات الأسرية. لقد أصبحنا فعلاً أمام ازمة عميقة جوهرها هو فهم بعض الرجال للنساء وطريقتهم في النظر الى السلطة الأسرية وحقوق النساء ضمن هذه المنظومة.

ولا بد من الإشاره هنا إلى أن الخطورة لا تكمن فقط في عمليه القتل وحده بل بمنظومة فكرية واجتماعية هيئتْ المناخ للقاتل وجعلتهُ خياراً متاحاً في عقل الجاني وبعدها قامت بالبحث عن مبررات لجريمته.

1_ ومن أهم الأسباب المحورية هو ان بعض المجتمعات لا ترى في المرأه كينونة مستقلة لها ارادتها وقراراتها وأفكارها بل بوصفها امتداد لسلطتهم مهما كانت صلتهم بها.

2- وفي ظل هذه العقلية لا يكون استقلال المراه حقا مباحاً، بل يصبح تحدياً صارخاً لسلطة الرجل، فان رفضت الانصياع لهذه السلطة، يرى الرجل في هذا الرفض إهانه شخصية تستحق العقاب ومن هذا المنظور يتم التعامل مع استقلال المراة بوصفه تمرداً يستوجب التأديب.

3- غياب الرادع الحقيقي وثقافة العفو عن الجاني : عند وقوع أي جريمه نجد استنكاراً واسعا ومطالبة بتوقيع اقصى العقوبات ونغفل عن سؤال جوهري ألا وهو : ماذا فعلنا قبل وقوع الجريمة ، فقد تكون المراه قد تعرضت للتهديد أو الضرب أو التعنيف فهل وجدتْ ما يستمع لها ويتعامل مع خوفها ام تم التغاضي عنه حتى صارت عملية القتل نهاية حتمية لسلسلة متكررة من العنف ؟ فلو حصل التدخل في الوقت المناسب لما وقعت الجريمة.

4- التربية التقليدية التي تمنح الذكور السلطة ولا تعلمهم المسؤولية ، فالمشكلة تبدا في الطفولةحيث يُربى الذكر على العنجهية والنرجسية ، بينما تُربى الفتاة على الاستسلام والتنازل فقط لانها فتاة ، وتعتبر هذه الثقافة البائسة هي الحل الوحيد لبقاء الأسرة حتى لو كان الثمن سلامة المرأة الجسدية والنفسية او كلاهما معا ، وكأن البيت لا يقوم إلا على طرف واحد ينجح بتضحيته ويفشل برفضه للاستغلال.

وبناء على ذلك فالتربية الناجحة لا تُعلم الفتاه فقط كيف تمتص غضب الرجل بل ايضا تعلم الإنسان ذكراً كان أم انثى كيف يحترم الآخر وكيف يتعامل مع الخلافات وكيف يضبط نفسه ولا يحاول فرض سيطرته على إراده الاخرين.

5- التناقض بين التقدم العلمي والتخلف الاخلاقي. فهناك من يحمل شهادة جامعية، ويحتل منصباً هاماً ويحاضر في التقدم والحضارة ولكنهُ يبقى اسير عقلية قديمة تعتبر المرأة كائناً اقل شأنا منه ، ولذا فإن استقلالها هو انتقاص من شأنه.

6 – جرائم قتل نساء لم تزداد فقط بل أصبحنا نسمع عنها أكثر لأنها أصبحت غير قابلة للإخفاء بسبب الثورة المعلوماتية الحديثة.

فما الذي ينبغي ان نقوم به للحد من هذه الظاهرة؟ اعتقد انه لابد من تضافر جهود كثيرة من كافه الأطراف من خلال قانون حماية المرأه قبل أن يصل الموضوع إلى القتل . ومن الضرورة بمكان محاسبة الجاني وعدم تحميل الضحية مسؤولية ما تعرضت له، وقبل هذا كله يجب ان تحتوي المناهج التربوية على قيم المساواة في الكرامة الإنسانية وقيم احترام الحدود الشخصية، وضبط الانفعالات وتعزيز قدرة المرأة على حماية نفسها من خلال توفير الدعم الاجتماعي والاقتصادي للنساء حتى تتمكن المرأة من الخروج من العلاقات العنيفه دون ان تكون المادة هي العائق الأساسي .

ومن الامور الهامة ايضا هو وجود إعلام يتسم بالوعي والموضوعية حتى لا يُمنح القاتل المساحة التي تمكنه من تبرير جريمته ، وتحميل الضحيه المسؤولية عما حدث لها. فالوقايه الفعلية تتطلب تضافر الجهود القانونية والأمنية والخدماتية ، وليس مجرد الإدانه بعد وقوع الجريمة.

في النهاية لا بد من الإشارة الى نقطة عميقه جداً وهي أن بعض المجتمعات تُعزز في الرجل الشعور بأن كرامتهُ وسلطتهُ مرتبطة بقدرته على التحكم بالمرأه وليس بقدرته على احتوائها واحترامها.

ولذا لا ينبغي حصر هذه الظاهره بمجرد الخلاف بين النساء والرجال لأن القضية أعمق من ذلك بكثير . إنها الصراع بين عقلية ترى ان من حق الإنسان التحكم بمن هم أضعف منه وبين عقلية تؤمن بان الحرية والكرامة حقان يولدان مع الإنسان ولا يجوز انتزاعهما منه.

وأخيراً .. المرأة لا تُقتل فقط لأنها قامت بفعل اعتبره القاتل تحدياً لسلطته، بل تقتل لأن شخصاً ما راى أن سلطته عليها أعلى من سلطه القانون عليه وفي هذه الخلاصه تكمن مفاتيح الحل.

إيمان مرشد حمّاد

شاهد أيضاً

الاتحادات الشعبية لمنظمة التحرير الفلسطينية تشارك في افتتاح مهرجان السينما العربية في ستوكهولم

الاتحادات الشعبية لمنظمة التحرير الفلسطينية تشارك في افتتاح مهرجان السينما العربية في ستوكهولم

شفا – شاركت الاتحادات الشعبية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية في السويد في حفل افتتاح الدورة …